Site icon روكب اليوم

انتهى زمن التزييف.. كيف صنعت السينما الإسرائيلية سردية الاحتلال؟ | ثقافة

image 1792331736

روكب اليوم

قد يحاول الجاني استغلال قوته وأدواته المختلفة وخاصة الإعلام والسينما في فرض سرديته الدرامية التي تصوره كضحية، لكن الحقيقة تظل تطارده مهما طال الزمن.

وبهذا المعنى تخلص حلقة “غاليريتا” إلى أن السينما سمحت في وقت من الأوقات للاحتلال الاسرائيلي وهم (الجناة) بتقديم أنفسهم على أنهم ضحايا وتغير الحقائق في قالب درامي يثير التعاطف ويعزز روايتهم للجمهور بما يتلاءم مع السردية الزائفة، لكن كاميرا الأخبار والسينما العربية كانت توثق الجرائم والحقيقة، لتكشف من هم الضحايا.

وتفكك مقدمة البرنامج ريتا حنا كيف تسبب الفيلم الوثائقي “نازا” -وهو إنتاج إسرائيلي بريطاني- في اتهام صُنّاعه بالخيانة والتلويح بسحب جنسيتهم الاسرائيلية لكونه يكشف زيف الادعاءات الأخلاقية من خلال كشف اعترافات جنود من داخل الجيش الاسرائيلي شاركوا في الإبادة بهويات مختلفة عن قرارات أمنية حساسة تستهدف الآلاف من النساء والأطفال المدنيين في غزة.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ليس هذا فحسب بل دفعت الحقائق التي كشفها الفيلم صناعا أخرين لإنتاج فيلم مقابل يعكس السردية الاسرائيلية في نفس العام 2026 يحمل نفس الاسم ولكن قدموه على أنه “نازا القصة الحقيقية”.

الملصق الدعائي للفيلم الوثائقي “نازا” NAZA (الجزيرة)

تاريخ من التضليل

وتستعرض حلقة “غاليريتا” -التي يمكن مشاهدتها بالضغط هنا– أفلاما إسرائيلية من منظور جنود الاحتلال وأزماتهم النفسية على أحداث فيصلية في التاريخ، ثم تمر مرور الكرام على ضحايا الحادثة أو الحرب كحدث هامشي أو لقطات عابرة في ختام الأعمال الفنية.

ومن أبرز هذه الأمثلة فيلم “التل 24 لا يجيب” (عام 1955) الذي تناول أحداث أحد أبرز محطات السينما الإسرائيلية المبكرة التي هدفت إلى ترسيخ السردية الصهيونية حول حرب عام 1948 (التي يصفونها بحرب الاستقلال بينما هي النكبة للفلسطينيين).

وتدور حبكة الفيلم حول 4 شخصيات من جنود الاحتلال يكلفون بمهمة الدفاع عن تل إستراتيجي والسيطرة عليه قبيل إعلان وقف إطلاق النار، ليجدوا أنفسهم محاصرين ويموتون في النهاية فوق ذلك التل.

ويركز المخرج بشكل مطلق وفردي على مأساة هؤلاء الجنود وبطولاتهم المتخيلة، مستهلا روايته وصناعته البصرية لخدمة أيديولوجيا الدولة الوليدة وتثبيت شرعية السلاح على الأرض.

في المقابل، يمثل الفيلم نموذجا واضحا للسينما التي تتعمد تهميش أصحاب الأرض الأصليين، إذ ينتهي العمل بمشاهد عثور مراقبي الهدنة التابعين للأمم المتحدة على جثث الجنود وبجانبهم العلم الإسرائيلي، لتختتم اللقطات بكلمة البداية بدلا من النهاية.

هذا التوظيف الدرامي جعل من موت الجنود مبررا للاستيلاء على الأرض، ثم يمر مرور الكرام على مأساة مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين هُجروا أو دُمرت قراهم وبيوتهم، ليكون الفيلم بذلك أداة دعائية مبكرة تبرر الاستعمار وتحول المحتل إلى ضحية وبطل في آنٍ واحد.

جثث القتلى ضاقت بها شوارع مخيم صبرا وشاتيلا (الأوروبية)

أما في فيلم الرسوم المتحركة “فالس مع بشير” (عام 2008) الذي تتمحور قصته حول كوابيس وذاكرة جنود الاحتلال في حرب لبنان عقب مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982، فيركز على الصدمة النفسية التي أصابت الجنود، ويظل محصورا بالكامل داخل أزمة الجندي نفسه، فهو يبحث عن كوابيسه ويواجه مشاعر ذنبه الفردي، محولا الجاني إلى “شخصية معذبة” تبحث عن التطهر الأخلاقي.

ويكرس الفيلم تهميش الضحايا الحقيقيين الذين قدرت أعدادهم بين 700 و5 آلاف ضحية.، فلا تظهر مأساة مجزرة صبرا وشاتيلا وأرواح الآلاف من المدنيين بوضوح إلا في اللقطات الأخيرة للعمل، عندما يُترك المشاهد أمام أرشيف حقيقي وصدمة بصرية مفاجئة للخارجين من تحت الأنقاض.

وهكذا يعكس الفيلم بامتياز المنهجية التي تناقشها “غاليريتا” حيث تُستغل مأساة الحرب لإنتاج سردية تتعاطف مع ألم الجندي الإسرائيلي وتضع معاناته النفسية في الواجهة، بينما تبقى الضحية الحقيقية مجرد رقم هامشي أو أرشيف عابر يخدم رحلة “التطهر الذاتي” للمحتل.

غير أن الرواية الاسرائيلية التي كانت تستجدي تعاطف الجمهور أصبحت محط هجوم بعد أحداث طوفان الأقصى، فكيف يصور جنود الجيش الإسرائيلي أنفسهم يتفاخرون ويشربون سيجارة أثناء مشاهدتهم قصف المستشفيات والمنازل بل واحياء كاملة في قطاع غزة.

وهو الأمر الذي دعمته مواقف سياسية ودبلوماسية على أرض الواقع بالفعل آنذاك وحتى الوقت الراهن، إذ يعترف وزير الدفاع الإسرائيلي (آنذاك) يوآف غالانت أنهم يتعاملون مع أهالي القطاع على أنهم حيوانات بشرية.

ثم يأتي دور السينما مجددا من خلال الفيلم الوثائقي الفلسطيني النرويجي (لا أرض أخرى) أو No other land والذي يصور حياة  هدم البيوت والمدارس بقرى في الضفة الغربية ومحاولات اقتلاع السكان مقابل تمسكهم بأرضهم ومنازلهم.

ثم لاحقا تعود القضية الفلسطينية للواجهة العالمية في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ويفوز فيلم “لا أرض أخرى” بالأوسكار عام 2025، وبهذا يفتح المجال أمام تجارب سينمائية جديدة توجب تحقيق معادلة النجاح جديدة وهي إلى أي مدى سينجح صناع الافلام الجدد في تغير الصورة الاسرائيلية التي تُصدرها للعالم.

ومن هنا يظهر أهمية فيلم نازا والتأثير الذي حققه عالميا، إذ كان بمثابة الصفعة للرواية الإسرائيلية بأفواه أصحابها أنفسهم، إذ حقق إيرادات تراكمية تجاوزت نصف مليون دولار في 12 أكتوبر/تشرين الأول، رغم طرحه بصورة مستقلة دون شركة توزيع سينمائي أمريكية تقليدية، بحسب تقديرات نشرتها مجلة “هوليود ريبورتر” (The Hollywood Reporter)

ويشير عنوان الفيلم إلى اختصار عسكري يستخدم للتعبير عن عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في ضربة جوية، ووفقا للتعريف المنشور في برنامج مهرجان نيويورك، يستكمل العمل تحقيقات نشرتها “غارديان” (The Guardian) ومجلة “+972” الإسرائيلية الفلسطينية وموقع “لوكال كول” (Local Call) الناطق بالعبرية بين عامي 2023 و2025.

Exit mobile version