Site icon روكب اليوم

«الأيام» تسلط الضوء على مهرجان القارة التراثي في نسخته السادسة.. يافع تختزل التاريخ في كرنفال الهوية والأصالة

01.webp
روكب اليوم

​انطلاق الموكب المهيب من عدن ​في ظهيرة يوم الجمعة المبارك، دارت عجلة رحلتنا التراثية بانطلاق موكب مهيب يفيض بالهيبة والوقار، يتقدمه سلطانا يافع؛ السلطان نواف بن فضل العفيفي، والسلطان أسكندر هرهرة. وضم الموكب نخبة من القيادات الأمنية والعسكرية والمدنية، وفي مقدمتهم الأستاذ الخضر السليماني رئيس (منظمة ياك) الراعي الحصري لمهرجان القارة التراثي ٢٠٢٦ والدكتور عبد السلام الجمالي (قائد قوات الأمن المركزي وقائد القوات الخاصة)، واللواء قائد عاطف (وكيل وزارة الداخلية) القادمين من العاصمة عدن. ناجي إليهري قائد طوق عدن وآخرين.

 

​كان الموعد المشهود والالتحام في مدينة “جعار” بمديرية خنفر، ومن هناك انطلق الرتل الكبير متوغلاً في جغرافيا يافع الساحرة عبر طريق (باتيس – رصد). مررنا بـ “ثنهة” ومنها إلى “الركب” و”أمسدارة”، وصولاً إلى “عقبة فلاحة” الاستراتيجية، حيث بدت معالم الإنجاز واضحة، إذ تشارف أعمال التوسعة والشق فيها على الانتهاء، بفضل الجهود الهندسية والعمالية الجبارة التي ينفذها رجال العمالقة الأشاوس، وبإشراف وتوجيهات مباشرة من القائد الفذ نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، أبو زرعة المحرمي.

​ومع مغيب الشمس وعزف تباشير صلاة المغرب، كان الموكب الضخم الذي يضم رتلاً كبيراً من سيارات الدفع الرباعي يصل إلى عاصمة مديرية سرار، ومنها واصلنا المسير نحو مديرية رصد التي بلغناها بعد ساعة تقريباً من القيادة بين ملتويات  المنطقة.
  • ​صعود القارة.. عبق التاريخ يستقبل السلاطين بالألعاب النارية

​من عاصمة المديرية “رصد”، بدأنا الصعود العمودي الحابس للأنفاس عبر “عقبة جار” الشاهقة، وصولاً إلى موقع احتفالات مهرجان يافع القارة التراثي. وعلى الرغم من أن الليل قد أسدل ستاره الداكن، إلا أن “القارة” الأبية أبت إلا أن تسفر عن وجهها المشرق، فاستقبلتنا بكم هائل وصاخب من الألعاب النارية الملونة ، التي رسمت في السماء لوحات ضوئية باهرة غطت دائرة متسعة الأرجاء واظهرت جمال التنظيم الذي ترعاه منظمة ياك. 

​كانت هذه اللحظة تاريخية بكل المقاييس، فلأول مرة تطأ أقدام السلطانين؛ الشاب نواف العفيفي وأسكندر هرهرة، الصحن الصخري للقارة   الشماء. هذه القلعة الحصينة التي وصفها الكولونيل البريطاني “ليك” بأنها “أروع مكان في الجزيرة العربية” عندما زارها كأول أوروبي في عام 1926م، مصطحباً معه مدفعية جلبها محملة على الجمال عبر طريق “حطاط” و”مسكبة” وصولاً إلى القارة، كهدية للسلطان عيدروس بن محسن العفيفي، حيث مكث “ليك” حينها 12 يوماً -كما دون في مذكراته- لتدريب حرس السلطان وبعض القبائل على إطلاق قذائف المدفع.

​اتجه الموكب بعد ذلك صوب منطقة “فلسان السعدي” -التي تبعد مسافة قصيرة عن قلعة القارة- حيث كان الترتيب أن نكون ضيوفا في منزل الأستاذ الخضر السليماني ومستقراً لنا للعشاء والمبيت. ولمجرد وصولنا إلى مدخل المنطقة، تفجرت السماء مجدداً بتشكيلات مذهلة من الألعاب النارية التي أضاءت حصون وقصور وقيعان فلسان الساحرة.
  • ​فلسان.. مكمن الجود وأيقونة الوجود اليافعي

​”فلسان”.. كنتُ أُمنّي النفس بزيارتها، وأرسم في المخيلة ملامح إنسانها ومعمارها الأصيل منذ زمن بعيد، وها أنا بالأمس، ولأول مرة، أصلها في موكب وحضور رفيع، فإذا بالواقع يربو على الوصف، وإذا بالحقيقة تتجاوز المتوقع!

​ليست “فلسان” مجرد جغرافيا عابرة، بل هي عنوان ناصع في كتاب يافع، تتجلى فيها عبقرية الإنسان، وشاعريته، وعراقة التراث، وشموخ المعمار الفريد الذي يطاول السماء كقلاعٍ من مجد وكبرياء. إنها موطن تعلو فيه الشيم والقيم، وتشرق منه معاني الوجود والجود؛ حيث “الجود” طبيعة وسجية، و”الجودة” إتقانٌ في كل تفاصيل الحياة والإنسان.

​لقد عشنا بالأمس غمرة احتفاء لا تُنسى، حينما أقبل موكبنا المهيب -الذي تشرّف بحضور السلاطين الأجلاء السلطان نواف العفيفي والسلطان أسكندر هرهرة، وقادة الأمن الأوفياء؛ اللواء  د. عبدالسلام الجمالي، واللواء قائد عاطف، القائد محضار السعدي أركان المنطقة الرابعة .  والقائد ناجي اليهري (قائد طوق عدن)، والقائد ديان الشبحي (قائد الحزام الأمني بمديرية يافع رصد)، والأخ علي شيخ السوري (نائب رئيس انتقالي أبين) وآخرين  برفقة مئات الضيوف الأكارم- فما إن لاحت تباشير الموكب في مساء فلسان، حتى تحولت ليلتها إلى نهار، واشتعلت سماؤها ببريق المفرقعات النارية التي أضاءت حصونها المنيعة وقصورها الفخمة جداً، لتعلن للعالم أن هنا يافع الأصالة، وهنا عمق التاريخ.

​غمرنا أهل “فلسان” النجباء برعاية لا توصف، وأحاطونا بحفاوة وكرمٍ يعجز البيان عن شكره، ويقصر اللسان عن ثنائه. لقد وجدنا في عيون الصغير والكبير ملامح “آل فلسان” الإباء والشهامة الذين يتوارثون المجد كابراً عن كابر. فكل التحية والإجلال، والاعتزاز والافتخار، لأهالي “فلسان” الكرام النجباء، كُلاً باسمه وصفته ومقامه السامي، ودامت دياركم عامرة بالخير والجود، ومشرقة بالوجاهة والأصالة، وحفظ الله يافع إنساناً وتاريخاً وبنياناً.

​مع إشراقة الصباح بنوره الوضاء، جلنا في تفاصيل “فلسان”، وفي منتصفها تتسامق شجرة عملاقة تاريخية هي شجرة (التولقة)، التي تعد رمزاً حياً من رموز فلسان ومعمريها. كما تملك فلسان ملعباً رياضياً وفريقاً عريقاً صال وجال في دوري الفرق اليافعية وغيرها، فكان بحق من رواد الحركة الرياضية في يافع.
  • ​الهجرة من فلسان.. أصالة الجذور تحاكي الحداثة

​تعتبر “فلسان” من أقدم مناطق يافع التي هاجر أبناؤها قديماً إلى حضرموت ومنها إلى “حيدر آباد” بالهند، ثم لاحقاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج العربي، لاسيما قطر والسعودية. ومما يبعث على الإعجاب والدهشة، أن الإنسان هنا، مهما تغرّب أو سافر أو نال جنسيات بلدان الاغتراب، يظل مشدوداً بجذور الحنين إلى مسقط رأسه، حريصاً على تشييد قصره الفخم والمنيف في بلدته؛ ويعد الفلسانيون المغتربون في أمريكا هم الأشهر والأبرز في بناء هذه القصور الفارهة.

​بعد تناول وجبة الإفطار، نال بعضنا قسطاً من الراحة والنوم في غرف القصور الوثيرة، وما إن انتصف النهار وصلينا الجمع والقصر، حتى حانت وجبة الغداء، فمدت الموائد العامرة باللحوم العسل والفواكه بأنواعها، في تجسيد حي لرموز الكرم  الحاتمي اليافعي الأصيل. 
  • ​التوجه إلى القارة.. وهج الشمس يذوب أمام الطوفان البشري
بعيد صلاة  الظهر، اتجهت الوفود كافة صوب موقع مهرجان يافع التراثي في أعلى القارة. ورغم حرارة الشمس اللاهبة، إلا أن أرتال السيارات والمواكب البشرية الحاشدة بدأت بالتدفق والوصول من كافة المداخل والمسالك الجبلية المؤدية إلى القارة، في مشهد مهيب يترجم شغف أبناء هذه الأرض بتراثهم.
​”كلد” في المقدمة.. مكاتب يافع تستعرض موروثها بالسلاح الأبيض والعتيق

​وفقاً للأعراف والتقاليد التراثية لاحتفالات القارة، تصدرت “كلد” (المكتب والقبيلة) المشهد بوصفها في مقدمة الواصلين، مارة بموكبها المهيب ورقصة “البرع” الحماسية، لتتوالى بعدها بقية المكاتب اليافعية تباعاً، تصدح برواجزها وأهازيجها، ومؤدية رقصات البرع بالسلاح الأبيض (الجنابي اليافعية الشهيرة) والأسلحة النارية القديمة؛ وهي ذات الأسلحة التاريخية التي ذادت بها يافع عن حياضها وحاربت بها في حضرموت ونعوة، وقاومت بها الغزو القاسمي والتركي والاستعمار البريطاني في مختلف أرجاء الجنوب.

​بدأت فعاليات المهرجان بآيات محكمات من الذكر الحكيم، تلاها وقوف الحاضرين دقيقة حداد لقراءة الفاتحة على روح الرئيس الفقيد عبدربه منصور هادي.

​عقب ذلك، قدم مقدم الحفل إلى الجموع الغفيرة المحتشدة السلطان نواف بن فضل العفيفي ورفيقه السلطان أسكندر بن هرهرة، حيث جسد حضورهما معاً رمزية بالغة العمق لوحدة أبناء يافع وتلاحمهم في السراء والضراء.

​استهل الحفل الخطابي الأمير محمد غالب العفيفي، رئيس اللجنة التحضيرية للمهرجان، بكلمة ترحيبية، وفي لفتة تقديرية أصيلة، أبى السلطان نواف العفيفي إلا أن يقدم ضيفه الكبير السلطان أسكندر هرهرة لإلقاء كلمته، والتي جاءت مقتضبة لكنها عظيمة الدلالات؛ حيث دعا فيها إلى حماية يافع من الغلو والتطرف، وموجهاً أسمى آيات الشكر والتقدير للمغتربين والمواطنين من أبناء يافع الذين غدوا صناعاً حقيقيين للتنمية والتطوير على مر الأزمان، مشدداً على ضرورة الاهتمام بالعلم والتنمية البشرية في مختلف التخصصات الجامعية باعتبار المعرفة هي السر الحقيقي لنهضة الشعوب وتطورها.
  • ​التوشح بالعلم الجنوبي.. رسائل سياسية حاسمة

​ورداً على ما ساد قُبيل المهرجان من لغط وجدل واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لفت الأنظار توشح السلطانين بـ “العلم الجنوبي” على صدورهما. وفي كلمته الحماسية، قال السلطان الشاب نواف العفيفي نبرة واثقة: “أنا ابن يافع وحفيد السلطان الثائر محمد بن عيدروس العفيفي، يافعي الأصل، جنوبي الهوى والهوية، ولن نحيد عن موقف شعبنا ومطالبه المشروعة في استعادة هويته ودولته الجنوبية كاملة السيادة”. وفور انتهاء كلمته، اشتعل ساحة المهرجان بالتصفيق الحار والهتافات المدوية والشعارات المؤيدة للقضية الجنوبية.

​بعد ذلك، ألقى رئيس منظمة يافع الأمريكية (ياك) الراعية للمهرجان، الشاب الخضر السليماني، كلمة عبر فيها عن سعادته الغامرة بمشاركة أهله هذا المهرجان الكرنفالي والعيدي التراثي الجليل، زافاً بشرى سارة للجمهور تعلن حصول جمعية (YAAC) في الولايات المتحدة الأمريكية على الصفة الاستشارية لدى منظمة الأمم المتحدة، وسط ترحيب واسع.
  • ​للشعر كلمته.. وفصحى الموسوعة اليافعية تختتم الإبداع

​ولأن يافع هي موطن الفصاحة والشعر، كان للقصيدة حضورها الطاغي حين اعتلى المنصة جهابذة وفحول الشعر اليافعي، وفي مقدمتهم الشاعر زايد علي السليماني، وشاعر الثورة الجنوبية “داعس”، والشاعر المثقف عبد الفتاح السنيدي، والشاعر حسين الحدي، والشاعر محمود الحربي، وآخرون. أضفت قصائدهم الحماسية والوطنية أجواء من النشوة والبهجة، وتفاعل معها الجمهور بالتصفيق والتأييد تحت لهيب الشمس الحارة.

​وفي ختام الفعاليات، ألقى الأستاذ عمر المشتهر والدكتور نادر سعد (مؤلف الموسوعة اليافعية) كلمتين رصينتين باللغة العربية الفصحى، نالتا إعجاب واستحسان الحاضرين، حيث أشادت الكلمات بالموروث الثقافي والتراثي والتاريخي الغني الذي تكتنزه وتذود عنه هذه المنطقة الاستثنائية.

Exit mobile version