
روكب اليوم
يمكن للغابات أن تنمو مجددا بعد قطع الأشجار، لكن عودة الحياة البرية إليها قد تستغرق وقتا أطول بكثير. فالطيور، خصوصا الأنواع التي تعتمد على الغابات القديمة، قد تفقد موائلها عندما تُقطع مساحات واسعة من الغابات بصورة متكررة.
ويطرح ذلك سؤالا مباشرا أمام الجهات المسؤولة عن إدارة الغابات ومالكي الأراضي والمشرعين: إلى أي حد يمكن أن يستمر القطع الكامل للأشجار قبل أن تبدأ أعداد طيور الغابات في التراجع؟
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listوللإجابة عن هذا السؤال، حددت دراسة قادتها جامعة يوفاسكيولا في فنلندا، ونُشرت مؤخرا في دورية “جورنال أوف أبليد إيكولوجي” (Journal of Applied Ecology) عتبة بيئية لمقدار القطع الكامل للأشجار الذي يمكن أن تتحمله الغابات من الناحية البيئية دون أن تتأثر طيورها سلبا.
حين تتراكم آثار القطع الكامل للأشجار
تعد عمليات القطع الكامل للأشجار من أكثر أساليب إدارة الغابات شيوعا حول العالم، ولا سيما في شمال أوروبا، حيث أُجريت الدراسة، وكذلك في مناطق أخرى كثيرة حول العالم، مثل أستراليا وكندا، لكن هذه الممارسات السائدة تمثل في الوقت نفسه سببا مهما لتدهور موائل أنواع الغابات وتراجع التنوع الحيوي.
ويوضح عالم بيئة المناظر الطبيعية وزميل أبحاث مؤسسة كوني في قسم العلوم البيولوجية والبيئية بجامعة يوفاسكيولا الفنلندية ريمي دوفلو، أن القطع الكامل للأشجار محليا يعني حصاد جميع الأشجار من مساحة محددة في وقت واحد، وهو ما يحدث تأثيرات قوية في المناخ المحلي، إذ تصبح الظروف أكثر جفافا ودفئا، كما تتغير طبيعة الغطاء النباتي الذي ينمو بعد ذلك، فيصبح أصغر سنا وأقل تنوعا، وقد يتكون من أنواع مختلفة من الأشجار.
ويضيف الباحث الأول في الدراسة، خلال حديثه للجزيرة نت، أن المشكلة تزداد سوءا عندما تتراكم مساحات القطع الكامل للأشجار في المشهد الغابي بمرور الوقت، فهذا يقلل مساحة الغابات الناضجة ويجزئها إلى مساحات صغرى.
ويشير إلى أن تكرار القطع الكامل في مساحات عديدة يشكل ضغطا على التنوع الحيوي لأنه يؤدي إلى ندرة الغابات القديمة والأشجار المعمرة، ويقلل توافر الأشجار الميتة، ويغير تركيب أنواع الأشجار، ما يترك آلاف الأنواع التي تعيش في الغابات القديمة أمام موائل مجزأة وأقل ملاءمة.
ورغم أن تأثير عمليات القطع الفردية أصبح مفهوما إلى حد كبير، فإن المعلومات البحثية المتاحة حتى الآن بشأن تأثيراتها طويلة الأمد على المشهد الغابي بأكمله، والتي تتراكم على مدى عقود، لا تزال أقل وضوحا.
لذلك، أراد ريمي وزملاؤه قياس هذه التأثيرات على مستوى المناظر الطبيعية. وبدلا من التركيز على تأثير منطقة واحدة قُطعت أشجارها حديثا، بحث الفريق في كيفية تراكم عمليات القطع الكامل عبر المشاهد الغابية على مدى سنوات طويلة.
ويقول أستاذ علم البيئة التطبيقية بجامعة يوفاسكيولا، ميكو مونكونن، المشارك في الدراسة، إن نتائج الدراسة تقدم فهما لتأثيرات تراكم مواقع القطع الكامل في المشاهد الغابية الشمالية عموما، وليس لتأثيرات عمليات القطع الفردية وحدها. ولذلك تساعد نتائجنا على تطوير تخطيط أفضل للغابات على المستوى الإقليمي، لكنها لا تخبرنا بالكثير عن الكيفية الدقيقة التي ينبغي بها تنفيذ كل عملية قطع على حدة.
تباين استجابة الطيور للقطع الكامل
لرصد الآثار طويلة الأمد لتكرار قطع الأشجار، درس الفريق الغابات في جنوب فنلندا، حيث تنتشر إدارة الغابات المكثفة منذ سنوات طويلة. وتغطي الغابات نحو 65% من مساحة المنطقة، ولا تزال معظم الغابات التجارية تُدار من خلال دورات منتظمة للزراعة والقطع.
ويوضح ريمي أن الفريق استخدم بيانات مسوحات الطيور الفنلندية القائمة على مسارات الرصد، خلال الفترة من عام 2006 إلى عام 2020، وربط وفرة أنواع الطيور المرتبطة بالغابات، أي عدد أفرادها، بالمساحة المتراكمة لمواقع القطع الكامل ومتوسط حجمها خلال فترة 10 سنوات.
ولتحديد مواقع القطع الكامل، استخدم الباحثون الخريطة الأوروبية للاضطرابات التي تستند إلى صور الأقمار الصناعية، وتحدد نوع الاضطراب الذي تتعرض له الغابات، سواء كان حيويا أو غير حيوي، إلى جانب سنة حدوثه وشدته.
وصنّف الباحثون الطيور وفقا للموائل التي تفضلها. وشملت المجموعات طيور الأراضي الزراعية وطيور المستنقعات وطيور الغابات والأنواع المهددة، إضافة إلى 26 نوعا تعتمد على الغابات القديمة.
ولم تكن النتائج متشابهة بالنسبة إلى جميع مجموعات الطيور، فقد ارتبطت عمليات القطع الكامل الحديثة بزيادة أعداد طيور المستنقعات وارتفاع عدد بعض أنواع طيور الأراضي الرطبة المهددة.
كما بدا أن بعض الأنواع المرتبطة بالموائل المفتوحة تستفيد من الأراضي التي أزيلت أشجارها، فقد ازدهرت بعض الأنواع الشائعة في الأراضي الزراعية والأراضي الخثية في مناطق القطع الكامل الأكبر، وبدأت أعدادها في الزيادة عندما تجاوز متوسط مساحة المنطقة المقطوعة نحو 1.8 هكتار.
وبحسب ريمي، ترتبط هذه النتائج بالتغيرات في توافر الموائل وجودتها. فبالنسبة إلى بعض الأنواع المرتبطة بالموائل المفتوحة، مثل الأراضي الزراعية والمستنقعات المفتوحة، توفر مواقع القطع الكامل موئلا بديلا.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الآثار الإيجابية، يوضح أن الانتشار الواسع للقطع الكامل للأشجار في فنلندا لم يحافظ على أعداد الأنواع المرتبطة بالموائل المفتوحة، التي واصلت انخفاضها بصورة مستمرة، وهو ما يشير إلى الحاجة إلى إجراءات للحفاظ عليها.
في المقابل، اختلف هذا النمط لدى طيور الغابات الشائعة والطيور المرتبطة بالغابات القديمة، فعندما زادت مساحة الأراضي التي تعرضت للقطع الكامل خلال فترة 20 عاما، انخفضت أنواع الطيور التي تعتمد على الغابات.
ولاحظ الفريق بوضوح هذا النمط الذي توصلت إليه الدراسة، فقد كانت أعداد كل من الأنواع الشائعة من طيور الغابات والأنواع المتخصصة في الغابات القديمة أقل في المناظر الطبيعية التي تراكمت فيها مساحات كبيرة من القطع الكامل للأشجار.
ويعزو ريمي هذا الانخفاض إلى ما يترتب على تراكم مواقع القطع الكامل في المشهد الغابي، موضحا أن ذلك يؤدي إلى خفض مساحة الغابات الناضجة والقديمة وترابطها بدرجة كبيرة “، وأن “هذه التأثيرات تؤدي على المستويين المحلي ومستوى المشهد الغابي إلى الانخفاض الأوسع في أعداد طيور الغابات، ولا سيما الأنواع المرتبطة بموائل الغابات في المراحل المتأخرة من التعاقب البيئي”.
تحديد “حيز تشغيلي آمن” للغابات
لفهم العلاقة بين تراجع أعداد الطيور وتراكم مواقع القطع الكامل، أنشأ الباحثون نماذج إحصائية اختبرت ما إذا كانت وفرة أنواع الغابات تميل إلى الزيادة أو الانخفاض بمرور الوقت، وما إذا كان هذا الاتجاه يمكن تفسيره بالمساحة المتراكمة لمواقع القطع الكامل داخل المشهد الغابي.
ويشرح ريمي أن التحليل أظهر بالفعل أن أنواع الطيور المتخصصة في الغابات القديمة تبدأ في الانخفاض عندما تمثل مساحة القطع الكامل أكثر من 9.6% من مساحة المشهد الغابي.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنها قادت الباحثين إلى تحديد ما يسمى “الحيز التشغيلي الآمن” لاستخدام الغابات وعمليات القطع، أي تحديد العتبات البيئية التي يمكن ضمنها الحفاظ على استقرار تجمعات الكائنات الحية أو إتاحة المجال لها للتعافي من تراجعات سابقة.
ووفقا للنتائج، فإن الحفاظ على استقرار تجمعات أنواع الطيور المرتبطة بالغابات القديمة يتطلب ألا تتجاوز نسبة القطع الكامل للأشجار نحو 10% من مساحة المناظر الطبيعية للغابات خلال فترة تمتد 10 سنوات.
وبحسب الدراسة، يعادل ذلك دورة استغلال للغابات تبلغ 90 عاما على الأقل في المتوسط، أو استبعاد نحو خُمس مساحة الغابات من إدارة القطع الكامل للأشجار، بما يضمن بقاء أجزاء من الغابة خارج هذا النوع من الإدارة، ويوفر موائل مستمرة للأنواع المرتبطة بالغابات القديمة.
وفي حديثه للجزيرة نت، يشير ميكو إلى أن تطبيق هذه التوصية يعني إطالة دورة استغلال الغابات مقارنة بالمعتاد في منطقة الدراسة، إذ تتراوح مدة دورة الاستغلال الحالية المعتادة في جنوب فنلندا بين 60 و80 عاما، ولذلك فإن تأخير عمليات الحصاد سيؤدي على المدى الطويل إلى انخفاض إجمالي كمية الأخشاب المحصودة.
لكنه يوضح أن هذا الانخفاض في الكمية لا يعني بالضرورة خسائر اقتصادية كبيرة، لأن إطالة دورة الاستغلال تعني أن الأشجار التي يجري حصادها ستكون، في المتوسط، أكبر حجما، كما أن سعر المتر المكعب من أخشاب المناشير، أي الأشجار كبيرة القطر، أعلى بكثير من سعر أخشاب اللب أو الطاقة، التي تكون أصغر قطرا.
إلى أي مدى يمكن تعميم النتائج؟
لا تعني نتائج الدراسة أن جميع الغابات في العالم يمكن إدارتها وفق حد موحد، فالحد الذي توصلت إليه الدراسة مستمد من غابات تخضع لإدارة مكثفة في جنوب ووسط فنلندا، ويستند إلى الطريقة التي تغيرت بها أعداد الطيور بمرور الوقت. وقد تحتاج مجموعات أخرى من الكائنات الحية في الغابات إلى حدود أكثر صرامة.
ويؤكد ريمي أنه يمكن تطبيق المنهج التحليلي الذي طوّره مع زملائه في مناطق وأنظمة أخرى حول العالم، شريطة توافر بيانات رصد واسعة النطاق وطويلة الأمد لكل من الكائنات الحية والتغيرات التي تطرأ على المشهد الغابي.
ويتوقع أن تختلف العتبات البيئية بين النظم الغابية المختلفة بالفعل، موضحا أنه “كلما اتجهنا شمالا حيث تنمو الأشجار ببطء أكبر، فمن المرجح أن تكون دورات الاستغلال الآمنة بيئيا أطول”.
ويشير ميكو إلى أن اختيار الطيور في هذه الدراسة يعود، من بين أسباب أخرى، إلى كونها من المجموعات التصنيفية المعروفة جيدا نسبيا، والتي تتوافر لها بيانات رصد، ويمكن اعتبارها مؤشرات جيدة على مستوى المشهد الغابي، لكنه يوضح أن “متطلبات موائلها ليست صارمة بقدر متطلبات العديد من المجموعات الأخرى المرتبطة بالغابات”.
ويضرب مثالا على ذلك بالأنواع التي تعتمد على الأخشاب الميتة، قائلا إن “الأنواع التي تعتمد على الأخشاب الميتة، ومنها العديد من اللافقاريات والفطريات، من المرجح جدا أن تحتاج إما إلى غابات محمية بالكامل أو إلى دورات استغلال طويلة جدا، وذلك لأن موردها الأساسي، وهو الخشب الميت، يحتاج إلى وقت طويل حتى يتشكل”.
ويحذر الباحثون من أن مجموعات أخرى من الكائنات، مثل الأشنات والحزازيات، قد تكون أكثر تطلبا من طيور الغابات من حيث احتياجاتها البيئية، وأكثر حساسية للتغيرات التي تطرأ على الغابات من طيور الغابات.
ويعني ذلك أن الحد الذي توصلت إليه الدراسة لا يمكن اعتباره عتبة عامة لجميع الكائنات الحية، ولذلك، يوصي الباحثون بضرورة استكمال هذه النتائج بدراسات تُجرى في مناطق أخرى وعلى مجموعات مختلفة من الأنواع قبل اعتماد عتبات عامة لإدارة الغابات.
وبحسب ميكو، لا يعني هذا التحفظ التراجع عن النتائج، أو ضرورة إلغاء القطع الكامل للأشجار تماما وإنما يشير إلى أننا سنحتاج إلى إدارة أقل كثافة للغابات، سواء من خلال إطالة دورات الاستغلال أو اعتماد مجموعة أكثر تنوعا من خيارات الإدارة، إذا أردنا وقف فقدان التنوع الحيوي في غاباتنا، ومنح الأنواع التي تعتمد عليها فرصة أفضل للاستمرار والتعافي.

