روكب اليوم
Published On 6/8/2026
رغم توقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 لوقف القتال في إقليم تيغراي، فإن التوترات في إثيوبيا لم تنتهِ بعد، بل عادت إلى الواجهة مع تصاعد الخلافات السياسية وتجدد المواجهات على الأرض.
وقد أسهمت التحركات العسكرية المتزايدة في الآونة الأخيرة في تعثر مسار السلام ووضعه أمام تحديات كبيرة تهدد الاستقرار في المنطقة.
ويتناول هذا التقرير أبرز الأسباب التي أدت إلى عودة التوتر، وتفاصيل المواجهة بين الحكومة الفدرالية وجبهة تحرير تيغراي على المستويين السياسي والعسكري، كما يسلط الضوء على تأثير القضايا الإقليمية والحدودية في تطورات الأزمة.
ما الذي أشعل المواجهات مجددا؟
أدى تصاعد التوترات عدة أشهر بين سلطات إقليم تيغراي والحكومة الفدرالية الإثيوبية إلى إشعال المواجهات مجددا، وسط اتهامات لجبهة تحرير تيغراي بتنفيذ تجنيد قسري وتعبئة المدنيين في الإقليم.
ونظمت الحكومة الفدرالية مظاهرات حاشدة في أديس أبابا للتنديد بهذا التجنيد، بينما وجه حزب الشعب الثوري المعارض اتهامات للحكومة بشن حملة دعائية وتهيئة الرأي العام للاستعداد لحرب جديدة مع الجبهة.
ومن ناحية أخرى، قال تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش إن سلطات تيغراي قامت باختطاف وتجنيد رجال وفتيان بشكل غير قانوني لصالح قواتها العسكرية، في حين تنفي سلطات تيغراي الاتهامات بارتكاب تجاوزات.
متى وأين اندلعت الاشتباكات؟
اندلعت الاشتباكات يوم السبت الماضي، على الحدود الإثيوبية الإريترية، حيث كانت قوات تيغراي تسيطر على مناطق منذ عام 2025 بعد انسحاب القوات الفدرالية، ثم امتدت سيطرتها لتتجاوز 1000 كيلومتر وصولا إلى الحدود السودانية.
وشهدت المواجهات استخدام الأسلحة الثقيلة وشن غارات جوية على منطقة شيرارينا، وسط تبادل للاتهامات بين الجانبين بالمسؤولية عن التدهور الأمني.
ويرى مدير مكتب الجزيرة في أديس أبابا، محمد طه توكل، أن انتقال المعارك إلى الحدود السودانية يمثل عمليا نهاية لاتفاقية بريتوريا الموقعة عام 2022، التي أنهت الحرب بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تيغراي.
وقال توكل إن الحكومة الإثيوبية أبلغت البعثات الدبلوماسية بأن مقاتلي تيغراي انطلقوا من داخل الأراضي السودانية، في إشارة إلى ملف اللاجئين الذين فروا من الإقليم إلى السودان منذ اندلاع الحرب عام 2020، معتبرا أن ذلك يعكس اتساع نطاق الصراع.
كيف تؤثر ملفات السودان وإريتريا في القتال؟
يرى رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية في أديس أبابا نور الدين عبدا أن التوتر الحالي يأتي في سياق محلي وإقليمي، حيث اتهم جبهة تيغراي باستغلال اتفاقية بريتوريا كـ”فترة استراحة” ورفض نزع السلاح ودمج قواتها، إلى جانب إزاحتها الحكام الإقليميين الذين عينتهم الحكومة الفدرالية.
ويشدد عبدا على وجود أطراف إقليمية تستخدم الجبهة “مخلبا” لزعزعة استقرار إثيوبيا والمنطقة، موجها اتهامات صريحة لإريتريا بالتدخل، ومطالبا دول المنطقة بحماية مسارها من النفوذ الخارجي.
في السياق نفسه، يقول الخبير بالشؤون الأفريقية محمد تورشين إن منطقة القرن الأفريقي تمثل ساحة تنافس واستقطاب بين القوى الإقليمية والبينية، حيث تنظر دول عدة بحذر إلى “سعي أديس أبابا للهيمنة”، مما ينعكس على شكل تحالفات وتجاذبات متبادلة.
وارتباطا بملف الحرب في السودان، تثار مخاوف من استغلال الشريط الحدودي المتاخم لإقليم تيغراي كخطوط إمداد بالسلاح والمقاتلين لمصلحة قوات الدعم السريع.
ويقول الباحث السياسي محمد حامد جمعة إن مصلحة الخرطوم تكمن في استقرار جوارها الشرقي لتجنب التهديدات الأمنية وموجات اللجوء، مشيرا إلى أن الموقف السوداني حريص على العلاقات الإيجابية رغم وجود ضغوط خارجية تُفرض على الاتجاهات الإثيوبية، حسب تعبيره.
ما المتوقع في الفترة المقبلة؟
من الممكن أن تتجدد اشتباكات واسعة النطاق، فالوضع يمر بـ”طريق مسدود هيكلي” والنزاع موقوف مؤقتا دون حلول جوهرية، في ظل تقارب تيغراي وإريتريا الذي يقلق أديس أبابا والتعبئة العسكرية المستمرة.
وكانت التسوية السابقة في إثيوبيا قد استمرت ضمن “اضطرابات مُدارة”، حيث تستمر الخلافات السياسية، والضغط الإنساني، والاشتباكات الدورية دون أن تتصاعد إلى حرب كبرى.
وتشير التقييمات والتوقعات حتى نهاية عام 2026 إلى استمرار الأخطار الهيكلية وانعدام الأمن الغذائي الحاد في إثيوبيا، حيث يظل النزاع وانعدام الأمن محركين رئيسيين يتفاعلان مع اضطرابات الأسواق والقيود المفروضة على الوصول الإنساني.

