
الجند جمعت ديانات الموحدين
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- دقيقاً في تحديد المناطق والرسائل التي يرسل إليها رسله، ويدعو للاهتمام بها، ويحرص على تبليغها الدعوة لطبيعتها الدينية الخالصة وأبعادها الاستراتيجية للدولة، ومن هذه الجوانب سنعمل مقارنتين لهذا الاهتمام؛ إرساله للجند تحديداً، ومطالبته قيصر الروم الاهتمام بالأريسيين دون سائر المسيحيين وفرقهم في الدولة البيزنطية باعتبار الجهتين موحدين لا يدينون بعقيدة التثليث المعروفة عند المسيحية.
فمنطقة الجند كانت تجمع الموحدين من اليهود الذين يعتقدون بالرحمن إله السموات والأرض الوارد في النقوش الحميرية المختلفة، واعتبار أولئك اليهود بقية الحميريين الموحدين.
كذلك المسيحيين الموجودين في الجند فقد كانوا يدينون بديانة التوحيد لا يعتقدون عقيدة التثليث، وهو المذهب المتأخر الذي حاول أبرهة الحبشي المسيحي فرضه بقوة الحديد والنار على المسيحيين واليهود.
فقد كان الأحباش حتى مبعث النبي –صلى الله عليه وسلم- وخاصة نجاشي الحبشة يعتقدون عقيدة التوحيد دون التثليث، ولذلك كانوا أقرب إلى الإسلام الذي اعتنقه النجاشي، بعكس اليعاقبة المؤمنين بالتثليث وهم كاثوليك.
وقد امتلكنا دليلاً مادياً من منطقة الجند العام لمجسم مريم العذراء مع ابنها المسيح خالٍ من أية إشارة للتثليث؛ فالتثليث مذهب فرضه الرومان في القرن الثالث الميلادي وعمموه على جميع الأتباع في أرضهم، ولم يستطع أبرهة فرضه كلية في اليمن رغم استخدامه وسائل إكراه مختلفة، وبقي من بقي من المسيحيين الموحدين؛ إذا ما استثنينا رمز الصليب في بوابة قلعة القاهرة التي نعتقد أن الأحباش هم من بنوا تلك البوابة ووسعوا في القلعة أثناء احتلالهم الثاني لليمن.
أما الأريسيون فقد اهتم بهم النبي خاصة وذكرهم في رسالته إلى هرقل قيصر الروم بقوله: “أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين؛ فإن توليت فعليك إثم الأريسيين”!
والأريسيون هم الموحدون، أو باقيا الموحدين الذين كانوا يوحدون الخالق ويقولون بنبوة عيسى عليه السلام، ظهروا في القرن الثالث الميلادي على يد المؤسس الكاهن آريوس في الأسكندرية، وعرفوا بمواجهة تيار التثليث، وقد تحملوا أصناف الاضطهاد والعذاب من الرومان وخاصة القيصر قسطنطين الثاني وغيرهم حتى كادوا أن يستأصلوا من الأرض.
وهذه الفرقة في الأساس كانت جذورها التوحيدية المسيحية في نجران انتقلت إلى مصر من وقت مبكر كادت أن تنتهي حتى أحياها الكاهن أريوس.
بئر زمزم الجند
في الطرف الشمالي الشرقي لجناح الجامع توجد بئر الجامع والتي سميت “بئر زمزم”، ويبدو اسمها تيمناً بزمزم الحرم المكي، وهي ذات ماء لا ينضب، تزود الجامع بالماء عبر التاريخ.
لا يوجد على وجه الدقة تاريخ لاستحداث هذا البئر، أو بالأصح لا يوجد توثيق لاستحداثه؛ فمن المعلوم أن أي مرفق وخاصة إن كان جامعاً لا بد له من مصدر مياه للشرب أو للوضوء أو لمختلف الاستعمالات، وقد لا يكون بدعاً من القول أن حفر البئر تزامن مع بناء الجامع.
وبما أن البئر غزير الماء وفي ذات الموقع فلا بد أنها تدعم إشارة قدسية المكان كذلك شبيهة ببئر زمزم في مكة.
وهذه البئر هي التي ألقى فيها مهدي بن علي بن مهدي جثث أهل الجند من النساء والأطفال والرجال الذين قتلهم، وقد كانت تزود الجامع بالماء إلى أن جاء وزير الملكة أروى بنت أحمد الصليحي وهو المفضل بن أبي البركات وزود الجامع بالماء عبر الغيل الذي بناه وساقه من مرتفعات “خِنْوة” (بكسر الهاء وسكون النون) شمال مدينة القاعدة إلى الجند، كما يسمون أشباهه ونظراءه بالنهر الاصطناعي، وهو الفلج أيضاً، ويبدو أنه كان تعويضاً لمصادر الماء للجامع؛ لأن ماء البئر قد فسد وتعفن بتعفن جثث القتلى التي ذكرناها آنفاً.
وقد جاء في وصف هذا الغيل والساقية التي تنسب إلى الملكة أروى بنت أحمد الصليحي في أبيات شعرية لمدح المفضل وزير الملكة أروى من قبل الفقيه والشاعر والقاضي أبو بكر اليافعي:
وأجلَّ مكرمة له وفضيلةٍ
إجراؤه للغيل في الأجنادِ
شق الجبال الشُّمَّ ببأسه
وكأنما كانت ثِعابَ وِهادِ
ولقد وجدت نقشاً في جدار الجامع يذكر هذا القاضي اليافعي وأنه قام بإصلاحات وترميمات داخل الجامع نفسه.
آثار الجند
تدل الآثار المختلفة في الجند ومحيطها على أهمية كبرى للمنطقة لم يكشف عن كثير من معلوماتها؛ فالنقوش في محيط المنطقة والمدن المطمورة المدمرة، على فاعلية المنطقة تاريخياً.
شهدت المنطقة نبشاً عشوائياً كبيراً لصيادي الآثار والكنوز التي أذهل بعضها من اطلع عليها.
في عام ٢٠١٠ وصلتني معلومة عن عصابة لقيت كنزاً مذهلاً يتكون من جمال وغزلان وثيران ذهبية، إلى جانب اختام بأحجام مختلفة؛ لا يقل وزن التمثال منها عن كيلوجراماً من الذهب الخالص.
كانت الصورة لي مدمرة ومحزنة أن يصل الأمر باللصوص إلى هذا الحد من العبث بالذاكرة التاريخية اليمنية والهوية الوطنية. والأكثر من ذلك أن لهذا الكنز دلالة كبيرة من حيث الحجم والصنعة لا تمتلكه إلا دول قائمة بذاتها في التاريخ.
اليوم صدمتني معلومة أشد من سابقتها، ما زلت أتابعها للتحقق منها، وهي أن عصابة أخرى في مناطق سيطرة المليشيا الحوثية لقيت كنزاً ذهبياً من ضمنه تمثال ذهب بحجم قامة الإنسان، أخشى أن يتم تفكيكه وبيعه قطعاً مختلفة حتى لا ينكشف أمر العصابة.
بحسب علمي وأبحاثي المختلفة منذ قرابة ثلاثين عاماً سواء محلياً أو خارجياً أن يتم العثور على تمثال ذهبي بحجم الإنسان، وأين؟! في محافظة تعز!
ليس الأمر هيناً أبداً؛ فحجم اللقى ليس بسيطاً؛ بل شيء من الخيال!
ماذا لو أن هذه اللقى جمعت في متحف تعز وصارت مزاراً للسائحين ومنجماً للباحثين العلميين لمعرفة تاريخ المنطقة؟!
لك أن تتخيل أحدهم يعرض بيع اثني عشر ألف عملة ذهبية دفعة واحدة!
فعلى افتراض أن أدنى حجم ووزن لتلك العملات بوزن جرام واحد؛ يعني اثني عشر كيلو من الذهب الخالص، ناهيك أن يكون وزنها بين خمسة وسبعة جرامات!
سيكون الحديث عن ما يقارب مائة كيلو جرام تقريباً!!
طيلة عشرين عاماً مرت علينا معلومات مختلفة للصوص الآثار وعصابات ممولة ومدفوعة من دولة الإمارات التي بثت عصاباتها المحلية في كل الأراضي اليمنية للنبش والتهريب، وكذلك هوامير التهريب كعبدالملك السياني وغيره.
أثناء فراغ الدولة والحرب في البلاد تم نهب متاحف، وعملت عصابات كبرى مع الإمارات في هذا الإطار، وتحدث لي أناس وشهود عيان أن أبا العباس قام بتهريب كثير من اللقى الأثرية للضباط الإماراتيين الذين كانوا مرؤوسيه في الحرب.
يقَوم متحف “اللوفر” الإماراتي في أبو ظبي على مسروقات أثرية يمنية كثيرة يدعي الإماراتيون العثور عليها في أراضيهم، وببن فترة وأخرى يستعرضون بعض مسرحياتهم الهزلية في ذلك تبعث على السخرية لكل متابع لاكتشافاتهم المفتعلة!
كثيراً ما تحدثني نفسي أن أحد أسباب الحرب في اليمن وتدميرها ودعم الإمارات للمليشيا الحوثية لغزو اليمن والانقلاب على الدولة وبث الفوضى فيها والانتقالي لعدم الاستقرار وعرقلة التحرير هو أن الإمارات تريد نهب كل المقدرات اليمنية وطمس تاريخها ونهب آثارها وهويتها، خاصة وهي تنشطر بقوة في هذا النهب مستغلة عدم الاستقرار في البلاد.
لهذا كله نفتقد الدولة كثيراً، ونفتقد الحزم والعزم والضرب بيد من حديد لكل عصابات النهب والتهريب والتنبيش.
لو كان القرار بيدي لعملت على سن قانون يعاقب بالإعدام كل من يقوم بنبش ونهب وتهريب الآثار اليمنية؛ فجريمة التهريب لا تقل جرماً عن جرائم الحوثية في القتل وتدمير العقول اليمنية وتدمير الهوية اليمنية وتفخيخ العقول الناشئة.
ما أخلص إليه من وراء كل هذا الاستعراض هو أن منطقة الجند لا زالت بكراً في الجانب الآثاري والمعلومات التاريخية لو تم العمل على البحث العلمي المؤسسي للدولة ومراكز الأبحاث لاكتشفنا تاريخاً عريقاً ضارباً بعمقه لآلاف السنين وإظهار كل المعلومات عن دولتي أوسان والسكاسك، وربما دول أخرى.
كنت قد آليت على نفسي أن أبحث وأنبش في تاريخ هذه المنطقة الهامة والمقدسة من أرض اليمن، ونذرت كل إمكانياتي وجهدي لذلك، وبدأت عدة خطوات لذلك، وبدأت بعض الملامح تتكشف كبدايات للوثوب نحو النتائج النهائية الكبرى، إلا أنها كانت في اللحظات الأخيرة لبداية انقلاب مليشيا الحوثي الإرهابية على الدولة، والتي ضاع معها كل شيء جميل في البلاد، وانتهت كل البرامج، واختلط الحابل بالنابل وخرجنا مكرهين من الوطن لم نستطع مواصلة برنامجنا البحثي لوجود الإرهاب الحوثي في المنطقة الذي يدمر كل شيء، ويوقف كل مسار.
نأمل أن ينتهي هذا الكابوس الجاثم على صدر البلاد لنستعيد أنشطتنا البحثية والخروج بنتائج مشرفة ونور ساطع لتاريخ عظيم لهذه المنطقة التي أشعر فيها أننا سنجد نتائج مبهرة تشرف اليمن بإذن الله، إن أطال الله في أعمارنا.