Site icon روكب اليوم

جولة للجزيرة نت..الخرطوم تلملم جراحها ببطء و عودة حذرة لسكانها |

56fgh 1779026469

روكب اليوم

الخرطوم- الليل يستر العيوب لكن ما يحدث في العاصمة السودانية هو العكس، حيث تزيل أشعة الشمس وحشة أحياء ومنازل حولتها الحرب إلى أشباح. وإلى حد كبير غاب التلوث البصري ومخلفات الحرب والأنقاض عن الطرق في الخرطوم التي تشهد حركة سير متزايدة نهاراً. وتبدو العاصمة كأنها تتعافى ببطء.

لكن مع مغيب الشمس تتحول البنايات داخل الأحياء إلى أشباح مخيفة ويسود الظلام وتختفي حركة المواطنين. فرغم تزايد معدلات عودة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم، التي دفعتهم الحرب لمغادرتها قبل أكثر من 3 سنوات، فإن مشهد العودة إلى مدينة الخرطوم يبدو أكثر تعقيداً وتشابكاً مما يعكسه الخطاب الرسمي عن التعافي وتطبيع الحياة.

وحسب رصد قامت به الجزيرة نت خلال جولة في الخرطوم، يتضح أن هناك تباينًا في مواقع عودة المواطنين، حيث لا تزال محلية الخرطوم -وخاصة شرقها من الأحياء الفاخرة- تئن من ألم فراق أصحابها، يشمل ذلك أحياء غاردن سيتي في شمال المدينة مرورا بالمنشية والرياض والطائف والمعمورة وأركويت والمجاهدين والراقي جنوبا.

مركز محطم

وفي وسط الخرطوم ينعق البوم في السوق العربي المدمر ومركز العاصمة، الذي كان يضم أغلبية مقار الوزارات والمؤسسات والمصارف والسوق المركزي للذهب، ولا حياة سوى في شارع الحرية المتخصص في الأجهزة والمعدات الكهربائية الذي يعج بالنشاط والمتسوقين.

وتنتظر أحياء الخرطوم 1 و2 و3 والعمارات وحتى أحياء الصحافة ويثرب عودة المواطنين لمنازلهم، فيما تبقى العودة محدودة.

وتكاد تسمع نحيب تلك الأحياء عندما يرخي الليل سدوله في انعدام الكهرباء، بينما في النهار تلفت الأنظار تزايد حركة المرور في شارع الستين، أكبر الطرق بشرق العاصمة، ويربط شمال المدينة بجنوبها.

مطاعم ومتاجر تستعيد حيويتها تدريجياً (الجزيرة)

وعلى امتداد الطريق فتحت مقار المصارف والصيدليات والمتاجر والمطاعم ومنها سورية ومحطات الخدمة، بينما الأحياء خلفه بلا حياة نهارا ويلفها الظلام ليلا.

عودة حذرة

ويبدو أن الأسر في هذه الأحياء تتعامل مع العودة بحذر شديد أو تؤجلها إلى حين تحسن الخدمات واقتراب الحياة من العودة لوضعها الطبيعي، خاصة أن أصحاب تلك المنازل لا يعيشون وضعا اقتصاديا ضاغطا، وبعضهم رتب أوضاعه في الدول التي يعيشون فيها.

ويعزو من عادوا عدم رجوع بعض جيرانهم، الذين لا يزالون خارج البلاد، لإيجاد بعضهم عملاً أو نشاطاً يدر عليهم دخلاً حقق لهم استقراراً نسبياً، وأنهم منذ أكثر من عامين يخشون ألا يجدوا وضعاً مماثلاً إذا عادوا للوطن، في ظل وضع اقتصادي هش وتحديات معيشية قاسية.

كما أن قرار العودة تحكمه عوامل عدة مرتبطة بمصادر دخل المواطن وتعليم أبنائه والنظام الصحي والثقة في استدامة الأمن والاستقرار.

بدأت الحياة تدب في بعض أحياء الخرطوم رغم تدهور الوضع المعيشي والاقتصادي (الجزيرة)

وفي المقابل انتعشت محلية كرري في شمال أم درمان التي لم تنتشر فيها قوات الدعم السريع طوال فترة الحرب، واستفادت من ذلك اقتصادياً وديموغرافياً حيث ورثت موقع الخرطوم، وانتقلت إليها الأنشطة التجارية والعقارية والمؤسسات الحكومية وباتت أفضل مما كانت عليه قبل الحرب.

كما بدأت الحياة تدب في أحياء محليتي أم درمان وأم بدة، وأيضاً شهدت محلية شرق النيل في شرق الولاية عودة متزايدة للمواطنين، ومثلها أحياء شمال الخرطوم بحري الذي يحاول وسطه الخروج بصعوبة من تحت ركام الحرب.

ويرى خبراء اجتماع أن تردد بعض قطاعات المواطنين في العودة لا يرتبط بالجانب الاقتصادي ومستوى الخدمات، بل يمتد إلى آثار نفسية عميقة خلفتها الحرب، إذ تعرضت بعض الأسر لصدمات مباشرة سواء عبر فقدان أحد أفرادها، أو انهيار منازلها ونهب ممتلكاتها، أو العيش في مناطق نزاع فترات طويلة، مما خلق حالة من الخوف مرتبطة بالمكان.

كما دفعت الأوضاع المضطربة التي عاشتها العاصمة خلال فترة الحرب بعض المواطنين إلى بيع منازلهم.

يوضح صاحب وكالة عقارات في الخرطوم للجزيرة نت وجود عرض لبيع المنازل، وأن شرق العاصمة يعد الأكثر جذباً للمشترين.

وغالبية المشترين تجار ورجال أعمال يستغلون انخفاض أسعار العقار بنسب بين 30% و40% حسب موقع المبنى وحالته أملاً في عودة الأسعار لوضعها السابق للحرب خلال عام أو أقل، حسب المتحدث ذاته.

ويضيف أن المشترين يفضلون المباني الجاهزة بسبب ارتفاع كلفة البناء، مشيراً لوجود سعرين لإيجار الشقق والمنازل حسب توفر مولد كهرباء بالمبنى، بسبب عدم استقرار التيار الكهربائي.

رحلة متاعب

لم تعد رحلة التسوق اليومية للأسر السودانية مهمة اعتيادية لتوفير احتياجاتهم، بل تحولت خلال الأسابيع الأخيرة لمعركة شاقة مع أسعار تتغير بوتيرة متسارعة في ظل أزمة اقتصادية خانقة مع تطاول أمد الحرب.

في أسواق ولاية الخرطوم تتكرر مشاهد المواطنين وهم ينتقلون بين المتاجر والبائعين بحثاً عن فوارق بسيطة في الأسعار، بينما يكتفي كثيرون بشراء نصف احتياجاتهم أو الاستغناء عن سلع أساسية كانت جزءاً ثابتاً من حياتهم اليومية، وحتى توفير الخبز بات عبئاً على محدودي الدخل ومن فقدوا مصادر رزقهم بعد ارتفاع سعره خمسة أضعاف عما كان عليه قبل الحرب.

وباتت عبارة “كل يوم زيادة جديدة” الأكثر تداولاً بين المتسوقين مع موجة غلاء دفعت آلاف الأسر إلى تغيير نمط حياتها وتقليص استهلاك الغذاء والاعتماد على الديون والتحويلات من المغتربين لتأمين الحد الأدنى للمعيشة.

وجولة في المتاجر والبقالات تكشف أن غالبية السلع مستوردة من مصر براً والسعودية بحراً، في حين باشرت بعض الصناعات السودانية -خاصة في الألبان ومنتجاتها والمياه المعدنية واللحوم المصنعة- الإنتاج.

وينطبق ذلك على الأدوية، حيث طلبت “أسبرين” من صيدلية بشارع الستين، فرد الصيدلي: لدينا خيارات من كوريا وقبرص وباكستان وبنغلاديش، كما بدأ مصنع للأدوية يشتهر بجودته في طرح منتجاته.

وما يضاعف أعباء المواطن ارتفاع أسعار المواصلات بين مدن الخرطوم، وتبدو غالبية الحافلات متهالكة وقد وضعت الحرب بصمتها على جنباتها، وفي كل رحلة تجد بين شخصين إلى أربعة لا يستطيعون توفير قيمة الرحلة أو لديهم جزء منها، فيما يتم معظم السداد عبر التطبيقات المصرفية التي صارت سائدة حتى لغسالي السيارات في الطرقات وبائعات الشاي.

ورغم المصاعب وقسوة الحياة وتدهور الخدمات، تبدو إرادة الحياة ومغالبة التحديات سمة المواطن الذي يحاول استعادة نمط حياته والعودة إلى نشاطه السابق أو شق طريقه نحو تجربة جديدة.

Exit mobile version