روكب اليوم
في قلب الجدل المحتدم حول واقع ومستقبل الهجرة نحو الولايات المتحدة، تتكشف مفارقة لافتة في نهج إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لهذا الملف، تجمع بين ما يصفه البعض بـ”التناقض والانتقائية”، إذ تتسم بتشديد غير مسبوق تجاه المهاجرين غير النظاميين داخل البلاد، في الوقت الذي تُظهر فيه استعدادا لفتح الأبواب أمام آلاف اللاجئين البيض القادمين من جنوب أفريقيا، ما يثير تساؤلات عميقة حول معايير القبول وحدود العدالة في النظام الأمريكي للهجرة.
فبينما تتحدث بيانات وتقارير حقوقية وإعلامية عن حملة ترحيل واسعة النطاق طالت عشرات الآلاف من المهاجرين داخل الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة، بما في ذلك اعتقالات وعمليات فصل عائلي أثرت على أكثر من 146 ألف طفل، تتجه الإدارة الأمريكية في الوقت نفسه إلى توسيع برنامج خاص لإعادة توطين ما يصل إلى 17 ألفا و500 شخص من الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا، تحت ذريعة تعرضهم للتمييز والعنف.
ازدواجية معايير
هذه الازدواجية في مقاربة ملف الهجرة تثير جدلا سياسيا وحقوقيا متصاعدا داخل وخارج الولايات المتحدة، خصوصا مع إصرار واشنطن على أن الوضع في جنوب أفريقيا يرقى إلى الحالة الطارئة للاجئين، مقابل رفض الحكومة الجنوب أفريقية لهذه الادعاءات والتأكيد على افتقارها إلى الأدلة.
ويبرز ما يصفه البعض بالتناقض الكبير للإدارة عند وضع خطط اللجوء في كفتي ميزان؛ فبينما تفتح واشنطن ذراعيها لاستقبال 17 ألفا و500 شخص من ذوي البشرة البيضاء المنحدرين من أصول أوروبية، تخوض معركة شرسة أمام المحكمة العليا -التي تسيطر عليها أغلبية محافظة- لتثبيت دفعها القانوني بأن القضاء لا يملك الصلاحية للتدخل في قراراتها.
وتسعى الإدارة من خلال هذه المحاكمة لإلغاء ما يسمى “وضع الحماية المؤقتة”، وتجريد نحو 350 ألف مواطن من هاييتي و6 آلاف سوري من وضعهم القانوني تمهيدا لترحيلهم، رغم تحذيرات الإدارة نفسها من خطورة الأوضاع في بلدانهم، وفي الوقت ذاته تتجه إلى تبني مقاربة أكثر انفتاحا تجاه استقبال لاجئين من ذوي البشرة البيضاء من جنوب أفريقيا، في مؤشر -يرى هؤلاء- أنه يعكس انتقائية واضحة في تحديد أولويات القبول ومعايير الهجرة.
وغير بعيد من ذلك، يشير البعض إلى سياسات الدخول المشددة لإدارة ترمب عبر فرض قيود واسعة على مواطني عدد من الدول، من بينها دول عربية وإسلامية ضمن ما عُرف بحظر السفر الذي شمل دولا مثل سوريا واليمن وليبيا والسودان بذريعة اعتبارات الأمن القومي.
وفي الداخل الأمريكي، تمضي إدارة ترمب في تطبيق هجومية تجاه الهجرة غير النظامية، تقوم على توسيع صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون، وعلى رأسها إدارة الهجرة والجمارك، وتكثيف حملات الترحيل والمداهمات في أماكن العمل والمنازل وحتى المؤسسات العامة.
وتشير دراسة صادرة عن معهد بروكينغز الأمريكي ونشرتها صحيفة الغارديان إلى أن عمليات احتجاز أو توقيف الآباء المهاجرين طالت عشرات الآلاف من الحالات، ما انعكس بشكل مباشر على أكثر من 146 ألف طفل داخل الولايات المتحدة، من بينهم نسبة ملحوظة من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 6 سنوات.
بالتوازي مع ذلك، تشهد منظومة إنفاذ قوانين الهجرة توسعا ملحوظا في صلاحيات عدد من الأجهزة الأمنية والوكالات المعنية بتنفيذ سياسات الهجرة، في تحول -وفق مراقبين- يُفهم منه الانتقال من نهج “الاستهداف الانتقائي” إلى “الإنفاذ الشامل” للقانون دون استثناءات.
الاستثناء العرقي
لكنْ في الاتجاه المقابل، يبرز ملف جنوب أفريقيا بوصفه استثناء سياسيا لافتا، إذ تقول الإدارة الأمريكية إن الأقلية البيضاء هناك -خصوصا المزارعين المنحدرين من أصول أوروبية- تواجه تهديدات واعتداءات ممنهجة، ما يبرر منحهم صفة اللجوء وإعادة التوطين في الولايات المتحدة.
ونتيجة هذه الادعاءات، اتخذت إدارة ترمب سلسلة خطوات تصعيدية، شملت وقف جزء من المساعدات الموجهة إلى جنوب أفريقيا، والدخول في مواجهة دبلوماسية حادة مع رئيسها سيريل رامافوزا داخل المكتب البيضاوي، إضافة إلى مقاطعة قمة مجموعة العشرين التي استضافتها جوهانسبرغ العام الماضي.
توظيف سياسي
هذه الإجراءات وغيرها قوبلت بانتقادات واسعة من حكومة جنوب أفريقيا، التي شددت على أن هذه الادعاءات “لا أساس لها”، معتبرة أن الأمر يوظَّف سياسيا في سياق داخلي أمريكي.
ويطرح هذا التباين تساؤلات أعمق -وفق مراقبين- حول الأسس التي تُبنى عليها معايير تحديد صفة اللاجئ في السياسة الأمريكية الراهنة، وما إذا كانت تستند إلى اعتبارات إنسانية صرفة، أم أنه يعاد صياغتها ضمن حسابات سياسية وجيوسياسية ذات طابع انتقائي.
ويرى حقوقيون أن السياسات الحالية لإدارة ترمب تعكس إعادة صياغة جذرية لمنظومة الهجرة في الولايات المتحدة، ليس فقط من حيث التشدد في الداخل، بل أيضا من حيث إعادة تعريف من يستحق الحماية في الخارج، وفي المقابل، تدافع الإدارة عن نهجها باعتباره ضرورة أمنية وتنظيمية.

