روكب اليوم
2026-07-01 04:55:00
بين القات وكأس العالم… كيف تدفع نساء يمنيات ثمن هوس الرجال بالمباريات؟
<span class="story_date">الثلاثاء 30 يونيو 2026 - الساعة:22:55:42</span>
<span class="story_source">( / متابعات)</span>
</p><div>
<p><br />
في الليلة التي ساءت فيها حالة طفلها ذي الأعوام الثلاثة، كان هاتف زوج منال مغلقًا. حاولت الاتصال به بعد إصابة الطفل بتشنج وإغماء مفاجئ، لكنها لم تجد من تستنجد به سوى الجيران، الذين أسعفوه في مستشفى القاهرة في العاصمة اليمنية صنعاء. تقول منال، وهي معلمة لغة إنجليزية، لـ”مواطن” إن الخلافات مع زوجها بدأت منذ ليلة افتتاح كأس العالم، حين حاولت إقناعه بألا يخرج ليلًا لمتابعة المباريات، حتى لا ينفق ما تبقى لديهم من مال قليل على القات والسجائر والاستراحات، واقترحت أن يشتريا به احتياجات البيت لكنه رفض، مبررًا ذلك بأن “كأس العالم يأتي مرة كل أربع سنوات”.
تستعين منال في تأمين دخلها ببعض الدروس الخصوصية، التي بالكاد تساعد في توفير احتياجات بيتها. وفي اليوم التالي للمباراة الافتتاحية أصيب طفلها بحمى؛ فأعطت زوجها 20 ألف ريال يمني ليأخذه إلى المستشفى، لكنه ذهب إلى صيدلية قريبة واشترى له بعض المسكنات ثم خرج من المنزل مجددًا. تقول منال إنها ظلّت تسأله عما تبقى من مال، بينما تتزايد احتياجات البيت دون أن يشغله ذلك، وفي الليلة التالية أخذ ما تبقى من مال وخرج، في الوقت الذي تدهورت فيه حالة الطفل، فأخبرها الأطباء أنّ الالتهاب وصل إلى دماغه، وأنّ التأخر في إسعافه كان يمكن أن يؤدي إلى فقدانه السمع والنطق.
تضيف أنّ أهلها يقيمون في تعز، ولم يكن هناك من يقف إلى جانبها في تلك اللحظات الصعبة. بقي طفلها في المستشفى أسبوعًا كاملًا، وكانت هي من تتولى العلاج والمصاريف والرعاية، بينما كان زوجها، بحسب قولها، يقضي الليل في متابعة مباريات كأس العالم وينام طوال النهار، ثم يأتي قرب المغرب لدقائق قليلة ليطمئن على الطفل قبل أن يغادر. تقول منال إنها لم تعد قادرة على تجاوز ما حدث، وتفكر في العودة إلى منزل أهلها بعدما شعرت أنها تُركت وحدها في أصعب موقف مرّت به مع طفلها الوحيد.
مباراة تهدد حياة زوجية
لا تظهر كلفة متابعة كأس العالم داخل البيوت اليمنية في ثمن الاشتراك في القنوات التلفزيونية الناقلة أو شاشة التلفاز فقط؛ بل في تغير أولويات الإنفاق داخل أسر تعيش تحت ضغط معيشي قاسٍ. فبطولة كأس العالم 2026 تُقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وهي النسخة الأولى التي تضم 48 منتخبًا و104 مباريات؛ ما يعني جدولًا طويلًا من المباريات التي تمتد -بفعل فرق التوقيت مع اليمن- إلى ساعات المساء والليل. خلال جولة ميدانية لتتبع أثر البطولة على نفقات البيوت واحتياجات النساء والأطفال، قال أحمد العمري، مالك سوبر ماركت، لـ”مواطن” إنّ مبيعات بعض المواد الغذائية الأساسية؛ مثل الأرز والدجاج والبيض والبقوليات ومشتريات الأطفال، تراجعت منذ بدء البطولة مقارنة بالأيام المعتادة.
لا تظهر كلفة متابعة كأس العالم داخل البيوت اليمنية في ثمن الاشتراك في القنوات التلفزيونية الناقلة أو شاشة التلفاز فقط؛ بل في تغير أولويات الإنفاق داخل أسر تعيش تحت ضغط معيشي قاسٍ
في المقابل، لاحظ ارتفاعًا في مبيعات المياه المعدنية والمشروبات الغازية والسجائر، إلى جانب بعض المسكنات وأدوية المعدة التي يشتريها الرجال عادة مع جلسات القات والسهر، مثل “السلبادين” و”البروفين” و”اللوماك” و”اللانسوبرازول“. ويضيف أنّ كثيرًا من الزبائن يشترون هذه المستلزمات يوميًا أو شبه يومي استعدادًا لمتابعة المباريات حتى ساعات متأخرة، بينما يتراجع الإقبال على بعض احتياجات المنزل الأساسية. تعكس هذه الملاحظات جانبًا مما روته نساء لـ”مواطن” عن تأجيل شراء احتياجات البيت والأطفال، أو اللجوء إلى الاستدانة لتغطية المصاريف اليومية؛ في وقت يذهب فيه جزء من دخل الأسرة إلى القات والسهر ومتابعة المباريات.
ولا تقف كلفة السهر على متابعة المباريات عند مصروف البيت وحده. بالنسبة لرويدا بدر، التي تعمل مساعدة طبيب في أحد مستشفيات صنعاء، تحولت ليالي كأس العالم إلى أزمة زوجية كادت تنهي زواجًا تقول إنها اختارته رغم اعتراض أهلها. تروي لـ”مواطن” أنّ زوجها كان يسهر حتى الصباح لمتابعة المباريات، ويشتري القات والدخان ومستلزمات السهر، بينما كانت هي تحاول النوم استعدادًا لدوام يبدأ في السابعة صباحًا. تقول إنّ عملها داخل المستشفى يتطلب تركيزًا كبيرًا، لأنها تساعد الأطباء أثناء العمليات الجراحية، لكن صوت التلفاز والصياح والدخان في شقتها الصغيرة جعل النوم شبه مستحيل.
استمر الوضع ثلاث ليالٍ متتالية، كانت تطلب منه أن يخفض الصوت ويراعي طبيعة عملها، لكنه لم يستجب. وفي الليلة الأخيرة، امتلأت الشقة بدخان السجائر؛ فأصابها الصداع، وعندما اقترب موعد خروجها إلى العمل كانت مرهقة؛ فلم تنم تقريبًا ولم تتناول طعامًا. تقول “رويدا” إنها عاتبت زوجها قبل خروجها من المنزل؛ فقام بمنعها من الذهاب إلى العمل وهددها بالطلاق إذا خرجت. ومع ذلك، قررت الذهاب لأنها كانت مرتبطة بمناوبة وعمليات مقررة، وخلال ساعات الدوام، واصل إرسال الرسائل والتهديدات؛ ما زاد الضغط النفسي عليها. بعد انتهاء العمل، توجهت رويدا إلى منزل أهلها وأخبرتهم بما حدث، وبسبب رفضهم السابق لهذا الزواج، تفاقم الخلاف وبدأوا يضغطون عليها كي لا تعود إليه. تستدرك رويدا أنّ المشكلة ليست في متابعة مباريات كرة القدم؛ بل في شعورها بأنّ عملها وتعبها ومسؤوليتها “لم تحظ بأي احترام أو تقدير من زوجها“.
المشاهدة أهم من الحليب
في بيت أم عبد الواحد، لا تبدو كلفة مشاهدة مباريات كأس العالم مرتبطة بزوجة واحدة أو خلاف عابر؛ حيث تعيش أربع أسر في منزل واحد، لكل منها أطفال واحتياجات يومية، بينما يعاني الأب من إعاقة إثر جلطة ويحتاج رعاية مستمرة. تقول أم عبد الواحد لـ”مواطن” إن أبناءها الأربعة متزوجون ويعيشون مع أسرهم في البيت نفسه، ويعمل اثنان منهم سائقين على حافلات صغيرة، ويمتلك الآخران محلات تجارية، ويعانون من أوضاع معيشية صعبة حتى قبل البطولة بسبب الركود وضعف الحركة التجارية.
منذ بداية كأس العالم، كما تقول، تغيّر الوضع للاسوأ؛ حيث صار أبناؤها يغيبون لساعات طويلة، وأحيانًا لأيام، بين المقاهي وأماكن متابعة المباريات، وقل ما يدفعونه مصروفًا للبيت، ولا يكاد يكفي الاحتياجات الأساسية، أو كميات قليلة من المواد الغذائية مقارنة بقبل البطولة. وتستدرك أن بعض الاحتياجات الضرورية نفدت؛ فاضطرت النساء إلى البحث فيما تبقى لديهن من مبالغ صغيرة، أو الاستدانة من الأقارب والجيران لتوفير مستلزمات الأطفال.
وتشير إلى مفارقة؛ وهي أنّ أبناءها الذين طالما اشتكوا من الركود وضعف الدخل، تمكنوا من توفير مال للقات والسهر ومتابعة مباريات كأس العالم، وحتى صاحبا المحلين -كما تقول- استعانا بعمال يحلّون محلهما، رغم أنّ الدخل بالكاد يكفي الإيجار ومصاريف البيت. وتضيف أنّ زوجات بعض أبنائها يفكرن في الذهاب إلى بيوت أهاليهن احتجاجًا على ما وصفنه بإسراف غير محسوب ولا مبالاة باحتياجات الأطفال. وتختم أم عبد الواحد: “لسنا ضد كرة القدم، لكننا انزعجنا عندما أصبحت المباراة أهم من البيت وأهم من الأطفال الذين ينتظرون مصروفهم وحليبهم وحفاظاتهم”.
النساء يدفعن الثمن
تتكرر في الشهادات السابقة فكرة واحدة: عندما يختلُّ ترتيب الأولويات داخل الأسرة، تكون النساء أول من يواجه النقص: فهنّ الأقرب إلى تفاصيل الحياة اليومية؛ من توفير الغذاء، ورعاية الأطفال، والاهتمام بشؤون الأسرة. يقول المختص والباحث الاجتماعي في جامعة صنعاء، صالح الباخشي، لـ”مواطن” إن المرأة في كثير من الأسر، تتحمل جانبًا كبيرًا من مسؤولية حفظ التوازن داخل البيت، لأنها تتولى إدارة الاحتياجات اليومية وتحاول التوفيق بين الدخل المتاح ومتطلبات الأسرة الأساسية.
تغيّر الوضع للاسوأ؛ حيث صار أبناؤها يغيبون لساعات طويلة، وأحيانًا لأيام، بين المقاهي وأماكن متابعة المباريات، وقل ما يدفعونه مصروفًا للبيت، ويكاد لا يكفي الاحتياجات الأساسية، أو كميات قليلة من المواد الغذائية مقارنة بقبل البطولة.
شهادة “أم عبد الواحد”
ويضيف أنّ هذا الدور يجعلها أول من يشعر بنتائج أي خلل في أولويات الإنفاق، لأنها تعرف ما ينقص البيت وما يحتاجه الأطفال، بينما قد يكون بعض أولياء الأمور أقل انتباهًا لهذه التفاصيل أو مشغولين باهتمامات أخرى. وحين يذهب جزء من دخل الأسرة إلى أمور غير أساسية في ظل ظروف اقتصادية صعبة، تجد النساء أنفسهن مضطرات إلى تعويض النقص، سواء أكان بالاستدانة، أو بتأجيل بعض الاحتياجات، أو البحث عما تبقى لديهن من مبالغ صغيرة لتسيير اليوم، وفق قوله.
لا تقول هذه الشهادات إن كرة القدم هي المشكلة، ولا إن متابعة كأس العالم ترف لا يحق لليمنيين الاستمتاع به وسط الحرب والفقر. ما تقوله النساء هنا أبسط وأثقل في الوقت نفسه: حين تصبح المباراة والقات والسهر أولوية على علاج طفل، أو نوم امرأة عاملة، أو حليب أطفال وحفاظاتهم؛ فإن المتعة العابرة تتحول إلى عبء يومي داخل البيت.

