
روكب اليوم
Published On 26/7/2026
بعد عقود من العداء المعلن، تبدو إعادة الثقة بين الولايات المتحدة وإيران أمرا صعبا، غير أن التوصل لاتفاق يضمن مصالح الطرفين يبدو ممكنا جدا، إذا قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التفاوض بمنطق “رابح-رابح”، كما يقول محللون.
ففي ظل التصعيد الحالي بين البلدين وبعد الحرب المدمرة التي شنها ترمب على إيران، يصبح البحث عن المصالح أقرب إلى المنطق من البحث عن الثقة، التي يرى السفير جوي هود مساعد وزير الخارجية السابق أنها لن تكون ممكنة في ظل هذا الرئيس الأمريكي وهذا النظام الإيراني.
وبعد أن أرجأ ضربات واسعة كانت متوقعة أمس الجمعة، قال ترمب لقناة “إل سي آي” (LCI) الفرنسية، إنه سيشن حربا واسعة على إيران ما لم يحصل على 100% مما يريد. كما قال في تصريحات لموقع أكسيوس الخميس الماضي، إن إسرائيل ستنضم لهذه العمليات في غضون دقيقتين.
في الوقت نفسه، نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مصادر أن تل أبيب لم تخفض مستوى تأهبها رغم تصريحات ترمب بشأن إيران، وأضافت أن قرار الإبقاء على حالة التأهب القصوى في إسرائيل ينبع من قناعة مفادها أن الإيرانيين لن يستجيبوا لما يطلبه ترمب.
لا بد من بناء الثقة
ومع ذلك، يعتقد مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية محمد صالح صدقيان، أن العودة للمفاوضات لا تزال ممكنة إذا تخلى ترمب عن رغبته في الحصول على كل شيء دون منح إيران أي شيء، مؤكدا أن تفكيك الوضع الراهن يتطلب بناء الثقة.
فلو تمكنت سلطنة عمان من إيجاد آلية تضمن لإيران تقديم خدمات في مضيق هرمز وفق القانون الدولي، سيكون بإمكان ترمب دفع المفاوضات قدما إذا قبل بمبدأ “رابح-رابح”، حسب ما قاله صدقيان لقناة الجزيرة.
فالأزمة الحالية سببها -برأي صدقيان- تجاوز ترمب للاحترام، وعدم التزامه بدفع الأموال الإيرانية المجمدة التي نصت مذكرة التفاهم على دفعها، والتي يمكن للإيرانيين العودة للمسار الدبلوماسي مجددا إذا حصلوا عليها كنوع من تعزيز الثقة.
وعلى العكس من ذلك، قال السفير هود للجزيرة إن مذكرة التفاهم السابقة لم تعد قابلة للتطبيق، وإن على الطرفين كتابة اتفاق جديد يقوم على تبادل المصالح.
المصالح أقرب من بناء الثقة
أما الحديث عن بناء الثقة بين البلدين فلا يبدو ممكنا في الوقت الراهن على الأقل بنظر الدبلوماسي الأمريكي السابق، الذي أشار إلى أن الإيرانيين يرفعون شعار “الموت لأمريكا” منذ عقود، وبعد حرب ترمب التي قتلت آلاف الإيرانيين.
بالتالي، لا يتوقع هود عودة الثقة بين واشنطن وطهران في ظل وجود ترمب والنظام الإيراني الحالي، ويرى أن المسار العملي يكمن في توقف الإيرانيين عن تهديد السفن في هرمز وتقديم خدمات طوعية لمن يرغب في ذلك، مقابل رفع الحصار وإسقاط العقوبات المفروضة على إيران.
فإذا تحققت هذه الأمور، يمكن القول إننا إزاء علاقة جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، برأي هود، الذي يعتقد أن الوضع معقد، “لأن النظام الإيراني الذي كان يقول الموت لأمريكا أصبح يقول الموت للاقتصاد العالمي ما لم نحصل على ما نريد”.
قومية إيرانية وعداء أمريكي
وبعيدا عن هذا وذاك، يرى أستاذ تسوية الصراعات الدكتور محمد الشرقاوي، أن الحرب الحالية خلقت قومية إيرانية جديدة، فضلا عن أنها جعلت ترمب يتصرف كمن يمثل القومية البيضاء المتشبعة بالعداء التاريخي لإيران منذ أزمة الرهائن عام 1979.
وردا على حديث هود، قال الشرقاوي إن بعض الأمريكيين يستدعون شعار الموت لأمريكا في محاولة لإثبات وجود عداء قديم حان وقت تصفيته، بينما ترمب “لا يعتد بهذه الخلفية ولا يقرأ التاريخ، لأنه رجل صفقات، ويخالف القاموس التقليدي للعداء، لكنه محاط بمستشارين يعيدون تغذيته بهذا العداء”.
وعمليا، يعتقد الشرقاوي أن المعضلة تكمن في التفسير الجديد الذي سيتوصل إليه الطرفان بشأن البند الخامس من مذكرة التفاهم التي كان يُفترض أن تدفع قطار الدبلوماسية للأمام، والمتعلق بوضعية الملاحة في هرمز.
فليس معروفا -وفق الشرقاوي- إن كانت تتفاوض مع العمانيين على آلية لإدارة المضيق وفق مذكرة التفاهم بحيث يصبح أي اتفاق تمهيدا لتوافق أمريكي إيراني، أم أن الإيرانيين قد تجاوزوا هذه المذكرة ويبحثون عن ورقة جديدة.
فلا مؤشرات حالية على مواصلة التفاوض وفق المذكرة، كما لا يجب التفاؤل كثيرا بإرجاء ترمب الضربة الواسعة التي كانت مقررة لإيران، لأن الرئيس الأمريكي لم يلغ الضربة بشكل كامل، وكأنه ينتظر نتيجة المباحثات بين طهران ومسقط.

