Site icon روكب اليوم

البوسنة والهرسك.. انتخابات داخل قفص دايتون |

AFP 20221002 32K 1790938074

روكب اليوم

كان تفكك يوغوسلافيا وما تلاه من حروب في تسعينيات القرن الماضي من أشد الفصول قتامة في تاريخ البلقان الحديث. بدأت شرارة الانفصال من سلوفينيا، واحدة من أصغر مكونات يوغوسلافيا، التي أجرت استفتاء على الاستقلال في ديسمبر/ كانون الأول 1990، وأعلنت استقلالها رسميا في 25 يونيو/حزيران 1991. وفي اليوم نفسه، أعلنت كرواتيا استقلالها بعد استفتاء على الاستقلال حظي بتأييد واسع جرى في وقت سابق من العام نفسه.

لكن على عكس سلوفينيا التي حصلت على استقلالها في حرب خاطفة، تطورت الأمور في كرواتيا إلى مواجهات واسعة بين القوات الكرواتية من جهة، والجيش الشعبي اليوغوسلافي والقوات الصربية المحلية في كرواتيا من جهة أخرى. وقد شهدت الحرب معارك وحصارات قاسية، ثم عمليات تطهير عرقي وتهجير جماعي. واستمرت الحرب فعليا حتى عام 1995، وتمكَّنت كرواتيا من استعادة أراضيها خلالها. بيد أن ضحية التفكك اليوغوسلافي الأبرز كانت البوسنة والهرسك.

قصص مقترحة

list of 3 itemsend of list

ولادة عسيرة واتفاق مأزوم

على خلاف الجمهوريات اليوغوسلافية الأخرى مثل صربيا وكرواتيا وسلوفينيا، لم تعرف البوسنة والهرسك قبيل تفكك الاتحاد اليوغوسلافي أغلبية قومية مطلقة. فقد ضمّت البوشناق والصرب والكروات، إلى جانب جماعات وهويات أخرى، في تركيبة سكانية متشابكة؛ ولذلك كثيرا ما وُصفت، على نحو مجازي، بأنها “يوغوسلافيا مصغرة” على اعتبار أنها مرآة تعكس التنوع والتباين بين مختلف مكونات الجمهوريات اليوغوسلافية.

يلمس ذلك كل زائر للبلدة القديمة في سراييفو، إذ يرى ذلك التنوع الديني والإثني والقومي، حيث يتجاور مسجد “الغازي خسرو بك” وكاتدرائية “قلب يسوع الأقدس” الكاثوليكية مع كاتدرائية “ميلاد والدة الإله” الأرثوذكسية وكنيس يهودي يعود إلى أوائل القرن العشرين، كل ذلك في مربع باش تشارشيا، السوق القديم بالعاصمة البوسنية.

“بعد انهيار يوغوسلافيا سعت صربيا وكرواتيا لتقاسم أراضي البوسنة”

غير أن هذا التنوع تحول مع انهيار يوغوسلافيا إلى خصومات ودم، وانقلب إلى سعي لتقاسم أراضي البوسنة والهرسك بين الجارتيْن صربيا وكرواتيا. وبرز ذلك في اجتماع سري كُشفت تفاصيله لاحقا عقده كل من الرئيس الصربي الأسبق سلوبودان ميلوشيفيتش، ونظيره الكرواتي فرانيو تودجمان، في مارس/آذار 1991 بمنطقة كاراجورجيفو. ويرجح أن الزعيمين ناقشا في هذا الاجتماع خطة لتقسيم البوسنة والهرسك على أساس عرقي، بحيث تُضمُّ الأراضي ذات الأغلبية الكرواتية إلى كرواتيا وذات الأغلبية الصربية إلى صربيا. غير أن تصاعد الحرب في كرواتيا ثم في البوسنة نفسها لاحقا عرقل المضي قدما في هذا الاتفاق.

البوسنة والهرسك (الجزيرة)

ففي 29 فبراير/شباط 1992، أجرت البوسنة استفتاء على الاستقلال حظي بتأييد الأغلبية وسط مقاطعة صربية واسعة. وقد اعترفت الجماعة الأوروبية (الاتحاد الأوروبي فيما بعد) والولايات المتحدة بالاستقلال، لكن الحرب كانت قد بدأت تندلع على نطاق واسع. وكانت الحرب في البوسنة أكثر دموية وتعقيدا من حرب كرواتيا من حيث عدد الضحايا وحجم التهجير وتداخل الجبهات، لأن السكان كانوا مختلطين جغرافيا بشكل أكبر، ولأن الحرب تحوَّلت إلى صراع متعدد الأطراف بين القوات الصربية البوسنية، والقوات الحكومية ذات الأغلبية البوشناقية، والقوات الكرواتية البوسنية، مع تدخل مباشر وغير مباشر من صربيا وكرواتيا.

على الصعيد العسكري، عانى البوشناق الحظر الشامل على توريد الأسلحة، فيما ورثت قوات صرب البوسنة عتاد الجيش اليوغوسلافي، علاوة على الدعم الكامل من بلغراد. ووصل عدد ضحايا الحرب في البوسنة إلى نحو 100 ألف غالبيتهم من البوشناق المسلمين، كما هُجِّر ما يزيد على مليوني شخص وسط حملات تطهير عرقي واسعة ومعسكرات تعذيب بلغت ذروتها في الإبادة الجماعية في سربرنيتسا في يوليو/تموز 1995، حينما قتلت قوات صرب البوسنة أكثر من 8 آلاف بوشناقي في نطاق جغرافي كانت الأمم المتحدة قد أعلنته “منطقة آمنة”.

“فرضت إدارة بيل كلينتون الأمريكية اتفاق دايتون على الأطراف المتحاربة”

لم تنتهِ الحرب إلا بتدخل خارجي، وتحديدا من إدارة بيل كلينتون الأمريكية، التي فرضت قبول اتفاق “دايتون” على الأطراف المتحاربة. وقد أوقف الاتفاق الذي وُقِّع في أواخر عام 1995 شلال الدماء، لكنه في الوقت نفسه أرسى عراقيل وعوائق أمام بناء دولة بوسنية متماسكة وفعَّالة. هذه الدولة البوسنية، التي وُلِدَت من رحم واحدة من أكثر حروب أوروبا دموية منذ الحرب العالمية الثانية، تخوض الآن انتخابات جديدة وسط أزمات عميقة تطارد اتفاق “دايتون” في ظل صراع روسي أوروبي، وتحوُّلات جذرية في الدور الأمريكي، وتفكك للمنظومة الأمنية الغربية التقليدية.

نظام سياسي معقد

يُعدُّ النظام السياسي في البوسنة والهرسك من أعقد الأنظمة في العالم. فقد بنى اتفاق دايتون الدولة على أساس المحاصصة بين المكونات العرقية الثلاثة الكبرى في البوسنة: البوشناق وصرب البوسنة وكروات البوسنة. ويتضمن الملحق الرابع من الاتفاق دستور البوسنة والهرسك، ويُقسِّم البلاد إلى كيانين يتمتعان بقدر كبير من الحكم الذاتي: اتحاد البوسنة والهرسك، الذي ينقسم إلى عشرة كانتونات ويقطنه بشكل رئيسي البوشناق والكروات، وهو يغطي حوالي 51% من مساحة الدولة، ثم جمهورية صرب البوسنة أو صربسكا، التي يقطنها بشكل رئيسي الصرب، وهي تغطي حوالي 49% من أراضي البلاد، بالإضافة إلى مقاطعة برتشكو ذاتية الحكم.

يبدو النظام من الخارج مثله مثل أي نظام فيدرالي، إلا أن الدخول في تفاصيل وآليات الحكم يُبرِز حجم التعقيدات. فمنصب الرئاسة، أو المجلس الرئاسي، يتقاسمه ثلاثة رؤساء يتمتع كل منهم بحق الفيتو ويمثلون المكونات الثلاثة الأساسية، ويتناوبون كل ثمانية أشهر. أما السلطة التنفيذية فتنقسم فعليا بين 14 حكومة: حكومة الدولة المركزية، وحكومة اتحاد البوسنة والهرسك، و10 حكومات لكل من المقاطعات العشر، ثم حكومة جمهورية صرب البوسنة وحكومة مقاطعة برتشكو.

وفوق هذا كله ثمة منصب لا ينتخبه أحد، ويتمتَّع بصلاحيات تفوق صلاحيات الرئاسة والحكومة والبرلمان وهو الممثل السامي. ووفقا لاتفاق دايتون، يُعَد الممثل السامي الأجنبي مسؤولا عن الإشراف على تنفيذ الاتفاق، وله صلاحيات تُعرف بـ “صلاحيات بون”، التي يَحِق له من خلالها سن القوانين وعزل المسؤولين وغير ذلك من الصلاحيات الواسعة.

من ينتخب البوسنيون؟

لا تجري البوسنة انتخابا واحدا، بل عدة انتخابات في وقت واحد. ففي يوم 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يختار الناخبون أعضاء رئاسة البوسنة والهرسك الثلاثية؛ حيث ينتخب المقترعون في اتحاد البوسنة والهرسك العضوين البوشناقي والكرواتي، فيما يُنتخَب العضو الصربي من ناخبي جمهورية صِرب البوسنة حصرا. ثم يأتي الدور على مجلس النواب في الجمعية البرلمانية للبوسنة والهرسك، وهو البرلمان على مستوى الدولة، ويضم 42 عضوا. ثم مجلس النواب في برلمان اتحاد البوسنة والهرسك، ومجالس الكانتونات العشرة في اتحاد البوسنة والهرسك؛ حيث يُصوِّت كل ناخب في الاتحاد لمجلس “الكانتون” الذي يقيم فيه. وأخيرا يُنتخب رئيس جمهورية صرب البوسنة ونائبه، والجمعية الوطنية لجمهورية صرب البوسنة.

يعني هذا أن البوسنيين يُصوِّتون على طبقات متعددة من النظام السياسي: مستوى الدولة، ثم مستوى الفيدرالية، ثم مستوى “الكانتون” إن كانوا مقيمين في اتحاد البوسنة والهرسك. وبعد ذلك تقوم البرلمانات والأحزاب والتحالفات بتشكيل الحكومات وتسمية رؤساء الحكومات والوزراء. وبحسب لجنة الانتخابات المركزية، بلغ عدد الناخبين المسجلين هذا العام 3,414,364 ناخبا. وتجدر الإشارة إلى أنه للمرة الأولى في الانتخابات العامة البوسنية جرى التعرف البيومتري على الناخبين والتحقُّق من هوياتهم، مع ماسحات أوراق الاقتراع والنقل الإلكتروني للنتائج.

صندوق الاقتراع أمام علم البوسنة والهرسك، حيث يجري التصويت على طبقات متعددة (موقع لجنة الانتخابات المركزية في البوسنة والهرسك)

على مستوى الرئاسة يتنافس 10 مرشحين على المقاعد الثلاثة في مجلس الرئاسة. في سباق المقعد البوشناقي، تجمع الانتخابات عددا من أبرز الوجوه المعروفة في السياسة البوشناقية، إذ يسعى الرئيس الحالي دينيس بيتشيروفيتش إلى ولاية جديدة بدعم تحالف واسع، وينافسه عضو مجلس الرئاسة السابق وزعيم حزب العمل الديمقراطي بكر عزت بيغوفيتش، نجل علي عزت بيغوفيتش، الزعيم الراحل والأشهر في تاريخ البوشناق الحديث. ويضم السباق أيضا سمير أفنديتش من “حزب البوسنة والهرسك”، وفخر الدين رادونتشيتش من حزب “الاتحاد من أجل مستقبل أفضل”.

ويعيد السباق جزئيا مواجهة عام 2022، حين هزم بيتشيروفيتش عزت بيغوفيتش. ولكن انتخابات عام 2026 ليست مجرد إعادة للمواجهة السابقة. فوجود عدة مرشحين ذوي ثقل يعني أن توزيع الأصوات بين الأحزاب ذات التوجه البوشناقي قد يكون حاسما. كما ستختبر النتيجة ما إذا كانت إعادة الاصطفاف السياسي التي أبعدت حزب العمل الديمقراطي عن الحكومة بعد 2022 لا تزال صامدة.

“يتنافس 10 مرشحين على المقاعد الثلاثة في مجلس الرئاسة”

أما سباق المقعد الكرواتي في مجلس الرئاسة فله دلالاته الخاصة. فقد رشَّح الاتحاد الديمقراطي الكرواتي للبوسنة والهرسك (الحزب الشقيق للحزب الحاكم في كرواتيا) داريانا فيليبوفيتش، وينافسها سلافن كوفاتشيفيتش، مرشح الجبهة الديمقراطية، والمرشح المستقل زدينكو لوتشيتش، المدعوم من مجموعة من أحزاب المعارضة الكرواتية. وتأتي الانتخابات فيما ينهي جيليكو كومشيتش، الذي تحولت انتصاراته الانتخابية المتكررة إلى الرمز الأبرز للخلاف حول تمثيل الكروات، ولايته الرابعة في مجلس الرئاسة.

وفي سباق المقعد الصربي، تسعى شاغلة المقعد الحالية جيليكا تسفيانوفيتش، من تحالف الديمقراطيين الاشتراكيين المستقلين (SNSD)، إلى ولاية جديدة، وينافسها مارينكو بوجوفيتش من الحزب الديمقراطي الصربي، ونيبويشا فوكانوفيتش أحد أبرز وجوه المعارضة في جمهورية صرب البوسنة. وتقيس السباقات الثلاثة موازين القوى داخل السياسة البوشناقية، والصراع غير المحسوم بشأن تمثيل الكروات، والمنافسة بين الحزب التاريخي الأقوى في جمهورية صرب البوسنة وقوى المعارضة هناك.

حزبيا، يُعَد حزب العمل الديمقراطي (SDA)، بقيادة بكر عزت بيغوفيتش، الحزب الأهم تاريخيا في البوسنة. فقد قاده أثناء الحرب والده علي عزت بيغوفيتش، وظل من القوى المركزية في السياسة البوشناقية بعد الحرب. وتأتي منافسته الرئيسية اليوم من عدة اتجاهات، أولها الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SDP) متعدد الإثنيات الذي ينتمي إلى يسار الوسط ويُشكِّل مع حزب الشعب والعدالة (NiP) وحزب “حزبنا” الليبرالي، الائتلاف المعروف شعبيا باسم الترويكا أو الثلاثية، الذي اجتمع على معارضة حزب العمل الديمقراطي.

استطاعت الترويكا في انتخابات عام 2022 إلحاق واحدة من أقسى الهزائم بحزب العمل، فقد خسر زعيمه عزت بيغوفيتش سباق الرئاسة بفارق كبير، ثم وجد الحزب نفسه خارج السلطة على مستوى الدولة واتحاد البوسنة والهرسك. كما يضيف حزب البوسنة والهرسك (SBiH) بقيادة سمير أفنديتش لاعبا مهما آخر إلى الساحة السياسية البوشناقية.

أما بين كروات البوسنة، فيظل الاتحاد الديمقراطي (HDZ BiH) القوة المهيمنة. وقد جعل الحزب، بقيادة دراغان تشوفيتش، مسألة ما يسميه “التمثيل المشروع” للكروات، أحد مطالبه السياسية الرئيسية. وأخيرا، في جمهورية صرب البوسنة، هيمن تحالف الديمقراطيين الاشتراكيين المستقلين (SNSD) على السياسة لسنوات تحت قيادة ميلوراد دوديك. وتحاول المعارضة بصورة متزايدة نقل أجزاء من النقاش السياسي نحو الفساد والحكم وطول سيطرة التحالف الحاكم الصربي على المؤسسات.

انتخابات في دولة هشة

وتبقى أكبر الأزمات على الإطلاق في الانتخابات الحالية هي تلويح جمهورية صرب البوسنة الدائم بالانفصال. فعلى مدار عقدين من الزمن، كان ميلوراد دوديك الشخصية المهيمنة في الحياة السياسية داخل جمهورية صرب البوسنة. وفي عام 2023، وقع دوديك مراسيم قانونين أقرتهما الجمعية الوطنية لجمهورية صرب البوسنة: الأول يقضي بعدم تطبيق وتنفيذ قرارات المحكمة الدستورية للبوسنة والهرسك، والثاني يحذف قرارات الممثل الأعلى من قائمة القرارات الواجب نشرها في الجريدة الرسمية، ما يعني عدم الاعتراف بشرعيته.

ميلوراد دوديك (رويترز)

تدخل الممثل السامي سريعا لإلغاء هذه المراسيم وقام بتمرير تعديل قانوني يُجرم عدم الامتثال لقراراته ويعتبره هجوما على النظام الدستوري للبلاد. زادت الأمور حدة في 26 فبراير/شباط 2025، حيث حكمت المحكمة العليا في البوسنة والهرسك على دوديك بالسجن لمدة عام وحظرته لمدة ست سنوات من تولي مناصب عامة بسبب تحدي قرارات الممثل السامي. وفي مارس/آذار 2025، أصدرت المحكمة أمر اعتقال بعد أن رفض دوديك المثول أمامها. وبعد فشل الاستئناف، أمرت لجنة الانتخابات المركزية بإقالة دوديك من رئاسة جمهورية صرب البوسنة في 6 أغسطس/آب 2025.

رضخ دوديك لقرار المحكمة في النهاية، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أجريت انتخابات رئاسية مبكرة في جمهورية صرب البوسنة لانتخاب بديل له، وفاز فيها سينيشا كاران، المرشح المدعوم من دوديك، ومن ثمَّ بقي الأخير الحاكم الفعلي لجمهورية صرب البوسنة. وبينما كانت البوسنة منشغلة بتطورات قضية دوديك وتبعاتها الداخلية، طرأ عامل آخر من الخارج تمثل في رفع وزارة الخزانة الأمريكية عقوباتها عن دوديك، رُغم أنه أحد أبرز حلفاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوروبا.

وقد كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية في أكتوبر/تشرين الأول 2025 عن حملة ضغط أدارها دوديك في واشنطن لهذا الغرض وغيره. وتبقى جمهورية صرب البوسنة إحدى أكثر أزمات البوسنة والهرسك تعقيدا في ظل الإصرار على الخطاب الانفصالي وتقييد العمل مع مؤسسات الدولة، وصولا إلى المطالبة العلنية بالاستغناء عن منصب الممثل السامي، ما يشكل تهديدا لاتفاق دايتون برمته.

لا تقتصر الأزمات على جمهورية صرب البوسنة. فاتحاد البوسنة والهرسك، المُكوَّن في غالبيته من البوشناق والكروات، يواجه مطالب كرواتية قديمة تتجدَّد عند كل محفل سياسي، تتمثل في تعديل قانون الانتخابات. وينص القانون على انتخاب رئاسة جماعية تتكون من ثلاثة أعضاء: بوشناقي وكرواتي يُنتخبان مباشرة من اتحاد البوسنة والهرسك، وصربي ينتخب من جمهورية صرب البوسنة. ومن ثمَّ يستطيع الناخب المُسجَّل في الاتحاد التصويت إما للمرشح البوشناقي أو للمرشح الكرواتي، بصرف النظر عن قوميته، لكنه لا يستطيع التصويت لكليهما، بينما يُصوِّت ناخبو جمهورية صرب البوسنة لاختيار العضو الصربي وحده.

جسر موستار (ستاري موست)، الذي دمر خلال حرب البوسنة وأعيد إعماره لاحقا (غيتي)

ومن هنا تحديدا تنطلق شكوى الأحزاب الكرواتية القومية، وفي مقدمتها الاتحاد الديمقراطي الكرواتي في البوسنة والهرسك (HDZ BiH)، التي تقول إن التفوق العددي للبوشناق داخل اتحاد البوسنة والهرسك يتيح لناخبين بوشناق التأثير في اختيار العضو الكرواتي في الرئاسة الثلاثية. ويبرز هذا الاعتراض خصوصا عندما يختار ناخبون من مناطق ذات أغلبية بوشناقية مرشحا كرواتيا ذا خطاب مدني ومتعدد القوميات، بدلا من مرشح الأحزاب الكرواتية القومية.

وتستشهد تلك الأحزاب بحالة جيليكو كومشيتش، العضو الكرواتي في الرئاسة، الذي تقول إن نمط توزيع أصواته في انتخابات عدة، ولا سيما عامي 2018 و2022، أظهر اعتماده بدرجة كبيرة على أصوات في مناطق ذات أغلبية بوشناقية. ولذلك تجادل بأن فوزه قانوني، لكنه لا يحقق، من وجهة نظرها “التمثيل الكرواتي المشروع”.

تطالب هذه الأحزاب بتعديل آلية انتخاب العضو الكرواتي. وقد تلقت هذه المطالب دعما سياسيا من البرلمان في كرواتيا، الذي أقر في 15 يوليو/تموز 2026 قرارا بعنوان “تعزيز الموقع السياسي للكروات في البوسنة والهرسك”. وحث القرار حكومة زغرب على دعم “المساواة السياسية الكاملة” لكروات البوسنة، وإصلاحات انتخابية تضمن انتخاب كل شعب من الشعوب المؤسسة “ممثليه الشرعيين”، ومن ضمن الصيغ التي أيدها إنشاء دائرة انتخابية منفصلة لانتخاب العضو الكرواتي في الرئاسة. وأقر القرار بتأييد 83 نائبا، في ظل مقاطعة المعارضة من اليسار ويسار الوسط للتصويت.

“يقصد بالكيان الكرواتي الثالث مقترح إنشاء وحدة سياسية جديدة ذات غالبية كرواتية في البوسنة والهرسك”

وتثير هذه المطالب إشكالية أعمق، فهي تجعل الانتماء القومي، لا المواطنة، الأساس الدائم للحقوق السياسية، وتمنح الأحزاب القومية عمليا حق احتكار تمثيل جماعاتها، بل واجتذاب الدعم لها من الدولة القومية المجاورة الممثلة فعليا لتلك الجماعة الإثنية (مثل كرواتيا في حالة الكروات). كما يستحضر المقترح مخاوف تاريخية من أن يكون مدخلا لإحياء مطلب “الكيان الكرواتي الثالث”.

ويُقصد بالكيان الكرواتي الثالث مقترح إنشاء وحدة سياسية  جديدة ذات غالبية كرواتية في البوسنة والهرسك، لتصبح ثالث كيان دستوري إلى جانب اتحاد البوسنة والهرسك وجمهورية صرب البوسنة. وهو ما يعيد إلى الذاكرة إرث “هيرتسيغ-بوسنا”، الكيان الكرواتي البوسني غير المعترف به الذي ظهر خلال الحرب، وارتبط في تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية بمشروع لإقامة كيان كرواتي ذي صلات خارجية.

في قفص دايتون

آخر الأزمات السياسية التي شهدتها البوسنة والهرسك كانت في مايو/أيار الماضي، حين أعلن الممثل السياسي ألماني الجنسية كريستيان شميت استقالته المفاجئة من منصبه. ومع أن السياسي الألماني لاقى معارضة من قبل صرب البوسنة والبوشناق على حد سواء، فإن الاستقالة حرَّكتها عوامل خارجية أكثر منها داخلية، أبرزها ضغوط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. ومنذ الاستقالة، يبقى المنصب الدولي شاغرا، ويقوم مقام شميت حاليا الدبلوماسي الأمريكي ونائبه سابقا لويس كاريشوك.

كريستيان شميت (رويترز)

في خضم هشاشة النظام السياسي وتقلُّب الشعبية بين الأحزاب وتنامي النزعة الانفصالية الصربية وتبلور نزعة ذاتية أقوى عند الكروات، بالتزامن مع تبدُّل في الأوضاع الإقليمية المحيطة بالبلقان، تبدو ثقة المواطنين شبه معدومة في الدولة بعد ثلاثة عقود من ولادتها، ويبرز ذلك بالأساس من نسب الهجرة المرتفعة، التي تُعَد واحدة من أبرز التحديات الديموغرافية والاقتصادية التي تواجه البوسنة والهرسك.

“تنعكس نتيجة الانتخابات على علاقات البوسنة مع جارتيها صربيا وكرواتيا”

تخسر البلاد منذ سنوات نسبة معتبرة من سكانها، لا سيَّما الشباب وأصحاب المهارات، بحثا عن فرص عمل ومستويات معيشة أفضل في دول الاتحاد الأوروبي. ويشير البنك الدولي إلى أن البوسنة والهرسك سجَّلت في الفترة بين عامي 2000 و2020 أكبر تراجُع سكاني مرتبط بالهجرة بين دول غرب البلقان، بما يعادل نحو 21% من السكان، وهو ما انعكس مباشرة على حجم القوى العاملة ورأس المال البشري في البلاد.

إقليميا، تنعكس نتيجة الانتخابات على علاقات البوسنة مع جارتيها: صربيا وكرواتيا. فقد أصبحت العلاقات بين سراييفو وبلغراد شديدة الحساسية في الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات، حيث طردت البوسنة دبلوماسيين صربيين، وقلَّصت تعاونها الدبلوماسي مع بلغراد إلى “أدنى مستوى ممكن”، عقب الجنازة الرسمية التي أقيمت في صربيا لمجرم الحرب راتكو ملاديتش، المسؤول الأول عن الإبادة الجماعية في سربرنيتسا. كما أثار دعم البرلمان الكرواتي الصريح لتعديل قانون الانتخابات في البوسنة ردود فعل غاضبة في سراييفو تجاه زغرب باعتبار القرار تدخلا في الشأن البوسني الداخلي.

قبل ثلاثين عاما نجح اتفاق دايتون في هدفه المباشر والأساسي: إنهاء الحرب وإنشاء إطار تستطيع ضمنه الأطراف التي تحاربت في البوسنة التعايش داخل دولة واحدة معترف بها دوليا. ولكن رغم كل تلك المدة لا يزال الاتفاق مثار جدال واسع باعتباره عقبة رئيسية أمام بناء دولة بوسنية قادرة على الإصلاح والمضي قدما في بناء المؤسسات وتحسين أحوال مواطنيها. لن تحسم انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2026 هذا النقاش، ولا يمكن لأي انتخابات أن تحسمه، لكنها ستُحدِّد من يدير جولته المقبلة، وهي جولة تزداد حساسية عن سابقاتها في ظل اضطراب داخلي وإقليمي غير مسبوق.

Exit mobile version