Site icon روكب اليوم

الشراكة بين القطاعين العام والخاص: هل تبدأ مرحلة اقتصادية جديدة؟

%D8%AC%D9%84%D8%A7%D9%84.webp.webp
روكب اليوم
​(أصدر دولة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين الدكتور شائع محسن الزنداني، القرار رقم “7” لسنة 2026م، بإنشاء “وحدة الشراكة بين القطاعين العام والخاص”، في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة هيكلة وتطوير البيئة الاستثمارية والتنموية، وتحفيز رأس المال الوطني والأجنبي للمساهمة في مرحلة التعافي الاقتصادي).

د. جلال حاتم

يرى كثير من الاقتصاديين أن الدول الخارجة من الأزمات أو الحروب لا تواجه فقط مشكلة نقص الموارد، بل تواجه ما هو أعمق: أزمة القدرة على إعادة بناء العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع. وفي هذا الصدد، يكتسب قرار إنشاء “وحدة الشراكة بين القطاعين العام والخاص” في اليمن أهمية تتجاوز حدود التنظيم الإداري أو إعادة ترتيب بعض الإجراءات الاستثمارية، ليطرح سؤالاً أكبر يتعلق بطبيعة النموذج الاقتصادي الذي يمكن أن تتجه إليه البلاد خلال المرحلة القادمة. 

فالدولة التي أنهكتها الحرب، وتراجعت فيها الموارد العامة، وتضررت بنيتها المؤسسية والخدمية، لم تعد قادرة ـ بالصيغة التقليدية ـ على تمويل التنمية أو إدارة عملية إعادة الإعمار بمفردها. ومن هنا تبدو الشراكة مع القطاع الخاص محاولة للانتقال من نموذج “الدولة الممولة لكل شيء” إلى نموذج “الدولة المنظمة والمحركة والمحفزة”، وهو تحول شهدته كثير من الاقتصادات التي واجهت أزمات هيكلية أو ضغوطاً مالية عميقة.

لكن أهمية القرار لا تكمن فقط في إنشاء وحدة جديدة، بل في الدلالة الفكرية والاقتصادية الكامنة خلفه. فحين تبدأ الحكومات في التفكير بمنطق الشراكة، فإن ذلك يعكس إدراكاً متزايداً بأن التنمية لم تعد عملية حكومية خالصة، وأن رأس المال الخاص ـ المحلي والخارجي ـ أصبح جزءاً من معادلة الاستقرار الاقتصادي وإعادة بناء الخدمات والبنية التحتية.

وفي الحالة اليمنية تحديداً، تبدو هذه المسألة أكثر تعقيداً. فاليمن لا يواجه مجرد فجوة تمويلية، بل يواجه تراكماً مركباً من التحديات المرتبطة بضعف المؤسسات، وتآكل البنية التحتية، وارتفاع المخاطر الاستثمارية، وانكماش النشاط الاقتصادي، وتراجع الثقة العامة. ولهذا فإن أي حديث عن الشراكة بين القطاعين العام والخاص لا يمكن فصله عن إشكالية البيئة المؤسسية والسياسية والقانونية القادرة على احتضان مثل هذه الشراكات.

فالقطاع الخاص، بطبيعته، لا يتحرك وفق الخطاب السياسي أو الأمنيات التنموية، بل وفق حسابات المخاطر والعوائد والاستقرار. والمستثمر، سواء كان محلياً أو أجنبياً، لا ينظر فقط إلى وجود مشروع أو فرصة، بل ينظر إلى منظومة كاملة تشمل وضوح القوانين، واستقلال القضاء، واستقرار العقود، وحماية الملكية، وشفافية الإجراءات، واستقرار السياسات الاقتصادية، وإمكانية التنبؤ بالمستقبل.

ومن هنا فإن نجاح أي تجربة للشراكة لا يبدأ من الإعلان عنها، بل من بناء الثقة بها.

وفي هذا السياق، لا يبدو الحديث عن الشراكة بين القطاعين العام والخاص معزولاً عن التحولات التي بدأت تشهدها عدن خلال المرحلة الأخيرة. فقد عكست فعاليات مؤتمر ومعرض عدن التنموي، الذي أُقيم في ديسمبر 2025م تحت شعار “شراكة نحو التنمية”، توجهاً متنامياً نحو بناء منصات تجمع الحكومة المحلية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني ضمن رؤية تنموية أكثر تشاركية. كما كشفت الفعالية عن إدراك متزايد لأهمية تمكين رأس المال المحلي، وتشجيع الاستثمار المشترك، وربط خطط الإنعاش الاقتصادي بالتنسيق المؤسسي والتنموي طويل الأجل. وربما تكمن أهمية مثل هذه الفعاليات في أنها لا تكتفي بطرح الشعارات التنموية، بل تحاول ـ ولو بصورة أولية ـ إعادة بناء الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، وهي الثقة التي تمثل أحد الشروط الجوهرية لنجاح أي شراكة اقتصادية مستدامة في البيئات الخارجة من الأزمات.

ولعل من النقاط الإيجابية المهمة في القرار تركيزه على الجوانب الفنية والتنظيمية والرقابية، وعلى بناء القدرات المؤسسية، والإشراف على دورة حياة المشاريع، وتوفير قواعد البيانات والإفصاح. فهذه العناصر تمثل – نظرياً – الأساس الذي تقوم عليه تجارب الشراكة الناجحة في العالم، لأن الشراكة بين القطاعين العام والخاص  Public-Private Partnership  ليست مجرد تمويل خارجي أو خصخصة مقنعة، بل منظومة معقدة من التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والمصلحة العامة.

غير أن التجارب الدولية تُظهر أيضاً أن الشراكة قد تتحول أحياناً إلى مصدر جديد للاختلال إذا غابت الحوكمة والشفافية والقدرة المؤسسية. ففي بعض الدول النامية، تحولت مشاريع الشراكة إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ والمصالح، أو إلى عقود طويلة الأجل تثقل الدولة مالياً بدلاً من أن تساعدها على تخفيف الأعباء. ولهذا فإن نجاح التجربة اليمنية لن يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرتها على تحقيق مجموعة من الشروط الأساسية، أبرزها رفع كفاءة الخدمات العامة، وحماية المال العام، وخلق قيمة اقتصادية وتنموية حقيقية.

كما أن اختيار القطاعات والمشاريع سيكون عاملاً حاسماً في بناء الثقة. فمن الحكمة أن تبدأ التجربة بمشاريع واضحة الجدوى وقابلة للقياس، خصوصاً في قطاعات الكهرباء والمياه والموانئ والخدمات اللوجستية والاتصالات، لأن هذه القطاعات تمتلك أثراً مباشراً على الاقتصاد والحياة اليومية، كما أنها أكثر قدرة على جذب التمويل والاستثمار التدريجي.

ومن المهم أيضاً ألا يُنظر إلى المستثمر المحلي باعتباره مجرد طرف ثانوي مقارنة بالمستثمر الأجنبي. ففي الاقتصادات الهشة، غالباً ما يكون رأس المال المحلي هو الأكثر قدرة على فهم البيئة، والأكثر استعداداً لتحمل المخاطر المرحلية، والأكثر ارتباطاً بالمصلحة الوطنية طويلة الأمد. ولذلك فإن بناء الثقة مع القطاع الخاص المحلي يمثل اختباراً مبكراً لجدية أي تحول اقتصادي.

غير أن نجاح الشراكة بين القطاعين العام والخاص لا يتوقف على إنشاء وحدة إدارية أو إصدار قرار تنظيمي فقط، بل يرتبط أيضاً بوجود إطار قانوني وتشريعي واضح يحكم طبيعة العلاقة بين الدولة والمستثمرين. فمشاريع الشراكة، خصوصاً في مجالات البنية التحتية والطاقة والخدمات العامة، غالباً ما تتضمن التزامات مالية طويلة الأجل، وحقوق امتياز، وضمانات سيادية، وهو ما يجعلها تتجاوز حدود العقود التجارية التقليدية إلى نطاق يرتبط مباشرة بالمال العام والسيادة الاقتصادية. ولهذا فإن التجارب الدولية الناجحة تعتمد عادة على وجود قانون متكامل ينظم الشراكات، ويحدد صلاحيات الجهات التنفيذية، وآليات التعاقد والرقابة وفض النزاعات، بما يضمن التوازن بين حماية المصلحة العامة وجذب الاستثمار الخاص. كما أن المشاريع الكبرى ذات الأثر الاستراتيجي أو المالي الواسع تحتاج في كثير من الأحيان إلى رقابة أو مصادقة تشريعية، ليس باعتبار ذلك إجراءً شكلياً، بل بوصفه ضمانة لتعزيز الشفافية ومنع تحوّل بعض الشراكات إلى أعباء مالية مستقبلية غير واضحة على الدولة. ومن هنا، فإن نجاح التجربة اليمنية لن يقاس فقط بإنشاء “وحدة للشراكة”، بل بقدرة الدولة على بناء منظومة قانونية ومؤسسية متكاملة تمنح المستثمر الثقة، وتحمي المال العام، وتضمن استدامة المشاريع وجدواها التنموية.

وفي العمق، فإن نجاح هذه الخطوة يرتبط بقدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الرؤية. فالشراكة ليست مجرد وسيلة لسد العجز المالي أو تعويض ضعف الموارد العامة، بل يمكن أن تتحول ـ إذا أُديرت بكفاءة ـ إلى مدخل لإعادة هيكلة الاقتصاد نفسه، عبر تعزيز الإنتاجية، وتحسين الخدمات، وتنشيط الاستثمار، وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والسوق.
أما إذا بقيت الشراكة مجرد إطار إداري جديد داخل بيئة تعاني من الاضطراب المؤسسي وضعف الشفافية وتضارب المرجعيات، فإنها قد تتحول إلى تجربة شكلية أخرى لا تغيّر كثيراً من الواقع الاقتصادي القائم.

ومع ذلك، يبقى القرار في حد ذاته مؤشراً مهماً على محاولة التفكير خارج النموذج التقليدي للدولة الريعية أو الدولة المنهكة مالياً، وهو ما يمنحه بعداً استراتيجياً يتجاوز النص الإداري للقرار نفسه. فالدول لا تنهض فقط بحجم مواردها، بل بقدرتها على بناء مؤسسات قادرة على إدارة تلك الموارد، وعلى خلق شراكات متوازنة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع.
ومن هذه الزاوية، قد لا يكون إنشاء وحدة الشراكة مجرد إجراء تنظيمي كغيره من الإجراءات العادية، بل بداية اختبار حقيقي لقدرة اليمن على بناء نموذج اقتصادي جديد أكثر مرونة وكفاءة واستدامة في مرحلة ما بعد الحرب والتشظي الاقتصادي والمؤسسي.


Exit mobile version