



روكب اليوم
في كل حي عربي هناك رجل يبدأ “يومه” حين تنطفئ أضواء المكاتب وتستعد البيوت للنوم. طبيب طوارئ يلتقط قبلة سريعة من طفله قبل أن يغفو، وممرض يخرج في صمت كي لا يوقظ أحدا، وسائق حافلة ليلية يربط حزام الأمان بينما يرخي الآخرون ستائر نوافذ غرفهم، ورجل أمن يتجه إلى نقطة الحراسة في الوقت الذي تجتمع فيه الأسرة حول طاولة العشاء.
على الورق، يبدو الأمر مجرد اختلاف في مواعيد العمل، لكن الطب الحديث وعلم النفس يقولان شيئا أعمق، وهو أن الدوام الليلي لا يبدل جدول الرجل فقط، بل يعيد ترتيب جسده ونومه وأبوّته وصلته ببيته وروحه.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of listجسد يعمل ليلا في عالم مبرمج على النهار
جسد الإنسان مبرمج بيولوجيا على اليقظة نهارا والنوم ليلا عبر منظومة دقيقة تعرف بالساعة البيولوجية أو الإيقاع اليومي، وحين يعمل الرجل مساء يدخل جسده في صدام صامت مع هذا النظام.
دراسة طبية واسعة، نشرت عام 2020 في مجلة “نيوترينتس” (Nutrients) المتخصصة في التغذية، تشرح أن التعرض للضوء ليلا والعمل في وقت يفترض فيه أن ينام الجسم يربك إفراز هرمون الميلاتونين ويؤثر في هرمونات الأيض والمزاج، وهو ما يفسر شيوع النوم المجزأ والإرهاق المزمن واضطراب التركيز والمناعة لدى العاملين ليلا.
ولا يقف الأمر عند الشعور بالتعب، إذ صنفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) اضطراب الإيقاع اليومي المصاحب للعمل الليلي طويل الأمد باعتباره عاملا “ربما مسرطن” بسبب الخلل المزمن بين الليل والنهار عند التعرض له سنوات.
ما الذي يخفف الثمن؟
يقول سائق حافلة ليلية في الأربعين من عمره “أحيانا أستيقظ بعد نوم النهار ولا أعرف هل هذا صباح جديد أم تتمة لليوم نفسه؟ الزمن يتكسر عندما تنام في الضوء وتعمل في الظلام”.
دراسة حديثة نشرت في المجلة الدولية للبحوث البيئية والصحة العامة توصي بتثبيت مواعيد النوم النهارية قدر الإمكان مع تعتيم الغرفة جيدا وتجنب الشاشات والكافيين قبل النوم بساعات، ورغم أنها خطوات بسيطة لكنها تقلل كلفة الدوام الليلي على الجسد.
أب حاضر لكنه مرهق
لا تتوقف آثار الدوام الليلي عند حدود الجسد، فالرجل غالبا أب أيضا ووجوده في البيت لا يعني بالضرورة حضوره الحقيقي في حياة أطفاله.
تشير دراسات عن العمل بنظام المناوبات، استعرضتها المجلة نفسها، إلى ارتفاع ما يعرف بـ”صراع العمل-الأسرة” لدى العاملين ليلا، وهو شعور دائم بأن الوقت والطاقة لا يكفيان ليكون الرجل أبا كما يريد وعاملا كما يُطلب منه.
أبحاث شملت مئات الآباء وجدت أن العمل الليلي يرتبط بتراجع المشاركة في التفاصيل اليومية لحياة الأطفال، حتى عندما يكون الأب موجودا في البيت نهارا، مثل مرافقتهم إلى المدرسة ومتابعتهم دراسيا أو مجرد الجلوس الهادئ قبل النوم.
يقول طبيب طوارئ -وهو أب لطفلين- “أراهما ساعة واحدة قبل المدرسة، أرافقهما إلى الباب وأنا أقاوم النوم، أشعر أحيانا أني أب في خلفية الصورة لا في مقدمتها”.
حاضر جسديا وغائب ذهنيا
دراسة مقارنة نشرت في مجلة الطب المهني (Occupational Medicine) أظهرت أن الآباء العاملين بنظام المناوبات يعانون من نوعية نوم أسوأ ومستويات تعب أعلى من غيرهم، وهو ما ينعكس مباشرة على الحضور الذهني والصبر والانتباه في الوقت القصير الذي يقضونه مع أطفالهم.
بمعنى بسيط، قد يكون الأب في البيت لكن الإرهاق يجعله غير قادر على اللعب أو الإصغاء أو حتى تحمل الضجيج اليومي.
- الحل ليس في الإطالة بل في الثبات
طقس صغير ومتكرر يناسب توقيت العمل، مثل قصة قصيرة قبل خروج الأب أو رسالة صوتية أو اتصال ثابت في وقت محدد، أثره أعمق من حضور متقطع وطويل.
الزواج بنظام المناوبة
حين ينعكس توقيت نوم الرجل ينعكس معه إيقاع البيت كله. أبحاث اجتماعية عن “العمل بنظام المناوبات وصراع العمل-الأسرة” تربط نوبات الليل بزيادة التوتر الأسري وتضارب الجداول بين الزوجين وتراجع الوقت النوعي الذي يجتمعان فيه بعيدا عن مسؤوليات العمل والأطفال.
وفي مهن السلامة العامة، مثل الشرطة والإسعاف والإطفاء، تظهر دراسة منشورة في مجلة “فاكتس” (FACTS) أن العمل الليلي يرفع مستويات الإرهاق العاطفي -أحد أعمدة الاحتراق النفسي- وهو ما يضعف القدرة على التواصل الهادئ وحل الخلافات.
يقول رجل أمن “نعيش في البيت نفسه لكننا في يومين مختلفين، نلتقي في الممر ثم يمضي كل منا في حياته”.
موعد ثابت -ولو صباحا- للجلوس مع الشريكة دون شاشات، قد يكون طوق نجاة لعلاقة تعيش على جداول مقلوبة.
نوم الأب ونوم أطفاله
لا يتأثر نوم الأب وحده، فقد وجدت دراسة حديثة نشرت في مجلة طب النوم عام 2025 أن جداول العمل غير التقليدية للآباء لا تقلل دائما عدد ساعات نوم الأطفال لكنها ترتبط بنوم أقل انتظاما وسلوكيات نوم مضطربة، خاصة عندما يكون نوم الأب نفسه متأثرا أو غير راض عن عمله.
أبحاث أخرى منشورة في المجلة الدولية للبحوث البيئية والصحة العامة ربطت بين عمل الوالدين الليلي وبين زيادة بعض المشكلات السلوكية واحتمالات البدانة لدى الأطفال في سياقات معينة.
يقول سائق أجرة ليلية “لا أستطيع أن أكون حاضرا وقت نومه فأترك له رسالة صوتية كل ليلة، دعاء قصير يسمعه قبل أن ينام”.
الليل الطويل والذهن المثقل
تشير تحليلات شاملة نشرت في المجلة الأمريكية للصحة العامة إلى أن العمل بنظام المناوبات يرتبط بزيادة خطر القلق والاكتئاب مقارنة بالعمل النهاري، مع فروق أوضح لدى من يعملون ليلا سنوات طويلة. بعض هذه التحليلات تقدر زيادة خطر الاكتئاب واضطرابات المزاج بما يقارب 20% إلى 30%.
يقول ممرض في العناية المركزة “أعود صباحا والمدينة تستعد ليوم جديد، أشعر أنني أعيش على هامش غير مرئي”.
فقدان المتعة وتقلب المزاج والانسحاب الاجتماعي ليس ضعفا، بل هي علامات إنذار مبكرة تستحق الانتباه وطلب المساندة.
روحانيات في توقيت مقلوب
في الثقافة العربية والإسلامية لا يقاس توازن حياة الرجل بالعمل والأسرة فقط، بل أيضا بقدرته على الحفاظ على صلته الروحية.
دراسات اجتماعية في سياق إسلامي، منها ورقة بحثية في مجلة العلوم الاجتماعية (Social Sciences) وأخرى في مجلة “سوسايتز” (Societies) عن التوازن بين العمل والحياة في بيئات عربية، تشير إلى أن ساعات العمل غير المنتظمة تُرى “تهديدا مباشرا” لهذا التوازن، وأن الرجل كثيرا ما يربط السعادة في حياته بقدرته على الصلاة والبقاء قريبا من أسرته.
بالنسبة للرجل العامل ليلا تصبح صلاة الفجر لحظة مفصلية:
- إما جسرا نادرا بين نهاية المناوبة وبداية دور الأب.
- أو صراعا يوميا بين الحاجة للنوم والحاجة للثبات الروحي.
وفي رمضان يتضاعف الاختبار، إذ يصبح الصيام والدوام الليلي والنوم المقلوب “امتحانا صامتا” للصبر والمعنى.
حين يضاف الاغتراب إلى الليل
لا توجد حتى الآن دراسات مستقلة عن الرجل العربي المغترب الذي يعمل ليلا، لكن الجمع بين أبحاث المناوبات ودراسات التوازن في الثقافة العربية يرسم صورة واحدة تتمثل في الشعور بوحدة مضاعفة، وحضور عاطفي متآكل، وتواصل أسري يعيش على المكالمات المؤجلة واختلاف التوقيت.
في النهاية العمل الليلي ليس بطولة وليس خطأ أخلاقيا، بل هو ترتيب في الحياة له ثمن، وحين يفهم الرجل هذا الثمن ويسمح له أن يتعامل معه بوعي لا بجلد ذات، ويجد من حوله مساندة في تنظيم نومه وحماية بيته وروحه، يصبح الليل أقل قسوة.