روكب اليوم
2026-04-04 16:15:00

النفط لم يعد يتفاعل مع التهديدات، بل مع تعطل فعلي في الإمدادات، وسلاسل التوريد لم تعد تخشى الاضطراب، بل تعيشه بالفعل.
وكل تصريح سياسي، أو تسريب أمني، أو تحرك عسكري في الخليج، بات كفيلاً بتحريك أسعار النفط، وإرباك سلاسل الإمداد، ودفع الاقتصادات نحو سيناريوهات غير مستقرة.
السؤال الآن:
هل يستوعب الاقتصاد العالمي صدمة الحرب.. أم يتجه إلى مرحلة أكثر خطورة؟
وانخفضت تدفقات النفط الخام والمنتجات النفطية عبر مضيق هرمز من نحو 20 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى تدفق ضئيل حالياً، ومع توقف حركة الملاحة بشكل كبير، ومحدودية القدرة على تجاوز هذا الممر المائي الحيوي، وامتلاء خزانات التخزين، خفضت دول الخليج إنتاجها النفطي الإجمالي بأكثر من 11 مليون برميل يومياً، وفي حال عدم استئناف حركة الشحن سريعاً، فمن المتوقع أن تتفاقم خسائر الإمدادات، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.
قبل الحرب، الأسواق كانت تضيف «علاوة مخاطر» لكن بعد 28 فبراير، بدأت الأسواق تسعّر تعطّلًا حقيقياً بالفعل في الإمدادات.
ووفق محللين في مؤسسات طاقة دولية، فإن القفزات السعرية الحالية تعكس: اضطراباً فعلياً في الشحن، وارتفاع تكاليف التأمين، وإعادة توجيه ناقلات النفط.
والواقع الجديد أن السوق لم يعد يسأل «هل ستحدث الحرب؟».. بل: «كم ستستمر؟»
ما كان يُعد تهديداً نظرياً أصبح الآن خطراً تشغيلياً يومياً، فهناك تطورات فعلية على أرض الواقع أبرزها: تباطؤ في حركة الناقلات، وارتفاع تكاليف التأمين البحري بشكل كبير، وتحويل مسارات الشحن.
ويقول محللون في قطاع الشحن، وفق تقارير متخصصة من Lloyd’s List إن المخاطر في الخليج تحولت من سياسية إلى «تشغيلية مباشرة».. وهذا التحول أخطر لأنه يؤثر فوراً على الأسعار، ويخلق اختناقات لوجستية.
لماذا؟
الإجابة ببساطة أنه لا تزال بعض الإمدادات مستمرة، ولم يتم إغلاق المضيق بالكامل حتى الآن، وهناك تدخلات لتهدئة الأسواق.
ووفقاً لتقديرات غولدمان ساكس، فإن السيناريو الأسوأ لم يُسعّر بالكامل بعد، وتتوقع أن أي تصعيد إضافي يساوي قفزة جديدة في الأسعار، وأي تهدئة قد تؤدي إلى تصحيح سريع.
الحرب الحالية لا تضرب مجرد قطاعاً واحداً فقط، بل تضرب في عدة اتجاهات قد تترك الاقتصاد العالمي في حالة ركود طويل.
من ناحية الطاقة تشهد ارتفاع أسعار النفط والغاز، ومن ناحية أخرى التضخم يشهد زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ومن ناحية ثالثة تشهد التجارة اضطراباً في سلاسل الإمداد، ومن ناحية رابعة فإن الأسواق المالية تعيش تقلبات حادة أبرزها انتقال الأموال إلى الملاذات الآمنة.
ووفقاً للمنتدى الاقتصادي الدولي، فإن الصدمات الجيوسياسية الحالية قد تؤدي إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد عالمياً.
مع تحول الأزمة إلى حرب فعلية، أصبح الرابحون أكثر وضوحاً، أولهم منتجو النفط خارج الخليج نتيجة زيادة الطلب والأسعار الأعلى مع التوسع في الصادرات.
وتأتي شركات الطاقة الكبرى بين أبرز الرابحين، بأرباح قياسية واستثمارات متزايدة، ثم الصناعات العسكرية ثالث الرابحين بسبب الطلب المتصاعد، والعقود الحكومية الضخمة مع تصاعد أعمال الحرب.
وكالعادة والمتوقع، يأتي الذهب بين الرابحين -وإن كان ليس بالمستوى المعتاد نفسه في الحروب، فتظل حرب إيران تتمتع بخاصية تقلب شديد في الذهب حتى الآن ورغم ذلك يبقى الذهب ملاذاً آمناً للخائفين من تأثيرات الحرب على الأسواق- إذ يتحول إلى ملاذ رئيسي للمستثمرين.
الآن العامل الأكثر تأثيراً في الأسواق ليس حجم التصعيد، بل مدة استمراره، لأن الحرب القصيرة تساوي صدمة مؤقتة، وقد تستعيد الأسواق عافيتها سريعاً.
أما الحرب الطويلة –حرب إيران دخلت أسبوعها الخامس وقد تمتد- فتساوي تضخماً مزمناً وتباطؤاً اقتصادياً، واحتمالية ركود عالمي.
ويشير محللون في صندوق النقد الدولي إلى أن الصدمات الممتدة في الطاقة كانت دائماً سبباً رئيسياً في موجات الركود.
لم يعد الاقتصاد العالمي يراقب الأزمة من بعيد، بل أصبح جزءاً منها، ومع استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران لم تعد الأسواق تبحث عن إشارات الخطر، بل تحاول التكيف مع واقع جديد عنوانه «عدم اليقين المستمر».
وفي هذا الواقع، لا تُقاس الخسائر فقط بارتفاع الأسعار، بل بمدى قدرة العالم على تحمّل حرب لا تبدو نهايتها قريبة.
