
روكب اليوم
لم تكن نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الكولومبية مجرد انتخابات عادية، بل بدت -كما صورتها الصحافة الأمريكية- استفتاء على مستقبل البلاد بعد أربع سنوات من حكم الرئيس اليساري المنتهية ولايته غوستافو بيترو، واختبارا جديدا لموجة اليمين الشعبوي التي تتقدم في أجزاء من أمريكا اللاتينية.
وبينما أظهرت النتائج تأهل المرشح اليميني “المتشدد” -وفق وصف الصحف- أبيلاردو دي لا إسبرييا (47 عاماً) والسيناتور اليساري إيفان سيبيدا (63 عاماً) إلى جولة الإعادة، ركزت الصحف الأمريكية على ما اعتبرته انقساما “غير مسبوق” داخل المجتمع الكولومبي، وعلى المزاج الشعبي الذي دفع مرشحا من خارج المؤسسة السياسية إلى صدارة السباق.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listكيف ينظر للانتخابات؟
هناك الكثير على المحك في جولة الإعادة، وفق الصحف، وخاصة اتجاه كولومبيا السياسي بعد أول تجربة يسارية في تاريخها الحديث، بقيادة بيترو.
فخلال ولايته، تبنى بيترو سياسات ركزت على الإنفاق الاجتماعي، ورفع الحد الأدنى للأجور، والتفاوض مع الجماعات المسلحة ضمن إستراتيجية “السلام الشامل”.
وترى صحيفة نيويورك تايمز ، في تقرير بعنوان “مرشح يميني متطرف من خارج المؤسسة السياسية يتقدم في سباق الرئاسة المحتدم”، أن الانتخابات كشفت عن بلد منقسم تقريبا إلى نصفين.
وتشير إلى أن دي لا إسبرييا حصل على نحو 44% من الأصوات مقابل قرابة 41% لسيبيدا، بينما يحتاج المرشح إلى 51% على الأقل من الأصوات للفوز.
وتصف نيويورك تايمز الانتخابات بأنها مختلفة عن أي انتخابات يتذكرها الكولومبيون، ونقلت عن الصحفية والمحللة السياسية ماريا خيمينيا دوزان قولها إن هذه هي “المرة الأولى” التي تنقسم فيها البلاد بوضوح بين كتلة يسارية وكتلة يمينية.
ما الانطباع عن دي لا إسبرييا؟
ولاحظت الصحف أن دي لا إسبرييا، المحامي الثري الذي لم يشغل أي منصب انتخابي من قبل، قدم نفسه بوصفه نسخة كولومبية من زعماء مثل رئيس السلفادور نجيب أبو كيلة أو الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.
وتؤكد الصحف موالاته للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فقد عبر المحامي عن احترامه للبيت الأبيض، كما اقترح تحالفا عسكريا مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وتصف وول ستريت جورنال صعوده بأنه “زلزال سياسي ضرب المؤسسة التقليدية” واليمين المحافظ معا؛ فالمرشح الذي كان يُنظر إليه قبل أشهر قليلة على أنه شخصية هامشية، نجح في تجاوز مرشحين مدعومين من قوى سياسية عريقة.
وتشير نيوزويك في هذا الصدد إلى أن نسبة تأييد دي لا إسبرييا في مارس/آذار 2025 كانت لا تتجاوز نسبة 1.1%، ثم ارتفعت أواخر عام 2025 وظلت في صعود، وبحلول أوائل عام 2026 كان المحامي يتنافس مع سيبيدا.
ورغم أن دي لا إسبرييا بنى حملته على وعود بالقضاء على العصابات المسلحة والفساد والتعاون مع إدارة ترمب في مكافحة الجريمة، فإن الصحف الأمريكية لفتت إلى مفارقة بارزة في سيرته المهنية.
الرجل الذي يتعهد اليوم بتفكيك شبكات الجريمة المنظمة هو في الأصل محام جنائي اشتهر بالدفاع عن قادة جماعات شبه عسكرية يمينية متورطة في تهريب الكوكايين
فقد كتبت وول ستريت جورنال أن الرجل الذي يتعهد اليوم بتفكيك شبكات الجريمة المنظمة هو في الأصل محام جنائي اشتهر بالدفاع عن شخصيات مثيرة للجدل، من بينها قادة جماعات شبه عسكرية يمينية متورطة في تهريب الكوكايين.
وتركز نيويورك تايمز بدورها على هذه القضية، مشيرة إلى أن كثيرا من الناخبين تجاهلوا دفاع دي لا إسبرييا عن رجل الأعمال الكولومبي أليكس ساب، الذي تصفه السلطات الأمريكية بأنه أحد أبرز المقربين من الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو والمتهم بقضايا غسل أموال.
وتوقف كثير من المعلقين الأمريكيين عند شخصية دي لا إسبرييا نفسها؛ فالرجل يلقب نفسه بـ”النمر”، ويظهر عادة في مهرجانات انتخابية مليئة بالاستعراضات والشعارات الوطنية، ويتحدث بحماسة عن بناء سجون شديدة الحراسة في الأدغال وخوض “حرب شاملة” ضد العصابات المسلحة.
ما الانطباع عن سيبيدا؟
في المقابل، قدمت الصحف الأمريكية سيبيدا باعتباره وريث مشروع الرئيس بيترو أكثر من كونه زعيما شعبويا مستقلا.
وركزت نيويورك تايمز على تاريخه الطويل في الدفاع عن حقوق الإنسان والفئات المهمشة، مشيرة إلى أنه شخصية أكثر هدوءا وأقل كاريزمية من بيترو، لكنها أكثر تركيزا على السياسات والبرامج.
نيوزويك اعتبرته “مرشح الاستمرارية”، أي المرشح الذي يعد بالحفاظ على البرامج التي أطلقها بيترو
أما نيوزويك فاعتبرته “مرشح الاستمرارية”، أي المرشح الذي يعد بالحفاظ على برامج الرعاية الاجتماعية والإصلاحات البيئية ومفاوضات السلام التي أطلقها بيترو.
لكنها أشارت أيضاً إلى أن هذه الاستمرارية قد تكون نقطة ضعف، بسبب استياء قطاعات من الناخبين من الوضع الأمني وتوسع زراعة الكوكا خلال السنوات الأخيرة.
ماذا يقول الكولومبيون؟
ومن اللافت في التغطيات الأمريكية محاولة فهم الأسباب التي جعلت ملايين الناخبين يلتفون حول اليمين.
فقد نقلت نيويورك تايمز عن ناخبين قولهم إنهم يخشون استمرار سياسات اليسار أو تحول البلاد إلى نموذج شبيه بفنزويلا. ونقلت عن معلمة رياضيات قولها إن فوز سيبيدا سيكون “كارثة” تقود إلى “شيوعية كاملة”.
مثل هذه التصريحات، وإن كانت تعكس آراء فردية، استخدمت لتوضيح حجم الاستقطاب والخوف المتبادل بين أنصار المعسكرين.
يشعر كثير من الكولومبيين بأن الدولة فقدت السيطرة على مناطق واسعة من البلاد، وهو ما يفسر جاذبية خطاب دي لا إسبرييا القائم على القوة والحسم
وفي المقابل, أبرزت الصحف الأمريكية وجود شريحة واسعة ما تزال تدافع عن إرث الرئيس بيترو وترى أن مشروعه السياسي منح الفقراء والفئات المهمشة تمثيلا غير مسبوق.
ونقلت وول ستريت جورنال عن موظفين وعمال قولهم إن أوضاعهم المعيشية تحسنت خلال السنوات الأخيرة، وإنهم يريدون استمرار هذا المسار.
ومع ذلك، بدا واضحاً أن إرث بيترو يشكل عبئاً وفرصة في الوقت نفسه. فبحسب نيوزويك، تحولت الانتخابات عملياً إلى استفتاء على حصيلة أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا الحديث.
أنصار الحكومة يشيرون إلى انخفاض البطالة وتراجع الفقر وتوسيع برامج الدعم الاجتماعي، بينما يركز المعارضون على تدهور الوضع الأمني وانتشار الكوكايين وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة.
وركّزت الصحف الأمريكية بصورة خاصة على قضية الأمن، باعتبارها العامل الأكثر تأثيرا في سلوك الناخبين؛ فبعد سنوات من التقدم النسبي في لجم نفوذ الجماعات المسلحة، عادت أعمال العنف والاتجار بالمخدرات لتتصدر المشهد.
ووفق التغطيات، يشعر كثير من الكولومبيين بأن الدولة فقدت السيطرة على مناطق واسعة من البلاد، وهو ما يفسر جاذبية خطاب دي لا إسبرييا القائم على القوة والحسم.
كيف الرأي في واشنطن؟
ولم تُخفِ وسائل الإعلام اهتمامها بتداعيات الانتخابات على العلاقة مع واشنطن. فنيويورك تايمز ونيوزويك أشارتا إلى أن إدارة ترمب تتابع الانتخابات عن كثب، في ظل سعيها لتعزيز شبكة من الحلفاء اليمينيين في أمريكا اللاتينية والتعاون معهم في ملفات مكافحة المخدرات والهجرة والجريمة.
ولهذا يُنظر إلى فوز دي لا إسبرييا باعتباره فرصة لإعادة تقوية العلاقات الثنائية، بينما من المتوقع أن يؤدي فوز سيبيدا إلى استمرار النهج الذي اتبعه بيترو، والذي شهد خلافات متكررة مع واشنطن حول قضايا الأمن والسياسة الإقليمية.
الإجابة النهائية ستُحسم في جولة الإعادة المقررة في 21 يونيو/حزيران
وفي المحصلة، تكشف قراءة الصحافة الأمريكية أن ما جرى في كولومبيا لا يُنظر إليه باعتباره انتخابات عادية، بل معركة بين مشروعين متناقضين تماماً: مشروع يساري يسعى إلى تعميق التحولات الاجتماعية التي بدأت مع بيترو، ومشروع يميني شعبوي يعد بإعادة فرض النظام بالقوة.
وبين هذين الخيارين، يبدو أن ملايين الكولومبيين يتخذون قرارهم بناء على سؤالين بسيطين يطغيان على كل ما عداهما: من يستطيع توفير الأمن؟ ومن يستطيع تحسين الحياة اليومية؟
أما الإجابة النهائية فستُحسم في جولة الإعادة المقررة في 21 يونيو/حزيران، وسط ترقب لا يقتصر على كولومبيا وحدها، بل يمتد إلى واشنطن وعواصم المنطقة.
المصدر: نيوزويك + نيويورك تايمز + وول ستريت جورنال

