روكب اليوم
|آخر تحديث: 08:26 (توقيت مكة)
ويقول رعد حبيب الأسدي، رئيس منظمة الجبايش للسياحة البيئية (منظمة أهلية) في العراق للجزيرة نت، بنبرة تبدو يائسة: “ما أشبه الليلة بالبارحة، بح صوتنا من التحذير من سمكة البلطي الغازية، ولم يسمع لنا، وفعلنا نفس الشيء قبل سنوات مع سمكة القرموط الأفريقي ولم يسمع لنا، حتى باتت تمثل اليوم تهديدا يفوق سمكة البلطي بكثير”.
وبدأت قصة العراق مع هذه السمكة الخارقة في عام 2021، عندما ظهرت في المياه العراقية بكميات قليلة، ولم تستجب السلطات البيئية حينها لتحذيرات تم إطلاقها من خطورة تلك السمكة الغازية على الأسماك المحلية، والآن خرجت تلك السمكة الغازية عن السيطرة، حتى باتت تمثل تهديد يصعب السيطرة عليه، كما يؤكد رعد.
وتكشف فيديوهات نشرتها منظمة المناخ الأخضر العراقية “منظمة أهلية” قبل أيام، كيف وضع صيادون محترفون شباكهم في هور الدلمج، أحد أهوار جنوب العراق، لتخرج الشباك وقد امتلأت خلال دقائق معدودة بكميات ضخمة من هذه السمكة، ليكشف تشريحها بواسطة الصيادين، كيف تتغذى بشراهة على الأسماك المحلية، حتى باتت تهدد وجودها.
ووفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو”، يستهلك القرموط الأفريقي يوميا ما بين 3% و10% من وزنه من الغذاء في الظروف المثالية، خاصة في المراحل العمرية الصغيرة، ويفسر الخبراء هذه الأرقام، بأنه إذا كان لدينا قرموط يزن 1 كيلوغرام، فقد يستهلك نحو 30-100 غرام من الغذاء يوميا، وإذا كان غذاؤه عبارة عن أسماك صغيرة يزن الواحد منها 5-10 غرامات، فهذا يعادل نظريا عدة أسماك صغيرة يوميا.
ولا يوجد سمكة بعينها مفضلة للقرموط الأفريقي، إذ يتمتع بمرونة غذائية استثنائية، تجعله يستطيع التحول بسرعة من افتراس نوع من الأسماك إلى نوع آخر، بحسب الأكثر وفرة في البيئة، وهو ما يعينه على التأقلم السريع في أي مكان، وذلك وفق ما كشفت عنه العديد من الدراسات، أبرزها دراسة أجريت في جنوب إفريقيا، ونشرت بدورية “جورنال أوف زوولوغي” (Journal of Zoology).
سبع مزايا في سمكة واحدة
والمرونة الغذائية ليست هي الميزة الوحيدة للقرموط الأفريقي التي تساعده على التأقلم السريع في أي بيئة، إذ يتمتع أيضا بقدرة فائقة على العيش في المياه الفقيرة بالأكسجين، كما كشفت نفس الدراسة التي أجريت بجنوب أفريقيا، وعزت ذلك، إلى امتلاكه عضوا تنفسيا إضافيا فوق الخياشيم يعرف باسم العضو فوق الخيشومي، يمكنه من الحصول على الأكسجين من الهواء مباشرة.
وبسبب هذه القدرة يستطيع أن يتحمل القرموط الأفريقي التلوث العضوي والنجاة خلال فترات الجفاف والعيش في البرك الراكدة والمستنقعات.
ويستطيع القرموط الأفريقي أيضا، التحرك لمسافات قصيرة فوق الأراضي الرطبة مستخدما حركات جسمه وزعانفه الصدرية عندما تجف البرك أو تنخفض المياه، وهي ميزة ثالثة، وثقتها دراسة نشرت بالدورية الألمانية “أرشيف فور هيدروبيولوغي” ( Archiv für Hydrobiologie )، وبسببها يستطيع استعمار موائل جديدة، والهروب من البيئات غير المناسبة، والانتشار السريع بعد الفيضانات.
وعند تواجده في بيئة جديدة، تنمو يرقاته وصغاره بسرعة كبيرة مقارنة بالعديد من الأنواع المحلية، وهذه الميزة الرابعة التي وثقتها دراسة نشرت بدورية “ذي ترانزاكشنز أوف ذا زولوغيكال سوسايتي أوف لندن” (The Transactions of the Zoological Society of London)، تساعده على الوصول السريع إلى أحجام أقل عرضة للافتراس، وهذا يزيد من فرصة بقائه، ومنحه الفرصة لتكوين تجمعات كبيرة خلال فترة قصيرة.
كما يتمتع أيضا بميزة خامسة، وهي خصوبة استثنائية، إذا يمكن للأنثى الواحدة إنتاج عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف من البيوض، ووفق دليل أصدرته الفاو، فإن هذه السمة تساعده على تعويض الفاقد بسرعة، وتأسيس تجمعات جديدة خلال سنوات قليلة.
ولا تؤثر جودة المياه ودرجات الحرارة على هذه التجمعات الجديدة، إذ إن له ميزة سادسة، وهي القدرة على العيش في ظروف حرارية وكيميائية متباينة، وذلك وفق دراسة نشرت بدورية “باكستان جورنال أوف زوولوغي” ( Pakistan Journal of Zoology )، وتساعد هذه الميزة على العيش بالأنهار والأهوار والبحيرات والبرك، وتحمل الملوحة المنخفضة نسبيا، ومقاومة التغيرات البيئية المفاجئة.
وأخيرا، توثق دراسة نشرت بدورية “جورنال أوف زوولوغي” (Journal of Zoology)، لأهمية ميزة سابعة لهذه السمكة، وهي امتلاكها فما واسعا وأسنانا دقيقة تمكنها من ابتلاع فرائس كبيرة نسبيا، وهو ما يساعدها على التنافس بقوة على الموارد الغذائية وافتراس صغار الأسماك المحلية.
الرحلة من شمال أفريقيا إلى العراق
ولأنه نادرا ما تجتمع هذه المزايا السبع في سمكة واحدة، فإن رحلتها من شمال أفريقيا إلى العراق كانت ميسرة.
ويقول رعد إن هذه الرحلة بدأت من رغبة بعض المستثمرين في الاستفادة من مزاياها، والتي تصب جميعها في اتجاه أنها سمكة آمنة استثماريا، إذ تنمو بسرعة، وتنتج كميات كبيرة من اللحم ومقاومة للأمراض وتتكيف سريعا مع البيئة، فتم تربيتها في بعض المزارع السمكية هناك، ثم تسللت من هذه المزارع إلى الأنهار العابرة للحدود، لتستقر في العراق.
ويقع العراق في نهاية شبكة مائية ضخمة تربطه بسوريا وتركيا، لذلك فإن أغلب الظن أن القرموط الأفريقي استقر في نهر الفرات داخل سوريا، وروافد دجلة القادمة من تركيا، وساعدت التيارات المائية على انتقال يرقاته وزريعته الصغيرة تدريجيا نحو الأراضي العراقية.
ويتفق الدكتور عمر الشيخلي، الأستاذ بكلية العلوم جامعة بغداد، مع الرأي السابق في أن هذا السيناريو هو الأقرب لتفسير انتقال السمكة إلى العراق، مضيفا إليه بعض التفاصيل، والتي تتعلق بالظروف التي ساعدت على تحقيقه.
ويقول عمر للجزيرة نت: “شهدت مناطق من شمال وشمال غرب سوريا وكذلك ولايات في شمال تركيا، عواصف مطرية شديدة تسببت في سيول وفيضانات عام 2021، وأغلب الظن أن مياه الفيضانات غمرت الأحواض الترابية أو الخرسانية للمزارع السمكية، فاختلطت مياه الأحواض بمياه الفيضانات، فخرجت أسماك القرموط الأفريقي إلى القنوات والأنهار المجاورة، ولأن هذه السمكة تستطيع تحمل المياه العكرة والفقيرة بالأكسجين، والبقاء حية لفترات خارج الماء إذا بقي جسمها رطبا، استطاعت أن تصل إلى موائلها الجديدة”.
هل من حل؟
وإذا كان هناك من سعى للاستثمار في تلك السمكة، فلماذا هذا النفور العراقي من تلك السمكة، التي يمكن بهذا المنطق اعتبارها منحة جلبتها الفيضانات إلى العراق؟
لم تكن هناك صعوبة لدى عمر في الإجابة على هذا السؤال، إذ قال إن الذائقة العراقية في جنوب ووسط العراق ترفض أسماك القرموط لأسباب فقهية، ويوضح عمر، أنه “لهذا السبب فإن سمكة البلطي، كسمكة غازية، كان الجدل المثار حولها أخف كثيرا، لأنها دخلت ضمن الأسماك التي تؤكل”.
وبسبب هذا النفور من القرموط الأفريقي، فإن الصيادين لا يقبلون على صيده، وإن علق بشباكهم يتم إعادته للمياه مجددا، فتظل أعداده تتزايد أكثر وأكثر حتى خرج الوضع عن السيطرة، وبات يهدد وجود الأسماك المحلية مثل البني والشبوط والحمري، بحسب د.عمر.
وبعد أن خرج الوضع عن السيطرة، فإنه لا يبدو من أفق واضح ومحدد لحل المشكلة، ويقول رعد: “ليس أمامنا إلا أن نعود للعلم وندرس المشكلة ونستلهم تجارب الآخرين في التعامل مع الأسماك الغازية”.
ويتفق عمر مع ما ذهب إليه رعد، مؤكدا أن أي حلول سيتم الاتفاق عليها ستكون في إطار “التكيف مع المشكلة” لا التخلص منها.
ويقول: “مضى وقت التخلص من المشكلة، وأصبح القرموط الأفريقي سمكة متوطنة في العراق، لكن يمكن التكيف مع الوضع الحالي بالسعي لعدم تفاقمه”.
وإلى أن يتم وضع خطة قومية للسيطرة على أعداد هذه السمكة بعد دراسة مستفيضة لسلوكها التكاثري، يطالب عمر الصيادين بالتخلص من الأسماك التي يتم صيدها، وعدم إعادتها مرة أخرى للمياه.
وعن حلول التكيف التي يمكن التوصل إليها، يضيف أنه “بعد دراسة مستفيضة قد نستطيع تحديد مناطق التكاثر، وبالتالي استهدافها بحملات صيد موسمية، وشراء الأسماك من الصيادين بأسعار تشجيعية، وقد يتم التفكير لاحقا في تحويل تلك السمكة لمورد اقتصادي باستغلالها في تصنيع أعلاف ومواد بروتينية”.

