Site icon روكب اليوم

اللحظة التاريخية لانتهاء احتكار واشنطن لوضع قواعد الأمن الإقليمي |

180114 01 02 1787572442

روكب اليوم

 

لم تعد المسألة، في نظر الباحثة فاطمة الصمادي، مجرد تغير في علاقة الولايات المتحدة بدول الشرق الأوسط، أو إعادة انتشار للقوات الأمريكية في المنطقة، وإنما باتت تتصل بتحول أعمق يمس النظام الأمني الإقليمي نفسه، والقواعد التي حكمته طوال عقود. ففي دراستها “ما بين لينش ومحسن رضائي: اللحظة التاريخية لانتهاء احتكار واشنطن لوضع قواعد الأمن الإقليمي”، المنشورة عن مركز الجزيرة للدراسات، تنطلق الصمادي من تصريحات الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني محسن رضائي، وتضعها في مواجهة أطروحة عالم السياسة مارك لينش بشأن نهاية “الشرق الأوسط الأمريكي”، لتبحث عما تعنيه الحرب الأخيرة بالنسبة إلى موقع واشنطن من جهة، والمكان الذي تسعى إيران إلى احتلاله في النظام الإقليمي المقبل من جهة أخرى.

ولا تقرأ الباحثة تصريحات رضائي باعتبارها مواقف منفصلة بشأن ميثاق مكة أو البرنامج النووي أو العلاقة مع الولايات المتحدة، وإنما بوصفها أجزاء من رؤية إيرانية متكاملة لمرحلة ما بعد الحرب. ويربط رضائي، في هذه الرؤية، بين تراجع المظلة الأمريكية، وظهور ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، وتآكل الثقة بنظام عدم الانتشار النووي، والحاجة إلى تعديل السلوك الدبلوماسي الإيراني. ويلخص هذا التحول بقوله إن إيران “اليوم لن تكون إيران ما قبل الحرب”.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وتجد الصمادي الإطار الأوسع لفهم هذه الرؤية في أطروحة مارك لينش المنشورة في “فورين أفيرز” عن نهاية “الشرق الأوسط الأمريكي”. فالحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران، وفق لينش، لم تُنه الوجود الأمريكي في المنطقة، لكنها أنهت صلاحية النظام الإقليمي الذي قادته واشنطن منذ عام 1991. فالولايات المتحدة لم تتمكن من إسقاط النظام الإيراني، ولم تستطع حماية حلفائها حماية كاملة، كما عجزت عن إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا. وبهذا تعرضت الصفقة الأمنية التي قامت عليها الهيمنة الأمريكية، والمتمثلة في حماية الحلفاء واحتواء إيران وتأمين الملاحة، لضربة أصابت صدقيتها.

وهنا تقيم الباحثة الصلة الأساسية بين الرجلين: لينش يصف البنية الإقليمية التي تتفكك، ورضائي يتحدث عن الموقع الذي تريده إيران داخل البنية التي ستخلفها. ومن ثم تصبح تصريحات المسؤول الإيراني محاولة لترجمة ما أفرزته الحرب عسكريًا إلى قواعد سياسية تحكم النظام الإقليمي المقبل.

محسن رضائي (رويترز)

ميثاق مكة.. إيران تريد مقعد المؤسس

تتوقف الدراسة طويلًا أمام موقف رضائي من ميثاق مكة، وترى أن أهميته لا تكمن فقط في قوله إن طهران لا تعرف مضمون الاتفاق الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان، وإنما في رفضه أن يقتصر دور إيران على المصادقة على ترتيب أمني صاغته دول أخرى.

ويربط رضائي قيام الميثاق بإبلاغ الولايات المتحدة حلفاءها بأنها تتجه إلى تقليص وجودها، وهو ما دفع الدول الثلاث، وفق قراءته، إلى محاولة ملء الفراغ الناشئ. لكنه لا يرد على ذلك برفض مبدأ الأمن الإقليمي أو الدفاع الجماعي؛ بل يقترح انضمام إيران ومصر إلى الميثاق بصفتهما دولتين مؤسستين.

وتقرأ الصمادي هذا الموقف باعتباره عرضًا تفاوضيًا مشروطًا أكثر منه رفضًا مطلقًا. فإيران لا تريد أن يُبنى نظام أمني جديد من دونها ثم تُدعى لاحقًا إلى تأييده، وإنما تطالب بإعادة فتح عملية التأسيس نفسها لتكون طرفًا في تحديد قواعدها.

ويصبح موقف رضائي أكثر وضوحًا عند وضعه إلى جوار أطروحة لينش. فالنظام الإقليمي الذي قادته الولايات المتحدة قام، في أحد أبعاده الرئيسية، على حماية إسرائيل واحتواء إيران. لكن الحرب، وفق تحليل لينش الذي تعرضه الدراسة، انتهت إلى نتيجة مغايرة: النظام الإيراني بقي قائمًا، وطهران احتفظت بقدرتها على ضرب المصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن والتأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

ومن هنا تستخلص الباحثة تحولًا جوهريًا في الموقع الإيراني: لم تعد إيران، في هذا التصور، مجرد قوة ينبغي بناء النظام الإقليمي على أساس احتوائها، وإنما قوة لا يمكن تأسيس نظام مستقر من دون التعامل معها.

ويترجم رضائي ذلك إلى مطلب سياسي: ألا تنتقل إيران من احتواء أمريكي مباشر إلى احتواء إقليمي تمارسه دول المنطقة، وإنما تنتقل من موقع الدولة المستهدفة بالنظام إلى الدولة المشاركة في تأسيسه.

وليس اقتراحه ضم مصر بعيدًا عن هذه الرؤية؛ إذ ترى الصمادي أن إدخال القاهرة يحول الترتيب المقترح من مثلث سعودي-تركي-باكستاني إلى صيغة أوسع وأكثر تمثيلًا، ويحد من احتمال تمركز النظام الجديد حول محور واحد، ويمنح إيران في الوقت نفسه فرصة للمشاركة في تحديد قواعده وتوازناته.

الفراغ الأمريكي.. من يرث وظيفة واشنطن؟

ينظر رضائي إلى اتفاق مكة باعتباره إحدى نتائج تراجع القدرة الأمريكية على إدارة الأمن الإقليمي. وبهذا المعنى لا يصبح الميثاق مجرد نجاح للدول الثلاث التي أسسته، وإنما مؤشرًا على أن الوظيفة الأمنية التي أدتها واشنطن طوال عقود أصبحت شاغرة، أو على الأقل معرضة لإعادة التوزيع.

ومن هنا جاء وصف رضائي للفراغ الأمريكي بأنه “غنيمة” تحاول القوى الإقليمية الاستفادة منها.

ويتقاطع ذلك مع تشخيص لينش، لكن الدراسة تنبه إلى أن الحديث عن نهاية “الشرق الأوسط الأمريكي” لا يعني انسحاب الولايات المتحدة فورًا من المنطقة. فقد تستمر القواعد العسكرية والتحالفات ومشتريات السلاح والضمانات الرسمية، لكن الأزمة الحقيقية أصابت قدرة واشنطن على احتكار وضع قواعد النظام الإقليمي والثقة السياسية التي قامت عليها هيمنتها.

ولا يتوقع لينش، كما تعرض الصمادي رؤيته، أن يحل نظام إقليمي واحد ومتماسك محل النظام الأمريكي. والأرجح ظهور ترتيبات ومحاور متداخلة: تفاهمات خليجية منفردة مع إيران، وعلاقات أوسع مع الصين وروسيا، وتنافس سعودي-إماراتي، ومحاور جديدة تضم قوى مثل تركيا وباكستان ومصر وقطر.

ويصبح ميثاق مكة، في هذا السياق، لبنة من لبنات النظام الناشئ، وليس الصورة النهائية لهذا النظام.

ولهذا ترى الباحثة أن الخلاف الذي تكشف عنه تصريحات رضائي يتجاوز نص ميثاق مكة نفسه إلى سؤالين أكثر أهمية:

من يرث الوظيفة الأمنية الأمريكية؟ ومن يملك حق تعريف التهديد ووضع قواعد النظام الجديد؟

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (في الوسط)، والرئيس التركي أردوغان (على اليسار)، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، بعد توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك (الفرنسية)

رسالة ودية تحمل تحذيرًا

يلفت تحليل الصمادي إلى اللغة التي يستخدمها رضائي في الحديث عن السعودية وتركيا وباكستان. فهو يصف الدول الثلاث بأنها “أصدقاؤنا” و”إخوتنا” رغم اعتراضه على الترتيب الأمني الذي أقامته.

وتمنح هذه اللغة طهران مساحة للاعتراض دون إغلاق باب التفاوض أو المبادرة إلى اعتبار الميثاق تحالفًا معاديًا. لكن الدراسة ترى وراء هذه اللغة الودية تحذيرًا واضحًا: إذا تحول ميثاق مكة إلى نواة لنظام أمني يستبعد إيران، أو يجعلها ضمنيًا مصدر التهديد الذي يتعين مواجهته، فقد تتعامل معه طهران باعتباره منافسًا إستراتيجيًا، وربما صيغة إقليمية بديلة للتحالف الذي كانت تقوده الولايات المتحدة ضدها.

وعلى هذا الأساس، لا يبدو طلب إيران الاطلاع على الاتفاق مسألة إجرائية. فطهران تريد، بحسب قراءة الدراسة، معرفة تعريف التهديد داخل الميثاق، وشروط تفعيل الدفاع المشترك، وطبيعة الالتزامات العسكرية بين أعضائه، وما إذا كانت هذه الالتزامات يمكن أن تستخدم ضد إيران.

لكن مطلبها يتجاوز المعرفة إلى المشاركة؛ فهي تريد أن تكون حاضرة عند صياغة هذه العناصر، لا أن تتلقاها بعد أن تصبح أمرًا واقعًا.

وتربط الصمادي هذه الحساسية بما يراه لينش من صعوبات ستواجه الانتقال من النظام الأمريكي القديم. فتراجع القيادة الأمريكية لا يعني اختفاء المنافسة، وقد يؤدي بدلًا من ذلك إلى انتقالها إلى القوى الإقليمية. وإذا لم توجد قواعد مشتركة، فقد تكون النتيجة استبدال التحالف الأمريكي المناهض لإيران بمحاور إقليمية متنافسة، لكل منها تعريفه الخاص للأمن والتهديد.

من الأمن الإقليمي إلى الأمن النووي

لا تتوقف رؤية رضائي عند ترتيبات الأمن الإقليمي، وإنما تمتد إلى نظام عدم الانتشار النووي. وهنا تنتقل الدراسة إلى وجه آخر من الأزمة التي أفرزتها الحرب.

يقول رضائي إن إيران التزمت بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وقبلت نظام الضمانات وعمليات التفتيش، ومع ذلك لم يمنع هذا تعرضها للهجوم الأمريكي. ويرى أن ترمب أنتجت، على العكس من الهدف المعلن، “انعدامًا للأمن النووي”.

وتحرص الصمادي على عدم تحميل هذا الكلام أكثر مما يحتمل؛ فلا تعتبره إعلانًا إيرانيًا عن التوجه إلى إنتاج قنبلة نووية، وإنما تراه إعادة صياغة لمعادلة الردع من منظور إيراني: إذا كان الالتزام بالمعاهدة والبقاء دولة غير نووية لا يوفران حماية من الهجوم، فإن القيمة الأمنية لهذا الالتزام تتراجع.

وهنا تجد الباحثة امتدادًا جديدًا لأطروحة لينش. فالحرب، بحسب تحليله، قوّضت ثقة دول الخليج بالضمانات الأمريكية، بينما قوّضت، في خطاب رضائي، ثقة إيران بالضمانات الضمنية التي يقوم عليها نظام عدم الانتشار.

وتضع الدراسة الحالتين جنبًا إلى جنب: المظلة الأمريكية لم توفر حماية كاملة للحلفاء، والالتزام بمعاهدة عدم الانتشار لم يمنع مهاجمة إيران، والقوة الأمريكية لم تستطع إعادة فتح مضيق هرمز، والحرب لم تسقط النظام الإيراني أو تنه قدرته على الرد.

وبذلك يحاول رضائي، وفق قراءة الصمادي، نقل النقاش النووي من السؤال التقليدي: هل ستصنع إيران قنبلة؟ إلى سؤال آخر: ما القيمة الأمنية للالتزام بنظام عدم الانتشار إذا لم يوفر حماية من الهجوم؟

ولا تستنتج الدراسة من ذلك أن قرارًا بصنع السلاح قد اتخذ، لكنها ترى أن هذا الخطاب يمكن أن يمهد لتوسيع القدرات النووية أو الاقتراب أكثر من العتبة النووية دون اتخاذ قرار مباشر بإنتاج القنبلة.

الرئيس الأمريكي ترمب (يمين) وبجانبه نتنياهو (أرشيفية -الفرنسية)

إيران: لن نكون موضوعًا للاحتواء

تجمع الصمادي الخيوط المتفرقة لتصريحات رضائي في معادلة واحدة: المنظومة الأمنية القديمة لم تعد صالحة، وإيران تريد المشاركة في صياغة المنظومة التي ستحل محلها، بدل أن تظل موضوعًا للاحتواء داخلها.

في ميثاق مكة تقول إيران، وفق هذه القراءة: لا تؤسسوا نظامًا أمنيًا ثم تطلبوا منا تأييده.

وفي الملف النووي تقول: لا تطلبوا منا الالتزام بنظام لا يمنع الاعتداء علينا ولا يقدم ضمانًا أمنيًا في المقابل.

وفي العلاقة مع الولايات المتحدة تقول: إن تراجع واشنطن أوجد فراغًا ينبغي أن تديره دول المنطقة، لكن من دون أن تتحول هذه الإدارة إلى إعادة إنتاج للنظام الأمريكي نفسه بأيد إقليمية.

وتجد الباحثة هنا نقطة التقاء بين رضائي ولينش، فكلاهما يصل إلى ضرورة التعامل مع إيران داخل النظام الإقليمي المقبل، لكنهما يختلفان في طبيعة هذا الإدماج.

فلينش يتصور نظامًا يقوم على الدبلوماسية والدفاع الجماعي، وضبط تدخلات إيران وإسرائيل، والحد من الحروب بالوكالة. أما رضائي، وفق تحليل الدراسة، فيركز على الاعتراف بمكانة إيران وقدرتها على الردع ومنحها دورًا في وضع القواعد. فهو لا يطرح، في المقام الأول، تجاوز سياسات القوة، بقدر ما يريد ضمان ألا تبقى إيران الطرف المستهدف بهذه السياسات.

الصراع على الشرق الأوسط الذي سيأتي

تنتهي الصمادي إلى أن أطروحة مارك لينش توفر إطارًا بنيويًا لفهم ما يقوله محسن رضائي. الأول يتحدث عن نهاية النظام الذي قام على الهيمنة الأمريكية واحتواء إيران، والثاني يكشف عن بداية الصراع على النظام الذي سيخلفه وعلى الموقع الذي تريد إيران أن تحتله فيه.

وتكشف تصريحات رضائي، وفق الدراسة، عن إعادة تعريف إيرانية للأمن القومي بعد الحرب؛ إذ لم تعد المسألة مقتصرة على إعادة بناء القدرات العسكرية أو الرد على الولايات المتحدة، وإنما اتسعت لتشمل المشاركة في تشكيل النظام الأمني الإقليمي وإعادة النظر في قواعد الردع النووي.

إقليميًا، تريد إيران مقعدًا على طاولة التأسيس. ونوويًا، تلوح بأن استمرار القيود القديمة يصبح موضع تساؤل في غياب ضمانات أمنية مقابلة.

لكن الدراسة لا تنتهي إلى أن أفول النظام الذي قادته واشنطن سيقود تلقائيًا إلى نظام أكثر تعاونًا أو استقرارًا. فالمشهد الذي ترسمه يحمل احتمال ظهور مشاريع متنافسة: ميثاق تقوده السعودية وتركيا وباكستان، ومحور إماراتي-إسرائيلي، وإيران تسعى إلى فرض الاعتراف بها شريكًا مؤسسًا، في ظل قدرة أمريكية أقل على قيادة النظام بأكمله.

ومن هنا تضع الدراسة الفارق بين نهاية نظام وولادة نظام آخر. فإذا كان لينش يرى أن النظام الذي احتوى إيران وصل إلى نهايته، فإن رضائي يتحدث من موقع قوة تريد أن يكون لها نصيب في وضع قواعد ما سيأتي بعده. لكن الانتقال من الاحتواء إلى المشاركة، كما تحذر الصمادي، لا يعني الاستقرار بالضرورة؛ إذ يتوقف الأمر على قدرة القوى الإقليمية على تأسيس أمن جماعي حقيقي، بدل إعادة إنتاج النظام السابق في صورة محاور إقليمية أكثر تسلحًا وأشد تنافسًا.


للاطلاع على الدراسة كاملة (اضغط هنا)

Exit mobile version