
ليست علاقة الإمارات بإسرائيل علاقة تحالف ظرفي أو تقاطع مصالح عابر إنما هي علاقة قدوة واستلهام نموذجي في فهم الدولة الصغيرة لذاتها ولمحيطها . فقد وجدت الإمارات في التجربة الإسرائيلية مثالًا لدولة محدودة العمق الاستراتيجي ، قَلِقة بنيويًا تعوّض هشاشتها الجغرافية عبر الاختراق الاستخباراتي في البنى المجتمعية ، والعمل من تحت السطح ، وإدارة الصراعات منخفضة الكلفة بدل خوض الحروب المفتوحة . هذا النموذج الذي يقوم على تحويل القيد إلى أداة ، والهشاشة إلى فاعلية هجومية غير مباشرة ، شكّل مرجعًا ذهنيًا لسلوك إماراتي متصاعد في الإقليم .
في هذا السياق لم يكن الإعجاب الإسرائيلي نابعًا من القوة العسكرية التقليدية ، بل من القدرة على نقل خطوط الاشتباك خارج الجغرافيا ، وبناء نفوذ يتجاوز الحجم الطبيعي للدولة ، عبر الوكلاء، والموانئ ، والجزر ، والعُقد اللوجستية ، والتغلغل الأمني في مناطق رخوة . هكذا تشكّل سلوك سياسي لا يسعى إلى الحسم بل إلى التحكم في مسارات الصراع ، وضبط إيقاعه بما يمنع استقراره أو انفجاره الكامل واستخدامه كأوراق ضغط .
غير أن النقطة الأكثر حساسية في هذا الاستلهام تتعلق بالموقف من الإسلام المعتدل ، حيث يلتقي النموذجان الإسرائيلي والإماراتي لا عند معاداة الدين بوصفه عقيدة لكن عند العداء لأي منظومة قيمية متماسكة تشكل سداً منيعاً ضد الاختراق لسلامة الفهم وصفاء العقيدة . فإسرائيل ترى في أي نموذج إسلامي يمتلك هذه المواصفات غير خاضع تهديدًا طويل الأمد ، حتى وإن كان غير عنيف لأنه يحمل قابلية إنتاج معنى جامع وشرعية راسخة . هذا التصور وجد صداه لدى الإمارات لكن بصيغة أكثر تعقيدًا وأقل مباشرة .
لم تخض الإمارات حربًا صريحة على الإسلام المعتدل بقدر ما خاضت عملية تفكيك ممنهجة للمرجعية الإسلامية الجامعة عبر مسارين متوازيين . المسار الأول استهدف إضعاف الرابطة الرمزية والتاريخية بين الإسلام المجتمعي بأكمله وبين السعودية بوصفها مركز الإسلام وقدسية الحرمين . وقد جرى ذلك من خلال إنتاج نماذج دينية هجينة تمزج بين تدين فردي منزوع الهوية ، وخطاب طقوسي أو صوفي أو حداثي شكلي ، بما يسمح بتقديم “إسلام بلا مركز”، قابل للتدوير وغير قادر على توليد رابطة جامعة أو مرجعية سيادية .
في هذا الإطار لم يكن توظيف بعض التيارات توظيفًا دينيًا بقدر ما كان أداة تفكيك رمزي ، تهدف إلى فصل التدين عن مركزه التاريخي ، وتحويله إلى ممارسة محلية معزولة عن أي عمق حضاري أو مظلة جامعة . أما المسار الثاني فتمثّل في رفع شعار محاربة جماعة الإخوان المسلمين ، لا بوصفها تنظيمًا سياسيًا عابرًا للحدود ، بل بوصفها غطاءً وظيفيًا لتجريم المجال الإسلامي برمّته .
تحوّل مفهوم “الإخوان” في الخطاب الإماراتي من توصيف تنظيمي محدد إلى وسم سياسي فضفاض ، يُلصق بكل من يعارض المشروع الإماراتي أو يكشف طبيعته التدخلية ، أو يرفض تحويل الدين إلى أداة أمنية لتجريم المختلف معها . وبذلك أُفرغ المفهوم من مضمونه ، وأُعيد توظيفه بوصفه أداة نزع شرعية ، على نحو يشبه الاستخدام الإسرائيلي لمصطلح “الإرهاب” كتصنيف شامل يسبق أي نقاش سياسي أو أخلاقي أو غطاء لفرط القوة ضد شعب يناضل لنيل حقوقه المشروعة .
غير أن الفارق الجوهري بين النموذجين يظل قائمًا . فإسرائيل ترى أنها دولة تعيش صراعًا وجوديًا وتملك سردية تعبئة شاملة “تبرّر” سلوكها العدائي وتمنحه تماسكًا داخليًا ، بينما الإمارات دولة “وظيفية–اقتصادية” تحاول استعارة أدوات القوة الإسرائيلية من دون امتلاك شرطها الوجودي أو بنيتها المجتمعية الصراعية . ما يُعد مبرر كضرورة وجودية تتحجج به إسرائيل ، يتحول في الحالة الإماراتية إلى مغامرة فائضة عن الحاجة ، تُراكِم العداء بدل أن تبني شرعية وتستدعي الاستنزاف بدل أن تحقّق ردعًا مستقرًا .
من هنا، لا يمكن قراءة السلوك الإماراتي بوصفه مجرد سياسة أمنية ، بل بوصفه محاولة لتقليد نموذج صراعي لدولة محاصَرة داخل سياق دولة كان يمكنها أن تبني نفوذها عبر الاستقرار لا عبر هندسة الفوضى . إنه انتقال من منطق الدولة التاجر إلى منطق الدولة المتدخلة ، ومن الاستثمار في البيئة إلى الاستثمار في اختراقها ، في مسار قد يوسّع النفوذ مؤقتًا ، لكنه يضيّق هامش القبول ويُراكم كلفة سياسية يصعب تفريغها لاحقًا .