Site icon روكب اليوم

انتصار إسبانيا على الأرجنتين انتصار رمزي لفلسطين |

afp 6a5d5480da32 1784501376



روكب اليوم

لم تقتصر الاحتفالات بفوز المنتخب الإسباني ببطولة كأس العالم لكرة القدم على أرجاء إسبانيا فحسب، بل عمت أيضا أرجاء واسعة من العالم العربي، ولا سيما في فلسطين.

وقد وصفت الأكاديمية دلال عريقات هذا المشهد بدقة عبر حسابها على منصة “إكس” قائلة: “من خيام العائلات النازحة في غزة، مرورا بشوارع القدس العتيقة، وتلال رام الله، وصولا إلى جبل التجربة في أريحا، شجع عدد لا يحصى من الفلسطينيين أبطال إسبانيا.
ففي أرضٍ تقاس فيها يوميات الحياة بحجم الفقد، استحالت مباراة لكرة القدم إلى ومضة عابرة من الأمل، والوحدة، والإنسانية المشتركة في مسعى تحقيق العدالة”.

ويرتبط هذا التأييد العالمي العارم للمنتخب الإسباني ارتباطا وثيقا بموقف الحكومة الإسبانية الجلي والمدافع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية. فعلى امتداد السنوات الثلاث الماضية، لم ينفك بيدرو سانشيز عن إدانة الإبادة الجماعية التي تقترفها إسرائيل في قطاع غزة، مطالبا مرارا وتكرارا بفرض عقوبات على حكومة بنيامين نتنياهو إزاء ما ترتكبه من جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.

وفي عام 2024، وتزامنا مع الاعتراف بدولة فلسطين، صرح رئيس الحكومة الإسبانية أمام مجلس النواب قائلا: “لقد حان وقت الانتقال من القول إلى الفعل، لنؤكد للفلسطينيين وقوفنا إلى جانبهم، وأن الأمل لا يزال قائما. ومهما طال القصف قراهم، فإن أرض فلسطين وهويتها ستبقيان راسختين في قلوبنا وفي أروقة الشرعية الدولية”.

يتعارض موقف ميسي بشكل صارخ مع موقف النجم الراحل دييغو مارادونا، الذي بلغ به الأمر حد القول: “أنا فلسطيني في صميم قلبي”

وعلى النقيض الأيديولوجي تماما لسانشيز، يقف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي أعرب في مناسبات شتى عن فخره بكونه “الرئيس الأكثر صهيونية في العالم”. وعقب فوزه في الانتخابات، بادر إلى تعزيز تحالف إستراتيجي مع إسرائيل عبر توقيع “اتفاقيات إسحاق”.

وإزاء دفاعه المستميت عن إسرائيل، حظي المنتخب الأرجنتيني بدعم حماسي من غلاة الطبقة السياسية الصهيونية، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو ووزيراه المتعصبان للتفوق العرقي، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، خلال نهائي كأس العالم، حيث نشرا مقاطع مصورة على منصات التواصل الاجتماعي وهما يرتديان القميص الأرجنتيني المقلم بالأبيض والأزرق الفاتح.

وعلى هذا النحو، تخطت المباراة النهائية لكأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين أبعادها الرياضية لتكتسب زخما سياسيا قويا، إذ عكست موقفين متباينين بوضوح إزاء الصراع الاستعماري الفلسطيني الإسرائيلي.

وبدا أن نجمي الفريقين قد اختار كل منهما اصطفافه؛ ففي حين زار الأرجنتيني ليونيل ميسي إسرائيل في مناسبات عدة، متوليا منصب سفير لشركتي التكنولوجيا “سيرين لابس” (Sirin Labs) و”أوركام” (OrCam)، بادر الإسباني لامين جمال إلى رفع العلم الفلسطيني إثر فوز برشلونة الأخير بالدوري الإسباني.

وقد أثار هذا التصرف حفيظة وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، معتبرا إياه “تحريضا على كراهية إسرائيل ودعما للإرهاب”، غير أنه لقي مساندة من رئيس الحكومة بيدرو سانشيز الذي صرح قائلا: “لقد عبر جمال ببساطة عن التضامن مع فلسطين، وهو شعور يشاركه فيه ملايين الإسبان”.

ويتعارض موقف ميسي بشكل صارخ مع موقف النجم الراحل دييغو مارادونا، الذي بلغ به الأمر حد القول: “أنا فلسطيني في صميم قلبي”.
ومنذ وطئت قدماه القصر الرئاسي (كاسا روسادا)، أحدث الرئيس ميلي تحولا جذريا بمقدار 180 درجة في سياسات بلاده، وهو عامل حاسم في تفسير حالة الجفاء التي يكنها قطاع واسع من الجماهير العالمية تجاه المنتخب الأرجنتيني. فقد حافظت الأرجنتين، تاريخيا، على موقف محايد إزاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويرجع ذلك إلى سببين رئيسيين:

  • أولهما، احتضان البلاد أكبر جالية يهودية في أمريكا اللاتينية قاطبة، قوامها أكثر من 300 ألف نسمة، توافد جلهم في أواخر القرن التاسع عشر هربا من المذابح التي شهدتها روسيا القيصرية.
  • وثانيهما، استقبال الأرجنتين نحو 360 ألف مهاجر سوري ولبناني ضمن موجات “المهجر” التي سجلت في العقود الأخيرة من الحكم العثماني.
    ويفسر ثقل هاتين الجاليتين امتناع الأرجنتين عن التصويت على خطة تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947.

يمكن تأويل تتويج إسبانيا بكأس العالم بوصفه هزيمة رمزية لكل من ناصر المنتخب الأرجنتيني، وفي طليعتهم الرئيس دونالد ترمب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وانتصارا لإسبانيا المتنوعة والتعددية التي يذود عنها سانشيز وحكومته التقدمية

وفي عام 2010، إبان تولي كريستينا فرنانديز سدة الرئاسة، تخلت الأرجنتين عن حيادها بالاعتراف بدولة فلسطين، في خطوة منسقة مع دول لاتينية أخرى كالبرازيل وبوليفيا والإكوادور وفنزويلا وتشيلي، والتي نددت بدورها بنظام الفصل العنصري الإسرائيلي.

بيد أن العلاقات مع إسرائيل شهدت تحسنا ملموسا في عام 2020 خلال ولاية ألبرتو فرنانديز، حيث تبنت الأرجنتين التعريف المثير للجدل لـ”معاداة السامية” الذي أقره “التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست”.

وقد ساوى هذا التعريف بين أي نقد يوجه لإسرائيل أو للحركة الصهيونية وبين الأفعال المعادية للسامية، مما شرعن ملاحقة الأصوات المنددة بالإبادة الجماعية داخل أوساط المجتمع المدني الأرجنتيني.

وأسفر تولي ميلي الرئاسة في ديسمبر/كانون الأول 2023 عن إحداث انقلاب جذري في مسار السياسة الخارجية. فقد بادر الرئيس الجديد، الذي جاهر مرارا برغبته في اعتناق الديانة اليهودية، إلى توطيد العلاقات الثنائية مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، التي ينظر إليها بوصفها “حصن الغرب المنيع في الشرق”.

وتجلت أول قراراته في تعيين مرشده الروحي، الحاخام أكسل واهنيش، سفيرا لبلاده لدى إسرائيل، معلنا عزمه نقل السفارة الأرجنتينية من تل أبيب إلى القدس، مقتفيا بذلك أثر دونالد ترمب. ومن حينها، أجرى ميلي ثلاث زيارات رسمية إلى إسرائيل، حظي خلالها بتكريمات شتى، أبرزها “جائزة التكوين” البالغة قيمتها مليون دولار، نظير تعهده بالدفاع “عن الحرية والديمقراطية، ومكافحة الإرهاب ومعاداة السامية”.

وخلال زيارته الأخيرة في أبريل/نيسان 2026، أبرم ميلي مع نتنياهو “اتفاقيات إسحاق”، في مسعى واضح لاستنساخ “اتفاقيات أبراهام” المتعثرة.

لا ينبغي الخلوص إلى أن عموم الشعب الأرجنتيني يزكّي القرارات السياسية للرئيس ميلي. فالواقع يثبت أن هذا التحول المفاجئ في السياسة الخارجية يقابل برفض شعبي واسع

وفي حين تهدف هذه الاتفاقيات، نظريا، إلى تمتين الروابط بين إسرائيل وأمريكا اللاتينية عبر بوابة التعاون الاقتصادي في قطاعي التكنولوجيا والدفاع، فإنها تمثل، عمليا، أداة لتلميع صورة إسرائيل التي تلطخت بشدة في أوساط الرأي العام اللاتيني جراء التدمير الممنهج لقطاع غزة ومجازر الإبادة المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.

وتشكل الكنائس الإنجيلية المتنفذة ركيزة أساسية في هذه الإستراتيجية، إذ تتبنى دفاعا أعمى عن إسرائيل، مستندة إلى تفسير لاهوتي يرى في استعادة “أرض إسرائيل” توطئة لعودة المسيح.

وقد سارعت الحكومات المحافظة في باراغواي، وأوروغواي، وبنما، وكوستاريكا، والإكوادور، والسلفادور، وهندوراس، وجمهورية الدومينيكان، وتشيلي، إلى الانضواء تحت لواء هذه المبادرة.

وعلى الرغم مما سلف ذكره، لا ينبغي الخلوص إلى أن عموم الشعب الأرجنتيني يزكّي القرارات السياسية للرئيس ميلي. فالواقع يثبت أن هذا التحول المفاجئ في السياسة الخارجية يقابل برفض شعبي واسع؛ إذ بينت استطلاعات رأي متفرقة أن 72% من المواطنين يحبذون العودة إلى مربع الحياد، مقابل 15% فقط يؤيدون التخندق المطلق خلف الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتجمع الغالبية العظمى من الأرجنتينيين على ضرورة انصراف الرئيس ميلي لمعالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد، عوضا عن التورط في السياسات الحربية وحملات الإبادة التي تقودها واشنطن وتل أبيب في الشرق الأوسط. فضلا عن ذلك، يحمل 55% من الأرجنتينيين انطباعا سلبيا عن إسرائيل، التي لا تحظى بتعاطف سوى 21% من المستطلعة آراؤهم.

وتأسيسا على ذلك، يمكن تأويل تتويج إسبانيا بكأس العالم بوصفه هزيمة رمزية لبعص من ناصر المنتخب الأرجنتيني، وفي طليعتهم الرئيس دونالد ترمب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وانتصارا لإسبانيا المتنوعة والتعددية التي يذود عنها سانشيز وحكومته التقدمية.

وعلى الرغم من الأخطاء التحكيمية الكارثية والإلغاء المجحف لهدفين مستحقين للمنتخب الإسباني، عجز الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) عن إجهاض الفوز الإسباني، وفشل تباعا في وأد آمال الجماهير العربية الغفيرة التي آزرت إسبانيا وشدت من أزرها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

Exit mobile version