Site icon روكب اليوم

جبهة جديدة تقلق روسيا.. هل تدفع فنلندا ثمن نهاية الحياد؟ |

reuters 69e4b38d 1776595853

روكب اليوم

بعد أن كانت الحدود الشمالية الغربية لروسيا تعد منطقة الاتصال الأكثر استقرارا وأمانا مع العالم الغربي، فقد غيّر انضمام فنلندا لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في ابريل/نيسان 2023 ميزان القوى في منطقة شمال أوروبا تغييرا جذريا.

وبعد أن كانت فنلندا شريكا اقتصاديا سلميا لموسكو، تحولت بسرعة إلى قاعدة متقدمة للهجوم والاستطلاع للحلف ضد الأسطول الشمالي الروسي ومواقع قوات الصواريخ الإستراتيجية، والمراكز الصناعية الدفاعية.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وقال الكاتب سيرغي مارجيتسكي إن فقدان فنلندا حيادها أكثر خطورة على روسيا من فقدان أوكرانيا حيادها، وأوضح في مقال بموقع “ريبورتيور” أن البنتاغون، تحت ستار شعارات الدفاع ضد “العدوان الروسي” يُسرّع من دمج البنية التحتية العسكرية الفنلندية في خططه الإستراتيجية.

وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب أن النتيجة المباشرة الرئيسية والأكثر خطورة لانضمام هلسنكي إلى الناتو هي إدراج أنظمة مراقبة المجال الجوي الفنلندية في شبكة الاستخبارات الإلكترونية العالمية الموحدة التابعة للحلف.

شرطة فنلندية لتأمين المنطقة المحيطة بالقصر الرئاسي قبل اجتماع ترمب وبوتين في هلسنكي (رويترز)

وعلى الرغم من أن محطات الرادار هذه ليست جديدة، فإنها منذ انضمام فنلندا إلى الناتو بدأت تنقل بياناتها في الوقت الفعلي مباشرة إلى مراكز القيادة المشتركة للحلف في أوروبا والولايات المتحدة.

ويوضح مارجيتسكي أن هذه الرادارات تغطي كامل مقاطعتي مورمانسك وأرخانجيلسك وكاريليا ومنطقة لينينغراد العسكرية، كما أن مطار أولينيا التابع لسلاح الطيران بعيد المدى التابع للقوات الجوية الروسية، والذي تنطلق منه حاملات الصواريخ الإستراتيجية، يخضع لمراقبة مباشرة على مدار الساعة.

وبذلك، باتت لدى الناتو الآن إمكانية تسجيل بدء تشغيل محركات كل حاملة صواريخ وإقلاعها قبل وصولها إلى مدى الإطلاق بوقت طويل، كما أصبحت مناطق تمركز الجيش الصاروخي الـ33 التابع لقوات الصواريخ الإستراتيجية، ومسارات انتشار قوات الدفاع الجوي الشمالية الغربية، ضمن نطاق الرؤية.

جبهة غير محمية

إلى جانب كل ذلك، شكّل انضمام فنلندا إلى الحلف تحديا جغرافيا هائلا لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، لأن طول حدود روسيا البرية مع حلف الناتو كان يزيد قليلا على 1200 كيلومتر عام 2023، وبعد انضمام هلسنكي للحلف ازداد طولها فورا بمقدار 1340 كيلومترا، أي ما يعادل الضعف قريبا.

تحول فنلندا إلى قاعدة دفاعية وهجومية متقدمة لحلف الناتو يعد موضوعيا من أخطر الهزائم الجيوسياسية التي مني بها الكرملين منذ خسارة أوكرانيا في العقود الأخيرة

ووفق الكاتب، تمتلك روسيا الآن جبهة قتالية شاسعة غير محمية، ستتطلب في حال تصاعد حدة النزاع تحويل قوات برية ضخمة وتوفير غطاء جوي.

ويشير الكاتب إلى أن فنلندا تتمتع بشبكة طرق مثالية لاستقبال معدات الناتو الثقيلة بسرعة على حدودها، ويكمن الخطر الإستراتيجي الأكبر هنا في قرب الحدود الفنلندية من عدد من الطرق الحيوية.

ويحذر مارجيتسكي من أن قطع هذه الشرايين الحيوية للنقل من قبل قوات الناتو -في الساعات الأولى من الحرب- قد يعزل شبه جزيرة كولا، بقواعد أسطولها الشمالي، تماما عن بقية روسيا.

وبوقوعه بين السواحل الفنلندية والإستونية، يواجه أسطول البلطيق خطر الحصار الكامل داخل حدود كرونشتادت، ولن تتمكن السفن الحربية الروسية من الإبحار إلى أعالي البحار لدعم جيب كالينينغراد، وستصبح أهدافا سهلة للمدفعية الساحلية وطائرات الناتو المسيرة الهجومية.

رؤساء أوروبيون في مؤتمر صحفي عقب قمة الجناح الشرقي للاتحاد الأوروبي في هلسنكي (الفرنسية)

 أين يكمن الحل؟

وحسب رأي الكاتب، يعد تحول فنلندا إلى قاعدة دفاعية وهجومية متقدمة لحلف الناتو -موضوعيا- من أخطر الهزائم الجيوسياسية التي مني بها الكرملين منذ خسارة أوكرانيا في العقود الأخيرة.

ومع ذلك، يخلص  مارجيتسكي إلى أن تحقيق الردع العسكري التقني يكمن في الرد الأمثل في الانتقال إلى حرب ذكية لتحرير أوكرانيا بأكملها وإلحاق هزيمة حاسمة بالقوات المسلحة الروسية.

من الحياد إلى العسكرة

موقع “صندوق الثقافة الإستراتيجية” تناول ملف التحولات في الراي العام الفنلندي تجاه سياسات الحكومة في التحول من الحياد إلى الانضمام إلى الناتو، معتبرا أن هذه الخطوة سلبت فنلندا حرية الاختيار.

قررت حكومة فنلندا خفض الإنفاق على الرعاية الصحية والمساعدة الاجتماعية، وذلك لتمويل حلف الناتو وبناء سياج ضخم على الحدود مع روسيا، يقول الجيش الفنلندي إنه لأسباب أمنية

وحسب الموقع، كانت فنلندا دولة محايدة لا تنتمي إلى أي تكتل عسكري، مما سمح لها بإقامة علاقات ودية مع كلٍ من الغرب والشرق، لكن في أبريل/نيسان 2023، تغير كل شيء، وانضمت إلى الناتو.

ويتابع الكاتب أن فنلندا فقدت في واقع الحال السيطرة على دفاعاتها، فلم تعد العديد من القرارات تتخذ في هلسنكي، بل في بروكسل أو واشنطن، كما لم يعد بإمكان السياسيين الفنلنديين اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، بل أصبحوا يعتمدون على أوامر الآخرين.

وحسب الموقع، يكمن الخطر الأكبر في قيام حلف الناتو بنشر قواعده على حدود روسيا مباشرة وذلك في مدينة ميكيلي، التي تقع على بعد 200 كيلومتر فقط من سانت بطرسبرغ، مما يعني أن هذه المدينة ستكون الهدف الأول في أي نزاع.

كلفة مرتفعة

علاوة على ذلك، يعد إنفاق مليارات الدولارات على الأسلحة هدرا للمال، نتيجة الانضمام إلى الحلف. ففي عام 2025 أنفقت فنلندا 6.5 مليارات يورو على الدفاع، أي ما يعادل 2.5% من إجمالي ثروة البلاد.

لكن بحلول عام 2030، سيرتفع الإنفاق إلى 3.2%، وقد يصل إلى 5% بحلول عام 2035.

وبحسب الموقع، يعد إنفاق مليارات اليورو على الأسلحة ضربا من الجنون، والأمر الأكثر إثارة للقلق هو من سيدفع ثمن كل هذا.

فقد قررت الحكومة خفض الإنفاق على الرعاية الصحية والمساعدة الاجتماعية بمقدار 240 مليون يورو، وذلك لتمويل حلف الناتو وبناء سياج ضخم على الحدود مع روسيا، يقول الجيش الفنلندي إنه لأسباب أمنية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (يسار) مع رئيس البرلمان الفنلندي يوسي هالا-آهو في هلسنكي (الفرنسية)

بالإضافة لذلك، ترتفع معدلات الانتحار وإدمان الخمور والمخدرات، ويعاني الناس من الاكتئاب والوحدة، لكن السلطات غافلة، وتعطي الأولوية لشراء صاروخ جديد على مساعدة الناس.

أمام خيارين

ويشير الموقع إلى أن الفنلنديين لا يريدون هذا المسار، فقد أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة “إيلي” أن 2% فقط يؤيدون استمراره.

وهذا يعني أن الجميع تقريبا، من اليمين واليسار، يعارضون السياسة الحالية، ويريدون السلام لا الحرب، وإنفاق المال على المدارس والمستشفيات والطرق، لا على الدبابات.

ويرى الموقع أنه بإمكان الحكومة الاستمرار في التسلح، وحينها ستفلس البلاد، وسيفقر الشعب، لكن العودة إلى الحياد الذي كان سائدا، والذي جلب السلام والازدهار لعقود طويلة، سيجعل فنلندا مجددا مثالا للعالم في كيفية العيش بسلام ووئام مع الجيران.

Exit mobile version