
روكب اليوم
Published On 17/5/2026
|آخر تحديث: 13:14 (توقيت مكة)
في دراسته “من حرب الإسناد إلى حرب الاستنزاف: التحول الإستراتيجي في جنوب لبنان”، المنشورة في مركز الجزيرة للدراسات، يحاول العميد المتقاعد والباحث العسكري إلياس حنّا قراءة ما جرى في الجنوب اللبناني بوصفه أكثر من مجرد مواجهة حدودية بين إسرائيل وحزب الله.
فالحرب، كما يراها، أعادت تشكيل طبيعة الصراع نفسه، وأدخلت المنطقة في مرحلة تتغير فيها العقائد العسكرية، وتختلط فيها الحسابات المحلية بالإقليمية، بينما يتحول الجنوب إلى مساحة اختبار لإستراتيجيات جديدة لدى جميع الأطراف.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listفإسرائيل لم تعد تقاتل وفق قواعد الردع التقليدية التي حكمت السنوات السابقة، وحزب الله لم يعد ذاك التنظيم الذي خاض حرب 2006 بالصيغة نفسها، أما الدولة اللبنانية فتبدو عالقة بين عجزها عن فرض سيادتها وخوفها من الانهيار الكامل إذا انفجرت المواجهة داخليًّا أو إقليميًّا.
من “طوفان الأقصى” إلى انكشاف الحزب
يرى حنّا أن “طوفان الأقصى” مثّل نقطة تحول كبرى بالنسبة إلى حزب الله.
فالحزب الذي راكم منذ 2006 صورة “القوة الهجينة” القادرة على الجمع بين حرب العصابات وخصائص الجيوش التقليدية، وجد نفسه أمام حرب كشفت حدود هذا النموذج.
ففي حرب الإسناد لغزة، قاتل الحزب على جبهة واضحة ومفتوحة، معتمدًا على منظومات قيادة وسيطرة وإمداد تشبه إلى حد بعيد ما تحتاجه الجيوش النظامية، لكن من دون امتلاك التفوق التكنولوجي الإسرائيلي. وهذا ما جعله أكثر عرضة للاختراقات الأمنية والضربات الدقيقة والاغتيالات التي استهدفت قياداته وبنيته اللوجستية.
ويشير الباحث إلى أن الحزب كان يعتقد أن استنزاف إسرائيل على الجبهة الشمالية سيمنعها من التفرغ الكامل لغزة، لكن النتيجة جاءت معاكسة جزئيًّا؛ إذ منح تثبيت القوات الإسرائيلية على الحدود الشمالية الجيش الإسرائيلي الوقت الكافي للتحول لاحقًا من الدفاع إلى الهجوم البري داخل الأراضي اللبنانية.
إسرائيل تضرب “المنظومة” لا الأفراد
من أكثر النقاط التي يركز عليها إلياس حنّا أن إسرائيل لم تتعامل مع حزب الله بوصفه مجرد مجموعات مقاتلة، بل باعتباره “منظومة” كاملة لها مراكز ثقل يمكن تعطيلها تدريجيًّا.
ولهذا جاءت الاغتيالات والاستهدافات الممنهجة لضرب قطاعات الحزب الأساسية، إلى جانب عمليات الخداع والتفوق الاستخباراتي التي ظهرت بوضوح في اختراقات مثل عملية “البيجر”. فإسرائيل، بحسب الدراسة، حاولت خلق “لاتماثل معكوس”، أي أن الطرف الأقوى هو من فرض شروط المعركة غير المتكافئة عبر التكنولوجيا والاستخبارات وسلاح الجو، لا الطرف الأضعف كما جرت العادة في حروب العصابات.
وهنا تظهر المفارقة التي يتوقف عندها الباحث: النموذج الذي سمح لحزب الله سابقًا بمقاومة إسرائيل، تحول جزئيًّا إلى نقطة ضعف عندما اقترب أكثر من شكل “الجيش التقليدي” دون أن يمتلك أدوات الحماية التكنولوجية المقابلة.
“البجعة السوداء”.. حين تغيّر الحرب قواعدها
يستخدم حنّا مفهوم “البجعة السوداء” لوصف الأحداث المفاجئة التي تقلب الحسابات الإستراتيجية بصورة يصعب توقعها. ويرى أن الحزب واجه “بجعتين سوداوين”: الأولى كانت “طوفان الأقصى”، والثانية الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران.
فالحرب على إيران دفعت طهران إلى إعادة صياغة إستراتيجيتها العسكرية وفق نموذج “الفسيفساء”، القائم على اللامركزية وتحول الأطراف إلى مراكز قرار مستقلة إذا ضُرب المركز الرئيسي. وفي هذا السياق عاد حزب الله إلى الانخراط المباشر في الحرب بعد مقتل المرشد الإيراني، علي خامنئي، مطلقًا رشقات صاروخية باتجاه الداخل الإسرائيلي، ما أدخل الجنوب اللبناني في مرحلة تصعيد مختلفة.
لكن اللافت، وفق الدراسة، أن الحزب لم يعد يتحدث عن معركة فاصلة أو حرب تحرير واسعة، بل عن استنزاف طويل يرفع الكلفة البشرية على إسرائيل ويمنعها من تحقيق استقرار كامل على الحدود.
إسرائيل تغيّر الجغرافيا بالنار
ترى الدراسة أن إسرائيل خرجت من الحرب بعقيدة مختلفة تقوم على “الردع العقابي” وإنشاء المناطق العازلة. فلم يعد الهدف الإسرائيلي مقتصرًا على منع الهجمات، بل إعادة تشكيل البيئة الجغرافية والديمغرافية التي يتحرك فيها حزب الله.
ولهذا أنشأت إسرائيل منطقة عازلة بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات على طول الخط الأزرق، ووسعت نطاق التدمير والتهجير في القرى الحدودية، مع استخدام القصف الجوي والضغط السكاني بصورة متوازية. فالهدف، كما يشرح الباحث، ليس فقط إضعاف الحزب عسكريًّا، بل تحويل الجنوب إلى مساحة أقل قدرة على احتضانه بشريًّا وعسكريًّا.
ويشير حنّا إلى أن إسرائيل باتت ترى أن الحسم لا يتحقق فقط عبر المواجهة العسكرية المباشرة، بل عبر إعادة صياغة الجغرافيا نفسها، بحيث تصبح البيئة الحدودية أكثر هشاشة وأقل قابلية لإعادة إنتاج التهديد.
الدولة اللبنانية.. الخوف من الحرب والخوف من السلم
في مقابل التصعيد الإسرائيلي وتحول حزب الله نحو حرب الاستنزاف، تبدو الدولة اللبنانية، بحسب الدراسة، في موقع بالغ الهشاشة. فهي تريد وقف الحرب والتفاوض، لكنها لا تمتلك القدرة الفعلية على فرض نزع سلاح الحزب أو ضبط القرار العسكري بالكامل.
وفي الوقت نفسه تخشى الدولة أن يؤدي أي صدام داخلي مع الحزب إلى انفجار شامل يهدد البنية اللبنانية الهشة أصلًا. ولهذا تتمسك بالشرعية الدولية والدبلوماسية، مع محاولة تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، سواء مع إسرائيل أو داخل لبنان نفسه.
ويلفت الباحث إلى أن حساسية المؤسسة العسكرية اللبنانية تجعل استخدامها في مواجهة داخلية أمرًا بالغ الخطورة، خصوصًا في ظل الانقسامات الطائفية والسياسية الحادة، وهو ما يفسر استمرار الدولة في الاحتواء بدل الحسم.
عودة حرب العصابات
من أهم ما تصل إليه الدراسة أن حزب الله عاد تدريجيًّا إلى النموذج الذي انطلق منه في الثمانينيات: حرب العصابات. فالحرب المفتوحة باتت مكلفة بشريًّا وسياسيًّا بصورة هائلة، كما أن التحول إلى “قوة هجينة” جعل الحزب أكثر انكشافًا أمام إسرائيل.
ولهذا عاد إلى الاعتماد على مجموعات صغيرة الحركة، وصواريخ موجهة مضادة للدروع، ومسيرات منخفضة الكلفة، مع تركيز متزايد على استنزاف القوات الإسرائيلية بدل البحث عن مواجهة حاسمة. وفي هذا السياق يبرز استخدام مسيرات “FPV” المعتمدة على الألياف الضوئية، التي يصعب التشويش عليها، وأجبرت الجيش الإسرائيلي على تعديل بعض تكتيكاته الميدانية.
لكن حنّا يرى أن هذه الأدوات، رغم فاعليتها التكتيكية، لم تتحول بعد إلى عنصر ذي تأثير إستراتيجي قادر وحده على تغيير القرار السياسي الإسرائيلي، ما لم يتراكم أثرها بصورة كبيرة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
في الخلاصة، يعيد إلياس حنّا وضع الحرب داخل السياق اللبناني الأوسع: لبنان، تاريخيًّا، كان دائمًا يتأثر بالصراعات الإقليمية والدولية أكثر مما يؤثر فيها. والتسويات الكبرى فيه جاءت غالبًا من الخارج، من تفاهمات 1958 إلى اتفاق الطائف ثم اتفاق الدوحة.
ولهذا يظل السؤال مفتوحًا: إذا عادت الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فأين سيقف لبنان؟ وهل يتحول الجنوب مجددًا إلى ساحة استنزاف إقليمية طويلة، أم إلى بوابة لتسوية جديدة تُفرض على الجميع من الخارج؟
الدراسة كاملة

