Site icon روكب اليوم

بين اقتصاد السوق والدعم.. أي نموذج اقتصادي تتجه إليه سوريا؟ |

10 1784276183



روكب اليوم

طرحت الارتفاعات الأخيرة في أسعار المشتقات النفطية، وإعلان الحكومة السورية سعرا مدعوما للمازوت “الموجه للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة” أسئلة جوهرية حول هوية الاقتصاد في سوريا الجديدة، وخطط الحكومة في مجالات العدالة الاجتماعية وتحسين أوضاع الفئات الهشة اقتصاديا.

وأعلن وزير الطاقة محمد البشير– خلال مؤتمر صحفي في 17 سبتمبر/أيلول الجاري- طرح 3 أنواع من المازوت، بعد رفع أسعار المشتقات النفطية بنسب تراوحت بين 25 و40 بالمئة، إذ بموجب الآلية الجديدة، يبلغ سعر المازوت المدعوم 115 ليرة لليتر، ويوجه للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، فيما يبلغ سعر النوع الثاني 150 ليرة للاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والثقيلة، ويستمر المازوت بالمواصفات القياسية بسعر 175 ليرة لليتر (الدولار يعادل نحو 135 ليرة).

اقتصاد حرّ

وقال الدكتور عبد الله الفارس- أستاذ العلاقات الاقتصادية والتمويل الدولي في كلية الاقتصاد بجامعة حلب– إن الحكومة السورية الجديدة حددت منذ أيامها الأولى توجهها نحو بناء اقتصاد سوق تنافسي، مع تقليص دور الدولة في الدعم والتدخل المباشر في النشاط الاقتصادي.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وأضاف في تصريح لـ”سوريا الآن “، أن الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم والتدخل الإداري إلى اقتصاد أكثر اعتمادا على آليات السوق “يمكن أن يشكل مدخلا لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري ورفع كفاءة تخصيص الموارد وتعزيز دور القطاع الخاص”.

لكن هذا الانتقال لا يعني في التجارب الاقتصادية المقارنة، انسحاب الدولة من مسؤولياتها الاجتماعية والتنموية، بحسب الفارس، مضيفا أن دور الدولة لا ينتهي بانتهاء الدعم، وإنما يعاد تعريفه من “دولة تتدخل في تحديد الأسعار وتوفير السلع والخدمات بصورة مباشرة، إلى دولة تضع قواعد السوق، وتضمن المنافسة، وتمنع الاحتكار، وتوفر البنية التحتية والخدمات العامة، وتستخدم أدوات السياسة المالية والنقدية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وحماية الفئات الأكثر هشاشة”.

 القطاع الخاص يقود الاقتصاد

بدوره يوضح المستشار الاقتصادي أسامة قاضي أن الهوية الاقتصادية السورية المنشودة تقوم على “بناء اقتصاد حرّ ومنتج وتنافسي، يقوده القطاع الخاص، وتنظّمه دولة القانون والمؤسسات، وتحميه العدالة الاجتماعية”.

وأضاف قاضي، في تصريح لـ “سوريا الآن “، أن تلك الهوية تجمع بين حرية المبادرة الفردية والمسؤولية الاجتماعية للدولة، بحيث لا تتحول حرية السوق إلى احتكار أو استغلال، ولا يتحول التدخل الحكومي إلى بيروقراطية تعطل الاستثمار والإنتاج.

كما أشار المستشار الاقتصادي إلى أن الأسواق “تتحرك في ذلك الاقتصاد وفق آليات العرض والطلب، مع احتفاظ الدولة بمسؤوليتها تجاه الفئات الأقل دخلا، وتوفير التعليم والصحة والخدمات الأساسية، وتحقيق توزيع أكثر عدالة لثمار النمو”.

العودة لسياسة التدخل

من جهته أوضح نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية في سوريا محمد الحلاق، أن الحكومة الاقتصادية تعتمد “تطبيق النهج المتبع في إدلب والذي حقق نموا ونهضة كبيرة في تلك المحافظة” خلال السنوات الأخيرة قبل سقوط نظام البعث، إذ كان قادرا “على سد العجوزات وخلق وفورات عبر الاستثمارات والمشاريع التي تنتج إيرادات كبيرة يتم الإنفاق منها على الاحتياجات العامة”.

وقال، في تصريح لـ”سوريا الآن “، إن الأمر اختلف كثيرا بعد إسقاط نظام الأسد، مع اتساع المساحة وزيادة عدد السكان واختلاف المعطيات الاقتصادية بالمجمل، ما دفع الحكومة السورية الجديدة لـ”الانتقال من المضي في سوق تنافسي حرّ يؤمن السلع بأرخص الأسعار وتقوم فيه بدور المراقب وتشجيع الاستثمارات والإنتاج عموما، إلى التدخل وتقديم بعض الدعم كما هو الأمر في مادتي الخبز والمازوت”.

ولفت الحلاق إلى أن الدولة لا تستطيع الوقوف في دور المتفرج في ظل عدم قدرة الجمعيات الخيرية وكل أشكال العمل التكافلي على سد الثغرات ومساعدة الفئات الهشة في المجتمع، مؤكدا أن الحكومة “حاولت إلغاء الدعم الاجتماعي ضمن فلسفة الاقتصاد التنافسي الحر عندما رفعت الدعم عن المحروقات مع زيادة الرواتب والأجور إلى حد أدنى يتمكن الموظف خلاله من تأمين حد أدنى من احتياجاته”.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع أصدر في مارس/آذار الماضي مرسوما يقضي بزيادة جديدة على رواتب وأجور العاملين في عدد من الجهات العامة، وناهزت الزيادة 50% لكل الموظفين، مع زيادات نوعية للأطباء والمهندسين والمفتشين.

دور الدولة الاجتماعي

وأكد الدكتور الفارس بدوره، أهمية دور الدولة الاجتماعي والتنموي في ظل واقع اجتماعي واقتصادي شديد التعقيد في سوريا، مشيرا إلى أن أكثر من 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وحذر من أن “التخلي عن الدعم، إذا لم يترافق مع سياسات بديلة للحماية الاجتماعية، قد يؤدي إلى نقل تكلفة الإصلاح الاقتصادي بصورة أكبر إلى الفئات التي تمتلك قدرة محدودة على تحمل ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية”.

وفي فبراير/شباط 2025، قال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن 9 من كل 10 أشخاص في سوريا يعيشون في فقر وإن 1 من كل 4 عاطل عن العمل، وأضاف أن اقتصاد البلاد يمكن أن “يستعيد مستواه قبل الصراع في غضون عقد من الزمان في ظل نمو قوي”.

“ملامح غير مكتملة”

وأضاف الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، أن التحول نحو اقتصاد السوق كان يفترض أن يستند إلى رؤية اقتصادية متكاملة تحدد بوضوح هوية الاقتصاد السوري الجديد، ودور الدولة في عملية التنمية، وحدود تدخلها في النشاط الاقتصادي، وأدوات السياسة المالية والنقدية، إضافة إلى آليات واضحة للحماية الاجتماعية خلال المرحلة الانتقالية.

وأكد أن المشكلة “ليست في تحديد ما إذا كانت الدولة ستتدخل أم لا، وإنما في تحديد كيف تتدخل، ومتى تتدخل، ولمن توجه تدخلها، وبأي أدوات، وكيف تنسق بين سياساتها المالية، والنقدية، والاجتماعية، والإنتاجية”.

وتابع الفارس أن الاكتفاء بإطلاق وعود بالتدخل عند حدوث الأزمات، من دون إطار مؤسسي واضح وآليات تنسيق بين القطاعات الحكومية، ومؤشرات لقياس النتائج، وأدوات محددة للتدخل “يبقي ملامح الهوية الاقتصادية السورية الجديدة غير مكتملة”.

وأعلن وزير المالية السوري محمد يسر برنية في أبريل/نيسان الماضي عن قرب إطلاق إستراتيجية مكافحة الفقر في سوريا، موضحا أنه تمت مناقشتها مع عدة وزارات بهدف تخفيض مستوى الفقر من 75 بالمئة إلى 25 بالمئة خلال 10 سنوات.

تركة ثقيلة

بدوره يؤكد الحلاق أن الحكومة السورية الجديدة “لم تكن في وارد العودة لسياسة الدعم”، مضيفا أن الضغط عليها لـ”تأمين الحد الأدنى من احتياجات الأسر الهشة دفعها لتأخذ دورها وتقديم بعض الدعم”، داعيا إلى تأسيس شبكات حماية اجتماعية تدعم الشخص أو العائلة حسب المواد التي تضطر الحكومة لرفع أسعارها كالوقود والخبز.

وأوضح الحلاق أن الحكومة تواجه اليوم مشكلات كثيرة ورثتها من النظام المخلوع، الذي أرهقت سياساته وتفشي الفساد وعدم الكفاءة في مؤسساته اقتصاد البلاد..

وتوقع الرئيس السوري أحمد الشرع أن يصل حجم الاقتصاد العام الحالي إلى 50 مليار دولار، وفي عام 2027 إلى 60 مليار دولار، مضيفا- خلال جلسة حوارية في  قمة الإعلام العربي في دبي الأسبوع الماضي- أن الطموح للوصول إلى 200 مليار دولار خلال 5 سنوات أو الـ10 سنوات التالية.

وأضاف الرئيس السوري أن التحدي الأكبر كان تراكم العقود السابقة، موضحا أن “سوريا مرت بمراحل متعددة، 60 سنة من الفساد الإداري وسوء الخطة.. خطة خاطئة وفساد إداري اجتمعا مع بعضهما البعض فنتج عنه فساد عظيم ومضاعف”.

وأشار الحلاق إلى أن رفع الرواتب حسّن معيشة كثير من السوريين، لكنه أضاف أن هناك أعداد كبيرة من السوريين خارج إطار الوظيفة في القطاع العام أو الخاص، كما توجد نسبة كبيرة من غير القادرين على العمل ما فرض مزيدا من التحديات أمام الحكومة.

ولفت نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية إلى عوامل ضغط أخرى على الحكومة بعد تراجع قيمة التحويلات القادمة من الخارج للعائلات محدودة الدخل، بعد عودة كثيرين من السوريين إلى بلادهم والضغوط المعيشية المتزايدة في مناطق اللجوء.

وبلغت قيمة الحوالات، بحسب تصريح لحاكم مصرف سوريا المركزي السابق عبد القادر الحصرية، 4 مليارات دولار خلال عام 2025، وهو رقم يفوق موازنة الدولة للعام ذاته، التي بلغت 3.493 مليارات دولار، بينما بلغ الناتج المحلي 30.6 مليار دولار.

Exit mobile version