روكب اليوم
2026-06-08 07:24:00
الضاحية في قلب تقاطع المسارات الإقليمية
يرى الكاتب والباحث السياسي إبراهيم ريحان أن التطورات الميدانية لا يمكن فصلها عن المسارات السياسية الجارية في المنطقة، سواء المرتبطة بالمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة أو بالمفاوضات الإيرانية الأميركية.
ويشير إلى أن أطرافاً مؤثرة داخل الائتلاف اليميني الإسرائيلي، وفي مقدمها وزير المالية ووزير الأمن القومي، لا ترغب في الوصول إلى اتفاق يتعلق بلبنان، كما لا تؤيد نجاح المفاوضات بين واشنطن وطهران.
ومن هذا المنطلق، يربط ريحان استهداف الضاحية الجنوبية بمحاولات الضغط على الدولة اللبنانية خلال مرحلة التفاوض، وإحراجها بعد التفاهمات التي هدفت إلى تحييد بيروت والضاحية عن دائرة الاستهداف.
وفي المقابل، يعتبر أن لإيران وحزب الله مصلحة في إبقاء الورقة اللبنانية ضمن إطار التفاوض الإيراني الأميركي، لا ضمن مسار لبناني إسرائيلي مستقل.
نتنياهو بين الضغوط الداخلية والرسائل الخارجية
بحسب ريحان، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى من خلال استهداف الضاحية إلى تحقيق أكثر من هدف في الوقت نفسه.
فمن جهة يحاول التأثير على مسار المفاوضات عبر استدراج رد إيراني مباشر، ومن جهة أخرى يواجه ضغوطا داخلية متزايدة من قوى اليمين الإسرائيلي ومن الرأي العام الذي يطالب باستكمال العمليات العسكرية في لبنان.
ويؤكد ريحان أن ما سرب في الإعلام الإسرائيلي خلال الأيام الماضية، بعد تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمنع استهداف واسع للضاحية الجنوبية، يفيد بأن ترامب يوافق على استهداف الشقق والأهداف المحددة والدقيقة والصغيرة، وليس استهداف المباني بشكل كامل أو استخدام قنابل تؤدي إلى تدمير واسع.
ويرى أن الجيش الإسرائيلي يحاول تنفيذ ضرباته ضمن هذا الإطار، بحيث يستهدف مواقع محددة في الضاحية من دون تجاوز ما وصفه بـ”خطوط ترامب الحمراء”، مع الاستمرار في ممارسة الضغط على الإيرانيين من جهة وعلى الدولة اللبنانية من جهة أخرى
الضغط على الدولة اللبنانية وشروط الأمن الإسرائيلي
يذهب ريحان إلى أن العمليات العسكرية لا تستهدف فقط توجيه رسائل إلى إيران، بل تسعى أيضا إلى زيادة الضغط على الدولة اللبنانية لدفعها نحو خطوات أكثر وضوحاً في مواجهة سلاح حزب الله داخل المناطق اللبنانية.
ويشير إلى أن إسرائيل لا تريد أن تتولى بنفسها مهمة نزع سلاح الحزب، بل تسعى إلى دفع الدولة اللبنانية للقيام بهذه المهمة.
ويربط ذلك باستهداف الجيش اللبناني في بعض المناطق، معتبراً أن هذه الأحداث تأتي ضمن مسار يرمي إلى فرض مزيد من الشروط الأمنية الإسرائيلية على طاولة التفاوض.
وفي هذا السياق، يرى أن استمرار الضربات يضعف موقع الدولة اللبنانية ويمنح خصومها السياسيين مساحة أكبر للتحرك، كما يساهم في إطالة أمد الأزمة القائمة.
السجال الإيراني اللبناني وتداعياته
ويتوقف ريحان عند السجال الذي برز بين المسؤولين الإيرانيين والرئيس اللبناني جوزيف عون، معتبرا أن التصريحات الإيرانية الأخيرة تمثل دليلاً على تدخل طهران في الشأن اللبناني.
ويشير إلى أن الحديث الإيراني عن التفاوض بشأن جبهة لبنان يتناقض، بحسب قراءته، مع نفي التدخل في الشؤون اللبنانية. كما يعتبر أن استخدام الأراضي اللبنانية في الصراعات الإقليمية أو الإساءة إلى موقع رئاسة الجمهورية يمس بالسيادة اللبنانية، وقد يفتح الباب أمام خطوات دبلوماسية لبنانية في المرحلة المقبلة.
هل تتحول بيروت الكبرى إلى منطقة منزوعة السلاح؟
من وجهة نظر ريحان، فإن أحد المسارات القابلة للتنفيذ يتمثل في إعلان بيروت الكبرى منطقة منزوعة السلاح، معتبراً أن طبيعة المنطقة تختلف عن الجنوب والبقاع من حيث التعقيدات الجغرافية وانتشار السلاح.
يؤكد ريحان أن الجيش اللبناني قادر على تنفيذ عمليات تفتيش وانتشار ميداني في المناطق المشتبه بوجود نشاطات عسكرية داخل بيروت الكبرى، فطبيعة المنطقة تختلف عن تعقيدات الجنوب والبقاع ولا تستلزم قدرات خارقة. ويشدّد على أن العائق ليس أمنياً بل سياسياً بالدرجة الأولى، فالقرار السياسي هو المفتاح.
ويرى أن أي تحرك عسكري لبناني في هذا الاتجاه من شأنه تعزيز موقع لبنان التفاوضي، وتحسين صورته أمام المجتمع الدولي والدول العربية، وإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها.
قواعد الاشتباك لا تزال تحكم المشهد
من جانبه، يرى الكاتب الصحفي علي واكد أن الضربة الأخيرة، رغم الضجة الإعلامية التي رافقتها، لا تخرج عن إطار قواعد الاشتباك القائمة بين الجانبين.
ويشير إلى أن الإدارة الأميركية كانت قد منعت سابقاً توسيع العمليات الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية، ما دفع إسرائيل إلى العودة إلى نمط العمليات الدقيقة والمحدودة التي تستهدف مواقع محددة من دون الانزلاق إلى قصف واسع النطاق قد ينعكس سلباً على المفاوضات الإيرانية الأميركية.
ويعتبر واكد أن شكل العملية الأخيرة يشبه إلى حد كبير عمليات الاغتيال من حيث طبيعة الهدف وحجم الأضرار الجانبية المحدودة، حتى وإن لم تسفر عن اغتيال شخصية قيادية.
محاولة لجر حزب الله وإيران إلى رد أوسع
بحسب واكد، فإن توسيع الضربات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني يهدف إلى دفع حزب الله نحو الرد في العمق الإسرائيلي، الأمر الذي يمنح إسرائيل مبررا لتوسيع نطاق عملياتها واستهداف الضاحية مجدداً.
ويشير إلى وجود استياء واضح داخل إسرائيل من القيود الأميركية المفروضة على حرية الحركة العسكرية في لبنان، خصوصاً في ما يتعلق بالضاحية الجنوبية، فيما تُمنح القوات الإسرائيلية هامشاً أوسع للعمل في الجنوب.
كما يربط واكد بين التحركات العسكرية والحسابات السياسية الداخلية لنتنياهو، الذي يواجه ضغوطاً انتخابية متزايدة، خصوصاً في مناطق الشمال الإسرائيلي التي تشكل رصيداً انتخابياً مهماً بالنسبة له.

