
في واحدة من أكثر المعارك تحولاً على خارطة الصراع اليمني، كشف تقرير صحفي موسع عن تفاصيل ميدانية غير مسبوقة صاحبت الهجوم الواسع الذي شنته جماعة الحوثي على امتداد الساحل الغربي، موثقاً للدور الإيراني المباشر في التخطيط والقيادة الميدانية، إلى جانب الثغرات التكتيكية والهندسية التي أدت إلى انسحاب القوات الحكومية ودخول الجماعة إلى مدينة المخا الاستراتيجية.
ووفقاً للبيانات الميدانية وشهادات استقاها تقرير “اسوشتدبرس” من عشرة مصادر مطلعة—بينهم مسؤولون إقليميون، وعضو بمجلس القيادة الرئاسي، وقادة عسكريون في الخطوط الأمامية—فقد تمكن الحوثيون خلال أقل من 48 ساعة من إحراز تقدم ميداني خاطف امتد لأكثر من 115 كيلومتراً، توج بدخول الشريط الساحلي لمدينة المخا في العاشر من سبتمبر.
ميدانيات المعركة: حضور مباشر للحرس الثوري وغرفة عمليات مشتركة
وأكدت المصادر أن الدور الإيراني تجاوز الدعم التسليحي أو الاستشاري البعيد، ليشهد انتقال ضباط ومستشارين من الحرس الثوري الإيراني إلى الميدان مباشرة، بالتنسيق مع عناصر من حزب الله اللبناني. وأفاد مسؤول رفيع في الجماعة بأن المستشارين التحقوا بصفوف الجبهات المتقدمة لإدارة المناورات، وتوجيه ضربات الصواريخ، وتحليل المعطيات الاستخباراتية الواردة عبر الأقمار الصناعية والاتصالات المشفرة.
وتزامن هذا التصعيد مع تكثيف الدعم اللوجستي الإيراني خلال الأشهر الأخيرة، والذي شمل تدريبات متقدمة على قيادة الزوارق الهجومية المسيرة، وتسيير الطائرات الانتحارية، ونقل الخبرات المتعلقة بإدارة المعارك البحرية وحرب العصابات.
السلاح التكتيكي: اختراق شبكة الاتصالات وشلل القيادة
وعلى صعيد العوامل الميدانية المسؤولة عن نقطة التحول، بيّنت التحقيقات أن الخرق الاستخباري لشبكة اتصالات المقاومة الوطنية شكل الضربة القاضية والتكتيكية للقوات الميدانية. فقد مكن هذا الاختراق الحوثيين من رصد تحركات الألوية، والتنصت على التوجيهات، واستغلال حالة الارتباك الناتجة عن فقدان القيادة المركزية لاتصالها بالوحدات الميدانية في أوج المعركة.
من جانبه، أوضح المتحدث باسم المقاومة الوطنية، اللواء صادق دويد، أن القوات الممتدة على طول جبهة يبلغ طولها 170 كيلومتراً تعرضت في غضون شهر واحد لهجمات مكثفة شملت زهاء 130 صاروخاً باليستياً و145 طائرة مسيرة انتحارية، في مواجهة قوة حوثية قُدرت بنحو 75 ألف مقاتل، مقابل 30 ألفاً من عناصر المقاومة الوطنية.
سقوط الدرع الساحلي: ثغرة الوادي والانسحاب إلى المخا
ورغم الدفع بألوية العمالقة لإسناد الجبهة ووقف الاندفاع الميداني، إلا أن غياب غرفة عمليات موحدة وتعدد التشكيلات العسكرية خلفا ثغرات واسعة استغلها مهاجمو الجماعة. وفي التاسع من سبتمبر، اخترقت القوات المهاجمة طريقاً جبلياً ضيقاً عبر أحد الأودية، لتفرض سيطرتها على قاعدة عسكرية مجاورة وتقطع خطوط الإمداد الحيوية.
ومع صدور أوامر بالانسحاب التكتيكي باتجاه المخا، تسربت الشائعات باقتراب الحسم الحوثي، مما ولد موجة انسحابات غير منظمة للمقاتلين، تزامنت مع نزوح آلاف المدنيين. وبحسب شهادات محلية، دخل الحوثيون أحياء المخا الساحلية في ساعات الصباح الأولى من يوم 10 سبتمبر ليوجهوا المدينة شبه خالية من أي مظاهر عسكرية.
تداعيات استراتيجية وإعادة تموضع
وعلى خلفية الانتكاسة الميدانية، غادر الفريق طارق صالح، قائد المقاومة الوطنية وعضو المجلس الرئاسي، إلى المملكة العربية السعودية، وسط تساؤلات ميدانية حول غطاء الطيران وإسناد التحالف في الساعات الأخيرة للسيطرة على المدينة.
كما أظهرت تسجيلات مرئية لاحقاً استيلاء الميليشيات على كميات من المدرعات، والذخائر، والمدافع الثقيلة التي تُركت في المواقع المنسحب منها. وفي حين بلغت خسائر المقاومة الوطنية قرباً من 500 قتيل، تكتمت الجماعة على حصيلة خسائرها البشرية.
تأتي هذه التطورات لتضع الشريط الساحلي لليمن وممر الملاحة الدولي في باب المندب أمام مرحلة جديدة من التوتر، فيما تؤكد قيادات عسكرية في الساحل الغربي أن ما حدث ليس نهاية المطاف، وأن القوات الحكومية تعكف حالياً على إعادة بناء النسق الدفاعي والتجهيز لمرحلة مواجهة أشد ضراوة.

