
إهتمام النبي باليمن
مثلما ذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- للغزو بنفسه إلى شمال الجزيرة العربية لتأمين البوابة الشمالية للجزيرة والدولة الإسلامية ومواجهة الروم، كذلك اهتم بالبوابة الجنوبية وهي اليمن. فقد كان الفراغ السياسي في المنطقة، قبل شغله من قبل النبي، مشجعاً للصراع الفارسي البيزنطي للسيطرة على المنطقة وطرق تجارتها، ونجد أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حقق ضربتين متزامنتين للامبراطورية البيزنطية؛ مواجهتها بشكل مباشر في الشمال (غزوة تبوك، بعد مؤتة)، وقطع يدها وتأمين المنطقة في الجنوب بتأسيس ولاية اليمن وإرسال معاذ إلى الجند، وبذلك يكون قد أمّن الجزيرة العربية كلها، مما يتيح له حاضنة شعبية كبيرة للتحرك خارجها، ولذلك كان حريصاً كل الحرص على بعث وإنفاذ جيش أسامة إلى الشام حتى وهو في لحظات حياته الأخيرة.
ومن خلال مراجعة مبعث النبي لرسله إلى الدول والملوك ما وجدنا حرصاً، ولا اهتماماً كبيراً، ولا وصايا مفصلة لرسول من رسل النبي –صلى الله عليه وسلم- مثل تلك الوصايا والحرص الذي أبداهما النبي لمعاذ وهو يبعثه إلى اليمن، وصارت تلك الوصية من أشهر وصايا النبي سواء في الرسائل والبعوث والتولية أو حتى في اتخاذها تشريعاً إسلامياً للأمة بعد موته -صلى الله عليه وسلم-، وخاصة في الأقضية، وأخذ الصدقة والتحري فيها، والرفق باليمنيين، والتعامل الحساس معهم (إياك وكرائم أموالهم.. أموال أغنيائهم ترد على فقرائهم.. إتق دعوة المظلوم)، حتى لا ينفرهم ولا يستفزهم ويكسب ودهم.
فعن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: “إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب”. وكذلك الحديث: عن معاذ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين بعثه إلى اليمن قال: “كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟”. قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: “فإن لم يكن في كتاب الله؟”. قال: فبسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: “فإن لم يكن في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟”. قال: أجتهد برأيي، لا آلو. قال:
فضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدري ثم قال: “الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما يرضي رسول الله”. ولم يكبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ويستبشر ويفرح بإسلام قبيلة من القبائل، ولا دولة من الدول، كما فرح واستبشر بقدوم اليمنيين مسلمين وكبر حين وصله وفدهم، واعتبره نصراً وفتحاً، كما في الحديث الذي رواه ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في المدينة: “الله أكبر. جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن نقية قلوبهم، لينة طاعتهم. الإيمان يمانٍ، والفقه يمان، والحكمة يمانية”.
وهناك أحاديث كثيرة، ومنها حديث أن أهل اليمن دعائم أمته، كما ورد في كتاب “الآحاد والمثاني” لابن أبي عاصم، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلَيٍّ، قال حدثنا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “دَعَائِمُ أُمَّتِي أَهْلُ الْيَمَنِ”. فهل تحققت رؤية النبي الاستراتيجية في أهل اليمن ومساهمتهم في بناء الدولة الإسلامية التي أسسها وكانوا أهم دعائمها؟! لا شك في ذلك، من خلال قراءة دور اليمنيين في كل الأحداث التاريخية للدولة الإسلامية مع كل الدول؛ سواء الخلافة الراشدة، أو الدولة الأموية، أو الدولة العباسية، والدول بعدها إلى اليوم.
تصحيح سردية إسلام أهل اليمن
لم يكن دخول اليمنيين الإسلام مع مقدم معاذ بن جبل، أو مع أبي موسى الأشعري، أو مع خالد بن الوليد، أو مع علي بن أبي طالب –رضي الله عنهم أجمعين- كما في الروايات التاريخية التي تقدم الغث والسمين، وتضطرب رواياتها المتعددة؛ بل لقد كان إسلامهم فرادى وعلى مراحل متتالية بمجرد سماع الدعوة النبوية، حتى قبل مبعث النبي الرسل إليهم؛ فقد ذهب أبو موسى الأشعري مع سبعين من قومه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مبايعاً إياه بعد فتح خيبر في السنة السابعة للهجرة، وقد تزامن قدومه مع قدوم جعفر بن أبي طالب ومن معه من الحبشة، وجعل لهم النبي سهماً من غنيمة خيبر، ثم أرسله بعد ذلك في السنة التاسعة للهجرة مع معاذ والياً على الأشعريين ودعوة البقية للإسلام، وتعليمهم الفقه والإسلام، وهو ذات الأمر مع معاذ بن جبل الذي جاء مبعوثاً إلى الجند بعد إسلام الحارث بن عبد كلال وقومه، كما تفصل مراسلة النبي بينهما.
جاء عند البخاري: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، حدثنا يزيد بن عبدالله، عن أبي بردة، عن أبي موسى –رضي الله عنه- قال: “بلغنا مخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه -أنا وأخوان لي أنا أصغرهم: أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم- إما قال في بضع، وإما قال في ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، ووافقنا جعفر ابن أبي طالب وأصحابه عنده، فقال جعفر: إن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بعثنا ها هنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا. فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً، فوافقنا النبي -صلى الله عليه وسلم- حين افتتح خيبر، فأسهم لنا –أو قال: فأعطانا- منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئاً، إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم”.
وتذكر رسائل النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه تلقى رسائل من اليمنيين من الحارث بن عبد كلال ومن زرعة اليزني وغيرهم بأنهم أسلموا وفارقوا الشرك وقاتلوا المشركين، ثم بعد ذلك أرسل إليهم معاذ بن جبل والياً على اليمن وليفقههم في الدين. تقول رسالة النبي: “…فإنه قد وقع نبأ رسولكم منقلبنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة، فبلغ ما أرسلتم به، وخبرنا ما قِبَلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وأن الله قد هداكم بهداه…”، وقد حدد أن رسولهم إليه هو مالك بن مرة الرهاوي، وقد أوصاهم به وأبلغهم أنه نقل رسالتهم بأمانة..
وتقول بقية الرسالة: “أما بعد: فإن محمداً يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين فأبشر بخير وآمرك بحمير خيراً، ولا تخونوا ولا تخاذلوا، فإن رسول الله هو ولي غنيكم وفقيركم، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته [هنا دقة المعنى والمقصود بأهل بيته لا آل بيته كما يذهب الهاشميون ويستعيضون عن ذلك بنهب أموال المسلمين بطرق قسرية وتضليليلة واحتيال]، إنما هي زكاة يزكي بها على فقراء المسلمين وابن السبيل. وإن مالكاً قد بلّغ الخبر، وحفظ الغيب، وآمركم به خيرا، وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم، وآمرك بهم خيراً فإنهم منظور إليهم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”. الشاهد هنا أن اليمنيين قد أسلموا قبل مقدم معاذ، وقد بلغوا إسلامهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإنما أسلم بقيتهم بعد مقدم معاذ.
وأما إسلامهم مع علي دفعة واحدة، كما في بعض الروايات التي فيها دخن وزيادة ونقصان ومبالغة ويتناقلها الشيعة السلاليون، ولا تستقيم مع عقل ولا منطق، تدحضها رسائل النبي -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين خالد بن الوليد. فقد بعث النبي –صلى الله عليه وسلم- خالد بن الوليد –رضي الله عنه- إلى نجران، كما في رواية ابن إسحاق، قال: ثم بعث النبي –صلى الله عليه وسلم- خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى، سنة عشر، إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، ثلاثاً، فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه [يتفرقون في كل القبائل]، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس أسلموا. فأسلم الناس، ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة بيه –صلى الله عليه وسلم-، وبذلك كان أمره رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إن هم أسلموا ولم يقاتلوا”. ثم بعد ذلك كتب خالد إلى النبي بإسلامهم فأمره أن يعود إلى المدينة ومعه بعض أعيان نجران، ثم أرسل بعد ذلك علياً بن أبي طالب –رضي الله عنه- ليخمس الأخماس ويجمع الصدقة، ولم يمكث علي فيهم مدة لا والياً ولا غير ذلك؛ إنما لجلب الصدقة التي وافى بها النبي في حجة الوداع. وجلبه الصدقة والزكاة منهم دليل على إسلامهم قبل ذلك مع خالد –رضي الله عنهم جميعاً-. ….يتبع