روكب اليوم
لو كانت إسرائيل دولة ديمقراطية، كنا سنشهد مشاهد مماثلة لتلك التي رأيناها في المجر والبرازيل وصربيا، حين هُزمت حكومة أقل ديمقراطية على يد حركة ليبرالية وأكثر اشتراكية؛ غير أن إسرائيل ليست دولة ديمقراطية بالمعنى الدقيق، ولهذا لم تتكشف فيها مثل هذه المشاهد.
تتمثل القراءة الأكثر صلة بالنتيجة ذاتها إذن، في الإقرار بالطبيعة القائمة على “الفصل العنصري” لإسرائيل، وإن كانت نموذجا فريدا منه، واعتماد حسابات مختلفة لموازنة خيارات المستقبل، وفي مقدمتها على مستوى السياسة المحلية في إسرائيل.
تختلف حسابات الانتخابات الأخيرة إذا سلّمنا بأن هذا نظام فصل عنصري، وينبغي قراءتها على النحو التالي: تفُوق كتلةُ نتنياهو البالغة 53 مقعدا الكتلةَ اليهوديةَ المناهضة له البالغة 48 مقعدا. وتحتاج كلتا الكتلتين إلى 61 عضوا لتشكيل حكومة.
ولا سبيل أمام كتلة نتنياهو لتحقيق ذلك إلا باستمالة منشقين من الكتلة المناوئة إلى كتلته (وقد حدث ذلك مرارا منذ توليه رئاسة الوزراء لأول مرة عام 1996).
أما الكتلة المناهضة لنتنياهو، فلا سبيل أمامها لتحقيق ذلك إلا بتحدي نظام الفصل العنصري الإسرائيلي، عبر تشكيل تحالف مع جميع الأعضاء الفلسطينيين التسعة عشر في الكنيست (عرب 48) أو مع بعضهم. وقد تعهد أبرز قادة الكتلة المناهضة لنتنياهو بعدم الإقدام على ذلك تحت أي ظرف.
تدخل في المعادلة مجموعة أخرى، هي الأحزاب الدينية الأرثوذكسية التي تدعم نتنياهو عادة، غير أن بعضها قد يفكر في التخلي عنه مقابل وعد بإعفاء شبابها من الخدمة العسكرية وتمويل مراكزها التعليمية.
يتعلق الاستنتاج الأول بمستقبل المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، أي عرب 48؛ فقد يشاركون مجددا بهذه الأعداد الهائلة إذا جرت انتخابات أخرى قريبا (إن كان سببها نزع الشرعية عن التصويت)، لكنها ستكون المرة الأخيرة التي يبدي فيها المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل قدرا من الثقة بالنظام السياسي الإسرائيلي عبر التصويت بهذه الأعداد الكبيرة. وإذا تعرضوا مرة أخرى للتجاهل التام من جانب الأحزاب السياسية الأخرى، واستُبْعِدوا من اللعبة السياسية، فلن يكرروا المحاولة أبدا
لكن الوعد الانتخابي الرئيسي لرئيس الكتلة المناهضة لنتنياهو، غادي آيزنكوت، كان إرغام هؤلاء الشبان اليهود “الحريديم” على التجنيد في الجيش. لذا، لا يبدو هذا السيناريو مرجحا كثيرا، لكن لا شيءَ مستحيلا في السياسة.
يبرز خيار ثالث يُعرف في إسرائيل بـ”حكومة الوحدة”، تقوم على نوع من التناوب بين أبرز وجوه الكتلة المناهضة لنتنياهو، غادي آيزنكوت، ونتنياهو، وتكمن المشكلة هنا في أنه، بموجب قانون أُقِرّ قبل بضع سنوات، لا يجوز لنتنياهو أن يشغل منصب وزير ما دام متهما في محاكمة جارية (وقد حرص ائتلافه آنذاك، على نحو مثير للسخرية، على ألا ينطبق ذلك على رئيس الوزراء!).
ومن المُقدّر لهذه المحاكمة أن تستمر وقتا طويلا جدا، ومن ثم فإن التناوب سيحول دون مشاركة نتنياهو في حكومة برئاسة آيزنكوت، ويصعب جدا تصديق أن هذا سيناريو قابل للتحقق.
يعترض سيناريو حكومة الوحدة هذا عائق آخر، يتمثل في أن نتنياهو نقض دون أي تردد، عام 2020، اتفاق تناوب مع بيني غانتس، الذي وقع الاتفاق بسذاجة، معتقدا خطأ أنه سيصبح رئيسا للوزراء بعد عامين؛ وبدلا من ذلك، ذهب نتنياهو إلى انتخابات أخرى وفاز بها فوزا حاسما. وقد انسحب غانتس في اللحظة الأخيرة من هذه الانتخابات، بعدما توقعت استطلاعات الرأي ألا يتجاوز حزب جديد أسسه العتبة اللازمة لدخول الكنيست.
يبقى أخيرا سيناريو مرجح جدا، وهو أن تتجه إسرائيل مرة أخرى إلى الانتخابات في غضون ستة أشهر، بعد أن تعجز كلتا الكتلتين عن تشكيل حكومة، فيبقى نتنياهو وحكومته في السلطة خلال تلك الفترة، وإن بصلاحيات أكثر محدودية، لكنها ليست محدودة إلى حد يمنعه من محاولة ما أخفق فيه بفضل السلوك المسؤول لإيران وحزب الله، أي إشعال الحرب مجددا مع إيران وحزب الله. كما أن ذلك لن يوقف السياسات المتبعة في قطاع غزة والضفة الغربية.
يُعدّ هذا الخيار حتى من دون حرب الخيار المفضل لدى نتنياهو، لأن هزيمته النسبية في هذه الانتخابات ارتبطت إلى حد كبير بالتعبئة غير المسبوقة في صفوف الناخبين الفلسطينيين داخل إسرائيل، وفي صفوف الإسرائيليين الأكثر ليبرالية المقيمين في الخارج، الذين جاؤوا بأعداد هائلة للمشاركة في الانتخابات الحالية. وليس من الواضح إطلاقا أن يتكرر ذلك في الانتخابات المقبلة، ويبدو، على الأقل فيما يخص نتنياهو، أنه مقتنع بقدرته على تحقيق نصر حاسم فيها.
لا تروي هذه الحسابات والسيناريوهات المحتملة سوى جزء من القصة، ولا تكفي لفهم ما تعنيه نتائج الانتخابات فهما كاملا بالنسبة إلى إسرائيل والفلسطينيين والمنطقة. وفيما يلي الاستنتاجات الأهم التي ينبغي استخلاصها من النتائج، حتى قبل أن نعرف أي السيناريوهات الموصوفة أعلاه سيتحقق.
يتعلق الاستنتاج الأول بمستقبل المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، أي عرب 48؛ فقد يشاركون مجددا بهذه الأعداد الهائلة إذا جرت انتخابات أخرى قريبا (إن كان سببها نزع الشرعية عن التصويت)، لكنها ستكون المرة الأخيرة التي يبدي فيها المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل قدرا من الثقة بالنظام السياسي الإسرائيلي عبر التصويت بهذه الأعداد الكبيرة. وإذا تعرضوا مرة أخرى للتجاهل التام من جانب الأحزاب السياسية الأخرى، واستُبْعِدوا من اللعبة السياسية، فلن يكرروا المحاولة أبدا.
سيصعب على قيادة هذا المجتمع، إذا سارت الأمور في هذا الاتجاه مستقبلا، تأجيل قرار إستراتيجي كان ينبغي لها اتخاذه منذ سنوات عديدة: إلى أي ساحة سياسية ينتمي عرب 48، البالغ عددهم مليوني نسمة: الإسرائيلية أم الفلسطينية؟
منح عرب 48 حتى اليوم النظام الإسرائيلي فرصة، على الرغم من عنصريته ونزعاته نحو الفصل العنصري وسياساته الإجرامية تجاه الفلسطينيين الآخرين (وأنا أعمم هنا بطبيعة الحال، إذ توجد مجموعات تقاطع السياسة الإسرائيلية، لكنها لا تمثل الأغلبية، فضلا عن مجموعة أصغر وهامشية من “العرب الطيبين” الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم صهاينة).
يكشف هذا الواقع على المدى البعيد وعلى سوئه، عن تصدعات جوهرية في المشروع الصهيوني قد تفضي إلى زواله. ولا يسعنا إلا أن نأمل أن يقود ذلك أيضا إلى بداية واقع سياسي يعود بالنفع على كل من يعيش في فلسطين التاريخية والمنطقة.
إن جاز لي أن أغامر بتوقع ذلك، وهو مجرد توقع: ستكون الرسالة الصادرة عن الأحزاب الرئيسية في الكتلة المناهضة لنتنياهو أن فلسطينيي إسرائيل ليسوا لاعبين شرعيين في الساحة السياسية الإسرائيلية. وإن كنتُ مخطئا، فستكون هذه لحظة مذهلة وتحولية في تاريخ كل من إسرائيل وفلسطين، لكن الأمل في مثل هذا التطور يبدو ضئيلا جدا.
يمكن استخلاص دروس أخرى من الموقع الذي نقف فيه الآن، مع إدراكنا أن هذه لحظة شديدة التقلب في تاريخ إسرائيل، أولها وأهمها أن أي جهة ستشكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة ستواصل الإبادة الجماعية التدريجية في غزة، والتطهير العرقي المكثف في الضفة الغربية، والسياسات العدوانية تجاه المنطقة.
ولا يمكن وقف هذه السياسات أو كبحها، كما في السابق، إلا برسالة إقليمية ودولية واضحة إلى إسرائيل مفادها أن لهذه السياسات ثمنا.
يتمثل الدرس الثاني في أن المجتمع اليهودي الإسرائيلي لا يزال منقسما بعمق كما كان، إلى حد يستحيل معه الحفاظ على نظام سياسي مستقر واقتصاد مزدهر وإستراتيجية إيجابية تجاه المنطقة والعالم.
يتمثل الدرس الثالث في أن عزلة إسرائيل الدولية ستتزايد نتيجة لهذا المسار، بما في ذلك استمرار ابتعاد الشباب اليهود حول العالم، ومنهم في الولايات المتحدة عن الصهيونية.
قد يؤثر ذلك أخيرا، وهو الأهم من نواحٍ عديدة، في النقاش العالمي حول الصهيونية. فخطوة حزب الخضر في بريطانيا الذي عرّف الصهيونية بأنها عنصرية، وإن كانت استثنائية حاليا وتواجه إدانة واسعة في بريطانيا وأوروبا، ستكتسب وجاهة مع مرور الوقت، إذ سيتضح أن الصهيونية في السياسة الإسرائيلية الراهنة تعني إقصاء عرب 48 من السياسة، بتجاهلهم أولا، وربما مستقبلا بحرمانهم من حق التصويت؛ وهو حق محروم منه أصلا ملايين الفلسطينيين الخاضعين للحكم الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة.
علاوة على ذلك سيربط كثيرون في المجتمع الدولي مصطلح الصهيونية بسياسة إسرائيلية توافقية قائمة على الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والفصل العنصري.
يبعث هذا السيناريو على القلق على المدى القصير، وإذا صح، فإنه يعني أن رسالة الانتخابات الإسرائيلية هي أن سياسات الدولة المستقبلية ستظل تهدّد حياة الفلسطينيين وحياة مواطنيها أنفسهم وسكان جنوب لبنان، وستسهم في مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة.
يكشف هذا الواقع على المدى البعيد وعلى سوئه، عن تصدعات جوهرية في المشروع الصهيوني قد تفضي إلى زواله. ولا يسعنا إلا أن نأمل أن يقود ذلك أيضا إلى بداية واقع سياسي يعود بالنفع على كل من يعيش في فلسطين التاريخية والمنطقة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

