Site icon روكب اليوم

اتهامات متبادلة.. لماذا تعثرت أكبر صفقة تبادل أسرى في اليمن؟ |

654fb 1778771076

روكب اليوم

بينما كانت مئات من الأسر في اليمن تستعد للحظة لقاء ذويها بعد سنوات من الغياب خلف قضبان السجون والمعتقلات، تبددت فجأة، أمس السبت، الفرحة عقب إعلان تعثر تنفيذ أكبر صفقة تبادل للأسرى والمحتجزين على خلفية الصراع الممتد منذ 12 عاما.

وتبادلت الحكومة اليمنية وجماعة أنصار الله (الحوثيون) الاتهامات بشأن الطرف المعرقل لتنفيذ الاتفاق في الموعد المحدد السبت، وهو تعثر رافقته تطورات وتصعيد سياسي وميداني في البلاد على أكثر من محور.

ما تفاصيل الصفقة المتعثرة؟

في 14 مايو/أيار الماضي أعلنت الأمم المتحدة توصل الأطراف في اليمن إلى اتفاق يقضي بإطلاق سراح أكثر من 1600 محتجز بعد 90 يوما من المفاوضات في العاصمة الأردنية عمان.

وكانت تلك المحادثات هي أطول جولة في الملف، وأتت بعد تعثر اتفاق جرى التوصل إليه في 23 ديسمبر/كانون الأول الماضي يقضي بإطلاق سراح 2900 محتجز بعد مشاورات استمرت 12 يوما برعاية الأمم المتحدة في العاصمة العمانية مسقط.

وقالت الحكومة حينها عن اتفاق عمّان إنه يشمل الإفراج عن “عدد من قوات التحالف العربي، ومنتسبي القوات المسلحة والأمن وكافة التشكيلات العسكرية والمقاومة الشعبية، إلى جانب عدد من السياسيين والإعلاميين الذين قضوا سنوات طويلة في معتقلات جماعة الحوثي”.

وقال الحوثيون إنه يقضي بالإفراج عن 1100 أسير ومعتقل من الحوثيين مقابل 580 من الطرف الآخر، بينهم 7 أسرى سعوديين و20 أسيرا سودانيا.

ماذا قالت الحكومة والحوثيين عن فشل التنفيذ؟

حمّل رئيس الفريق الحكومي المفاوض بملف المختطفين والأسرى هادي هيج، الحوثيين مسؤولية عدم إتمام صفقة التبادل في موعدها المحدد.

ووفق وكالة الأنباء اليمنية الرسمية “سبأ” ذكر الهيج أن الفريق الحكومي تلقى يوم الجمعة الماضي بلاغا من اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومكتب المبعوث الأممي إلى اليمن، برفض الحوثيين تنفيذ الصفقة في موعدها المحدد.

وأشار إلى أن هذا الإخطار جاء بعد أن استكمل الفريق الحكومي كافة الإجراءات لتنفيذ صفقة التبادل، متهما الحوثيين باستغلال ملف المحتجزين الإنساني، للابتزاز السياسي والعسكري والاقتصادي.

في المقابل، أرجع رئيس لجنة شؤون الأسرى التابعة للحوثيين عبد القادر المرتضى، التأخير في تنفيذ الصفقة إلى ما أسماها مماطلة الطرف الآخر في تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.

وأشار إلى أن اللجنة التابعة لهم نفذت جميع ما عليها من التزامات وكانت مستعدة لتنفيذ الصفقة وفق الجدول الزمني المتفق عليه، متهما الحكومة برفض إضافة بقية الأسرى الموجودين لديها.

ما رد الأمم المتحدة راعية الاتفاق؟

مع الانتكاسة التي لحقت بالاتفاق، سارع المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، إلى حث الحكومة والحوثيين على تكثيف جهودهما لاستكمال الترتيبات الفنية والتشغيلية المتبقية في أقرب وقت ممكن.

وأشار إلى أنه تلقى خلال الساعات الـ48 الماضية تأكيدات متجددة من الطرفين بشأن التزامهما بالتنفيذ الكامل لاتفاق شهر مايو/أيار، المتعلق بالإفراج عن أكثر من 1600 محتجز.

ماذا عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر؟

بصفتها مشاركة في رئاسة اللجنة الإشرافية المعنية بتنفيذ اتفاق إطلاق سراح المحتجزين، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها على أهبة الاستعداد لتيسير نقل المحتجزين المزمع إطلاق سراحهم، وفق ما نص عليه الاتفاق المبرم بين الأطراف في عمّان.

ووصفت اللجنة نفسها بأنها وسيط محايد، مجددة التزامها بتنفيذ ما أسمته العملية الإنسانية المعقدة في أسرع وقت ممكن للمّ شمل العائلات بأحبابها.

وشجعت اللجنة في بيان لها، الأطراف على مواصلة الجهود الجارية لتيسير عمليات إطلاق سراح المحتجزين ونقلهم.

ما التحديات التي واجهت الاتفاق؟

واجه اتفاقَ عمّان تحديان رئيسيان ربما عثّرا تنفيذه في موعده المعلن سلفا، أولهما ملف السياسي والقيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح محمد قحطان الذي تتهم أطراف يمنية الحوثيين باختطافه وإخفائه منذ عام 2015.

فقد نص الاتفاق وفقا للحكومة اليمنية على تشكيل لجنة من الطرفين بمشاركة أسرة قحطان، للتوجه إلى صنعاء الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، والتحقق من مصيره واتخاذ الإجراءات اللازمة، بحضور اللجنة الدولية للصليب الأحمر وسيطا محايدا، وذلك قبل تنفيذ عملية إطلاق سراح المحتجزين.

لكن تلك اللجنة لم تعلن حتى اللحظة أي بيان رسمي بشأن أعمالها، إذ رهنت الحكومة تنفيذ الصفقة بإنجاز اللجنة المشتركة مع الحوثيين مهامها للتحقق من مصير قحطان.

لكن المتحدث باسم حزب الإصلاح عدنان العديني قال الخميس الماضي إن لجنة المعاينة أنهت أعمالها دون العثور على قحطان أو حسم مصيره، مشددا على أن السؤال ما زال قائما “أين محمد قحطان؟”.

وتزامن ذلك مع حديث وسائل إعلام يمنية عن أن اللجنة مع جهات أممية في صنعاء أخذت عينات مما قال الحوثيون إنها جثة قحطان.

كذلك نقلت وسائل إعلام يمنية عن نجل قحطان تأكيده الشكوك بشأن هوية الجثمان وملابسات الوفاة، موضحا أن الجثمان الذي عُرض يقتصر على الجزء السفلي من الجسد مع غياب الرأس وأجزاء أخرى، وهو ما رآه غير كافٍ لتأكيد الهوية أو إغلاق الملف.

وكشف عن سحب عينات من الرفات لإجراء فحوص الحمض النووي بحضور ممثلين عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر والحكومة اليمنية والحوثيين والأسرة، وأنهم في انتظار النتائج النهائية، بحسب ما نقله موقع قناة بلقيس اليمنية.

وكانت أسرة قحطان قد كذّبت في مايو/أيار الماضي رواية منسوبة للحوثيين بمقتله بغارة جوية عام 2015، وطالبت بتشكيل لجنة دولية بمشاركتها للكشف عن مصيره إذا لم يُفرَج عنه.

أما التحدي الآخر الذي واجه الاتفاق، فهو الاحتجاجات والاحتشاد المسلح في العاصمة المؤقتة عدن ومحافظة شبوة الواقعتين تحت سيطرة الحكومة، إذ ندد المحتجون بما قالوا إنه “إدراج مدانين في عمليات اغتيال ضمن صفقة التبادل”، معبرين عن رفضهم القاطع لذلك مؤكدين أن هؤلاء المحتجزين قبض عليهم خارج جبهات القتال ويجب أن لا يشملهم الاتفاق.

هل هناك موعد جديد للصفقة؟

تتضارب التصريحات بشأن موعد آخر لتنفيذ اتفاق تبادل المحتجزين، ففي حين كشف رئيس الفريق الحكومي هادي هيج أن التأجيل إلى وقت غير محدد، قال المستشار في مكتب الرئاسة اليمنية جابر محمد إن التأجيل سيكون إلى أغسطس/آب المقبل.

وظلت الإخفاقات في ملف الأسرى والمحتجزين حاضرة في السنوات الماضية، إذ دخلت الحكومة والحوثيون خلال أكثر من عقد في جولات مفاوضات بشأن ملف الأسرى. ورغم التوصل في 13 ديسمبر/كانون الأول 2018 إلى اتفاق ستوكهولم الذي تضمن الإفراج عن جميع الأسرى فإن التعثر ظل سيد الموقف وسط تراشق بالاتهامات.

ونجحت الأطراف في تنفيذ صفقات جزئية بدلا عن الكل مقابل الكل، آخرها في أبريل/نيسان 2023 وأُطلق بموجبها سراح نحو 900 أسير ومحتجز من الجانبين بينهم سعوديون وسودانيون بوساطة الأمم المتحدة، بعد مفاوضات في سويسرا.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2020، أطلقت الحكومة والحوثيون سراح 1056 أسيرا، في أكبر صفقة تبادل بين الطرفين منذ اندلاع الحرب بينهما عام 2014، في عملية رعتها الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

عقدت الحكومة والحوثيون خلال 12 عاما جولات تفاوض متعددة لكنها لم تنجح في إغلاق ملف الأسرى (الجزيرة)

ما تفاصيل التصعيد؟

وقد جاء موعد تنفيذ الصفقة على وقع تصعيد سياسي وعسكري، حيث لوح الحوثيون مؤخرا باستئناف الحرب في ظل الهدنة النسبية المستمرة منذ أكثر من 4 سنوات، وفي ظل تحشيد مسلح على أكثر من محور وتصعيد اللهجة ضد السعودية التي تقود التحالف العربي الداعم للحكومة اليمنية.

كما نشبت في 3 يوليو/تموز الجاري أزمة أخرى حين سيّرت إيران رحلة جوية مباشرة إلى مطار صنعاء الواقع تحت سيطرة الحوثيين، في خطوة وصفها مجلس القيادة الرئاسي في اليمن بأنها انتهاك لسيادة اليمن وتحدٍّ للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.

وتعد هذه أول رحلة إيرانية معلنة تصل إلى مطار صنعاء منذ نحو 10 سنوات، بحسب وسائل إعلام يمنية.

وقد توعد الحوثيون عبر المتحدث العسكري لهم يحيى سريع، باستهداف مطارات ومصالح حيوية سعودية إذا استمرت ما وصفها بـ”انتهاكات المجال الجوي اليمني”، متهما الرياض بـ”محاولة منع هبوط طائرة مدنية إيرانية في مطار صنعاء”.

وردا على الاتهامات الحوثية أكد المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف تركي المالكي أن تصريحات الحوثيين الأخيرة ضد المملكة “تمثل محاولة لصرف الأنظار عن الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة بحق الشعب اليمني، وتصدير أزماتها الداخلية والاقتصادية إلى محيط اليمن الإقليمي”.

وأكد أن التحالف سيرد بكل حزم وقوة غير مسبوقة للتصدي لأي محاولة لاستهداف المملكة ومواطنيها ومقدراتها أو محاولات انتهاك سيادة اليمن.

إلى ذلك تشهد منطقة مطارح الريان بمحافظة الجوف، شمالي شرقي اليمن، حشودا قبلية واسعة استجابة لدعوة أطلقها الشيخ القبلي حمد بن راشد بن فدغم الحزمي إلى “النكف القبلي” على خلفية نزاع مرتبط باعتقاله من قبل الحوثيين في قضية تتعلق بفتاة تقول إنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

ماذا عن التهديدات المتبادلة؟

حتى اللحظة تشدد جماعة الحوثيين على عودة الطائرة الإيرانية إلى صنعاء لنقل وفدهم الذي حضر جنازة المرشد الراحل علي خامنئي الأسبوع الماضي، واستمرار الرحلات بين مطاري صنعاء وطهران، في إطار ما تطلق عليه “إنهاء الحصار”.

في غضون ذلك أكد المجلس الرئاسي أنه اتخذ جميع الإجراءات السياسية والدبلوماسية والعسكرية لمنع أي محاولة جديدة لانتهاك سيادة الجمهورية اليمنية، أو فرض أمر واقع عبر تسيير رحلات إيرانية إلى مطار صنعاء خارج الأطر القانونية المعتمدة، محملا إيران والحوثيين المسؤولية كاملة عن أي تداعيات قد تترتب على استمرار هذه الانتهاكات.

ماذا تقول إيران؟

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن “إيران مستعدة لاستخدام كافة طاقاتها الدبلوماسية من أجل رفع الحصار وتنفيذ خارطة الطريق للسلام في الیمن بشكل كامل”، بحسب وكالة الأنباء الإيرانية “إرنا”.

وجاءت تصريحات عراقجي خلال لقائه الأحد الماضي في طهران نائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع والأمن في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليا الفريق الركن جلال الرويشان (أحد أعضاء وفد الحوثيين الذين وصلوا إلى إيران لحضور جنازة خامنئي).

على صعيد متصل كشف وكالة سبأ التابعة للحوثيين، أن القائم بأعمال رئيس حكومة الجماعة محمد مفتاح استقبل في صنعاء ما أسمته السفير الإيراني بصنعاء علي رضائي الذي أكد “وقوف طهران إلى جانب صنعاء ومساعيها وخياراتها لإنهاء العدوان ورفع الحصار الظالم”.

ما المتوقع الآن؟

في الوقت الذي تأمل فيه أسر المحتجزين إغلاق هذا الملف الذي تصفه المنظمات الحقوقية بأنه إنساني، يبدو من الواضح أن الأطراف ستدخل في محادثات صعبة لحلحلة الخلافات والعقد التي تواجه الصفقة.

بيد أن تحقيق تقدم بشأن الصفقة سيرتبط على الأرجح بخفض التصعيد الجاري الذي يهدد باشتعال الحرب مجددا ونسف أجواء الهدوء النسبي الذي شهدته البلاد خلال السنوات الأخيرة.

وتزامنا مع هذه التطورات سيعقد مجلس الأمن الدولي جلسة بناء على دعوة من الحكومة اليمنية لبحث تداعيات أزمة الرحلة الجوية الإيرانية إلى صنعاء، وفق عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي.

وتوقع العليمي وفق وكالة الأنباء الرسمية اليمنية “سبأ” إدانة واضحة من المجتمع الدولي لاختراق السيادة اليمنية، معتبرا أن ما قامت به إيران يمثل انتهاكا سافرا للسيادة اليمنية وتحديا واضحا للأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية.

كما يرتبط جزء من التصعيد بالأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد والضغوط التي تواجهها الأطراف مع السخط المتزايد من قبل المواطنين جراء تدهور الأوضاع ووصولها إلى مستويات غير مسبوقة مع استمرار توقف عمليات تصدير النفط منذ أكتوبر/تشرين الأول 2022، بعد هجمات شنها الحوثيون على ميناء النشيمة وميناء قنا في محافظة شبوة، وميناء الضبة بمحافظة حضرموت شرقي البلاد.

Exit mobile version