روكب اليوم
2026-10-12 14:52:00

هذا المقال بقلم المحامي والكاتب الإماراتي، الدكتور حبيب الملا، الشريك المدير، لمكتب “حبيب الملا ومشاركوه”. الآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة روكب اليوم.
مع تكرار استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، يثور التساؤل عن مسؤولية إيران وفق القانون الدولي عن هذه الهجمات بسبب دعمها للحوثي، وهل يُمكن للمملكة اتخاذ إجراءات ضدها؟
يجب أولاً الفصل بين عدم مشروعية الهجمات، ومسؤولية إيران وإمكان إسناد الهجمات إليها. فلكل مستوى شروطه وأدلته وآثاره.
الأصل أن المطارات المدنية أعيان محمية ولا تصبح أهدافاً عسكرية بسبب أهميتها الاقتصادية أو لأن تعطيلها يضغط على الدولة. وحتى لو دفع الحوثيون بأنهم يستهدفون إمدادات عسكرية أو منشآت ذات استخدام مزدوج، فإن هذا لا يشرعن الهجوم على المطارات طالما أنها لا تساهم مساهمة فعالة في العمل العسكري. وهذا هو المعيار الوارد في المادة 52 (2) من البروتوكول الإضافي الأول من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي.
وحتى تحذير المدنيين من استخدام المطارات لا يلغي الحماية القانونية لهم، والتهديد نفسه قد يشكل مخالفة إذا كان غرضه نشر الذعر بين السكان وفق القاعدة 2 من القانون الدولي الإنساني العرفي.
-
الأول هو: مخالفة حظر التسليح. فالقرار 2216 لسنة 2015 فرض حظراً يشمل أشخاصاً وجهات محددة ومن يعملون لحسابهم أو بتوجيههم. ثم جاء القرار 2624 لسنة 2022 فأخضع الحوثيين بوصفهم كياناً لتدابير حظر الأسلحة. ويشمل الحظر الأسلحة والمعدات والمساعدة التقنية والتدريب والتمويل المتصل بالأنشطة العسكرية. فإذا ثبت تقديم دعم إيراني، قامت المسؤولية عن هذه المخالفة دون اشتراط إثبات علم إيران بالهدف المدني لكل هجوم.
وتقرير الخبراء الأممي تناول مؤشرات الدعم والخبرات الخارجية وأوجه التشابه بين منظومات الحوثيين ومنظومات إيرانية. كما وثق أسلحة مضبوطة ذات خصائص مشابهة لأسلحة تنتجها إيران.
-
والأساس الثاني هو: الالتزام بعدم تشجيع انتهاكات القانون الدولي الإنساني. فقد قررت محكمة العدل الدولية في حكم نيكاراغوا، وجود التزام بعدم تشجيع الأشخاص والجماعات المنخرطة في النزاع على مخالفة المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف التي تحمي الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في القتال.
هنا تظهر القيمة الإثباتية لتكرار استهداف مطار الرياض. فتكرر استهداف المطارات وإعلان الحوثيين استهدافها يجعل طبيعة هذه العمليات معلنة. وهذا يساعد في إثبات علم الجهات الداعمة بأن دعمها يُستخدم في تلك الهجمات.
أما تحميل إيران مسؤولية الهجوم على مطار الرياض، فيتطلب إثبات أن الحوثيين نفذوه بناءً على تعليماتها، أو تحت توجيهها أو سيطرتها الفعلية على العملية المعنية. فالتسليح والتمويل والتدريب وحتى المشاركة العامة في التخطيط العسكري، لا تكفي وحدها لإسناد كل هجوم إليها. لكن تعذر إثبات هذه الصلة لا يعفي إيران من مسؤوليتها المستقلة عن الدعم المحظور.
كما أن دقة الإصابة تستدعي التحقيق في مصادر التقنية والمعلومات والخبرات، ومَن اختار الهدف وأصدر التعليمات وتحكّم في التنفيذ. وإذا ثبتت مشاركة عناصر الحرس الثوري بصفتها الرسمية، فإن أفعالها تُنسب إلى إيران بوصفها أفعال جهاز من أجهزة الدولة.
-
أولاً، يمكن للمملكة بناء ملف إثبات لكل هجوم، يربط بين السلاح المستخدم ومصدره وطريق نقله والجهات التي موّلته أو قدمت الخبرة لتشغيله. ويشمل ذلك فحص الحطام والأرقام التسلسلية ومنظومات التوجيه، وتوثيق الاتصالات وسجلات الشحن والتمويل، وإثبات طبيعة المنشآت المستهدفة والأضرار الناجمة.
ثانياً، توجيه مطالبة رسمية إلى إيران تحدد المخالفات والأدلة، وتطلب وقف الدعم المحظور، واتخاذ إجراءات لمنع تكراره، وجبر الأضرار التي تثبت صلتها السببية بالسلوك الإيراني. ولا تستلزم هذه المطالبة إثبات أن إيران أمرت بكل هجوم، إذا قامت المسؤولية على مخالفة مستقلة، مثل نقل الأسلحة المحظورة.
ثالثاً، إحالة الملف إلى لجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 2140 وفريق الخبراء، وطلب التحقيق في شبكات الإمداد والوسطاء والجهات الضالعة. ويمكن طلب إدراج الأشخاص والكيانات التي يثبت تورطها في مخالفة حظر التسليح. كما يمكن طرح الملف أمام مجلس الأمن لطلب إجراءات إضافية ملزمة، مع إدراك احتمال استخدام بعض الدول لحق النقض.
رابعاً، اتخاذ مسار قضائي أو تحكيمي للمطالبة بالتعويض، إذا توافر سند للاختصاص. فمحكمة العدل الدولية لا تملك اختصاصاً تلقائياً، بل يلزم وجود أساس قائم على قبول الدول المعنية، كاتفاق خاص أو نص تعاهدي قابل للتطبيق.
ولا تقتصر المطالبة بالتعويض على الأضرار المادية التي تصيب المطار. بل تشمل أيضاً الخسائر الناجمة عن توقف الرحلات أو تحويل مساراتها، والخسائر التشغيلية لشركات الطيران، وكذلك الأرباح الفائتة متى ثبتت بدرجة من اليقين.
كما أن جنسية المصابين لا تحول دون المطالبة بالتعويض عن الوفاة أو الإصابة، بما يشمل نفقات العلاج وفقد الدخل والأضرار المعنوية وفق القواعد المطبقة. ويمكن للدول التي يحمل الضحايا جنسيتها تبنّي مطالباتهم. وهذه المسارات لا يلزم أن تنتظر جميعها إثبات السيطرة الإيرانية على الهجمات، لأن مسؤولية الدعم المحظور يمكن أن تقوم بصورة مستقلة.
الخلاصة أن إيران لا تُعفى من مسؤولية أفعالها لأن الحوثيين نفذوا الهجوم. لكن تحديد ما فعلته بالضبط هو الذي يُحدد ما يحق للمملكة فعله ضدها.

