روكب اليوم
2026-05-20 03:38:00
السندات
حين تتخطى عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل عتبة الـ5 بالمئة، ولأول مرة منذ عام 2007، فإن الأسواق لا تُصدر مجرد إشارة تقنية عابرة، بل تُطلق صفارة إنذار يسمعها المستثمرون والحكومات والمواطنون على حدٍّ سواء.
هذا بالضبط ما يحدث اليوم في الأسواق المالية العالمية، إذ تتصاعد موجة بيع حادة تطال السندات الحكومية في معظم دول العالم، مُرافَقةً بارتفاعات قياسية في بريطانيا واليابان لم تُشهد منذ 28 عاماً. كبير استراتيجيي الأسواق في شركة Exness، وائل مكارم، يرى في هذه المشهدية ما هو أبعد من مجرد تقلبات دورية؛ إنها، في تقديره، إنذار مبكر بأن العالم يسير نحو مرحلة بالغة الصعوبة، تتشابك فيها أزمة السندات مع شبح الذكاء الاصطناعي وارتفاع التضخم وتراجع فرص العمل، لتشكّل معاً عاصفةً اقتصادية من نوع نادر.
موجة بيع تضرب أسواق السندات العالمية تثير قلق المستثمرين
موجة البيع في السندات: ثلاثة أسباب وثلاث دلالات
رصد وائل مكارم في حديثه لبرنامج “بزنس مع لبنى” على قناة “سكاي نيوز عربية” ظاهرةً لافتة تتمثل في موجة البيع القوية التي تضرب سوق السندات الحكومية عالمياً. ففي الولايات المتحدة، تجاوزت عوائد السندات لأجل 30 عاماً مستوى 5.1 بالمئة، وهو ما لم يُسجَّل منذ عام 2007، فيما قفزت عوائد السندات البريطانية واليابانية إلى أعلى مستوياتها خلال 28 عاماً.
مكارم: الطريق مفتوح أمام الذهب نحو مستويات الـ 3500 دولارويُشير مكارم إلى ثلاثة محركات رئيسية وراء هذه الموجة:
- أولا: الغلاء وارتفاع أسعار الطاقة، بفعل استمرار إغلاق مضيق هرمز، مما يضغط على البنوك المركزية نحو رفع الفائدة بدلاً من خفضها.
- ثانيا: المخاوف من إقدام الحكومات على إصدار مزيد من السندات لتمويل مدفوعات الديون وحزم دعم الطاقة، مما يُضاعف الضغوط المالية عليها.
- ثالثا: أن المستثمرين باتوا يطالبون بتعويضات أكبر من الحكومات مقابل الاحتفاظ بسنداتها في ظل هذه المخاطر المتراكمة.
ثلاث دلالات تقنية لا يمكن تجاهلها
قال وائل مكارم، ، خلال حديثه سكاي نيوز عربية، إن موجة البيع الحالية في سوق السندات تحمل ثلاثة دلالات رئيسية:
- أولاً، ابتعاد المستثمرين عن السندات طويلة الأجل (30 سنة) مع صعود طفيف لعوائد الماركات، مما يعكس تغيرًا في ديناميكيات السوق عن المحددات الأساسية للاقتصاد.
- ثانيًا، عدم اقتناع المستثمرين بأن جولة التضخم المقبلة ستكون بسيطة، مما يدفعهم للمطالبة بتعويضات أعلى مقابل المخاطرة.
- ثالثًا، القلق من المديونية المرتفعة عالميًا وتأثيرها على الاقتصادات، خصوصًا الأسواق الناشئة واليابان. وأضاف مكارم أن السندات لأجل 10 و30 سنة في الولايات المتحدة تخترق حاليًا أنماطًا فنية تشكلت على مدى ثلاث سنوات، مما قد يؤدي إلى تسارع عمليات البيع ويُحدث أزمة سيولة، داعيًا إلى الحذر خلال الأسابيع المقبلة في ظل غياب انفراجات جيوسياسية.
البنوك المركزية بين شقّي الرحى
يصف مكارم الوضع الراهن بأنه “الكابوس الكبير” الذي طالما حذّرت منه البنوك المركزية والمؤسسات الاستثمارية الكبرى؛ وهو سيناريو “التضخم المزدوج” المتعاقب. فبعد أن عجز الاحتياطي الفيدرالي عن دفع التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 بالمئة بعد جائحة كوفيد، ها هو التضخم يعود من جديد، لكنه هذه المرة “جاء من أزمة في الإمدادات”، وهو ما يصفه مكارم بأنه “أسوأ سيناريو” يواجهه المصرف المركزي، لأنه يصعب على البنوك المركزية السيطرة عليه في ظل هشاشة الأرقام الاقتصادية حول العالم..
والنتيجة أن البنوك المركزية باتت “حجراً بين شقّي رحى”، على حد تعبير مكارم؛ فهي مضطرة إلى رفع الفائدة لكبح التضخم، غير أن الاقتصاد يُظهر هشاشة لا تُشجّع على ذلك.
ويرى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط مع تراجع المخزونات العالمية سيُترجَم إلى أسعار أعلى في قطاعات متعددة، وهو ما يستغرق تاريخياً وقتاً طويلاً قبل العودة إلى الوضع الطبيعي، مما يُبقي البنوك المركزية تحت ضغط متواصل لرفع الفائدة، وهو ما سيُعيد بدوره أزمةً حادة إلى سوق السندات.
الركود التضخمي.. شبح يُلقي ظلّه
يُحذّر مكارم من أن بعض الاقتصادات قد تعاني من الركود التضخمي، أي الجمع بين ارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي في آنٍ واحد، وهو من أصعب السيناريوهات الاقتصادية التعامل معها.
ويُحدد الاستراتيجي ثلاثة تداعيات رئيسية للأزمة على المواطن والاقتصاد: أولها ارتفاع معدلات التضخم وما يرافقه من تدهور القدرة الشرائية، وثانيها تباطؤ النمو الاقتصادي الناجم عن تقلّص الاستثمارات، وثالثها رفع معدلات الفائدة في ظل مديونية مرتفعة، مما يُضاعف العبء المالي على الشركات والأسر والحكومات.
هل العالم على أعتاب أزمة اقتصادية جديدة؟
لا يتردد مكارم في الإجابة بنعم على هذا السؤال، لكنه يُضيف بُعداً نوعياً لا كمياً لتوصيف الأزمة المقبلة. فهي في رأيه ليست أزمة عادية، بل هي “متعددة الشخصيات”؛ تبدأ في سوق السندات وتنعكس على سوق الأسهم، وتتشابك مع تحوّلات هيكلية عميقة يُحدثها الذكاء الاصطناعي، وتتغذى على التوترات الجيوسياسية وعدم الاستقرار في أسواق الطاقة.
ويستوقفه تركُّز الثقل الاقتصادي في عدد محدود من الشركات العملاقة؛ إذ تمثّل شركة واحدة اليوم نحو 8 بالمئة من مؤشر S&P 500، وهو تركّز لم يحدث منذ أن كانت شركة IBMتهيمن على المؤشر، ومن بعدها Apple بنحو 7 بالمئة، وكلتا الحالتين أعقبتها سنوات من التراجع. ويرى أن هذا النموذج الاقتصادي المعتمد على الشركات الكبرى بدأ يتغيّر مع صعود الذكاء الاصطناعي، في حين تتضرر شركات راسخة يعود تاريخها إلى عشرين وخمسين ومئة سنة بشكل متزايد.
ويرى مكارم أن مفتاح الانفراج يكمن في تسلسل محدد: يبدأ بتراجع أسعار النفط المرتبط بفك انسداد مضيق هرمز، ليخفّ بعده الضغط على التضخم، فتتحسن أسواق السندات، ثم تعود الاستثمارات وتدفقات رأس المال. غير أنه يُشير إلى أن الأفق الجيوسياسي لا يُبشّر بانفراجات قريبة، مؤكداً أن ارتفاع عوائد السندات في الدول المُثقلة بالديون سيُولّد ضغوطاً متصاعدة.
الذهب بين الجاذبية والمخاوف
تتباين قراءات كبرى المؤسسات المالية لمسار الذهب، لكن النبرة العامة تبقى متفائلة على المدى البعيد. فبنك غولدمان ساكس يتوقع ارتفاع سعر الأونصة إلى 5400 دولار قبل نهاية 2026 بدعم رئيسي من تصاعد مشتريات البنوك المركزية. في المقابل، ترى مؤسسة UBS أن الذهب قد يرتفع 23 بالمئة عن مستوياته الحالية ليبلغ 5600 دولار. أما JPMorgan فقد خفّض توقعاته لمتوسط سعر الأوقية من 5700 إلى 5200 دولار، إلا أنه لا يزال يرى إمكانية للعودة إلى 6000 دولار قبل ديسمبر المقبل. وجميع هذه البنوك تتقاطع مع مجلس الذهب العالمي في التوقع بعودة الأسعار إلى مستويات قياسية قريبة من 6000 دولار.
غير أن هذا الاستشراف الإيجابي لا يلغي واقع الضغوط الآنية. فمنذ تفجّر الأزمة، هوى الذهب بنسبة 14 بالمئة، مقترباً من تسجيل أطول سلسلة خسائر شهرية في أربع سنوات
3500 دولار.. الهدف الهبوطي المحتمل على المدى القصير
يُحذّر ويُحذّر مكارم من أن الطريق ما زال مفتوحاً لمزيد من التراجعات على المدى القصير، متوقعاً أن يعود المعدن النفيس إلى مستوى 4100 دولار أولاً، قبل أن يواصل انزلاقه نحو 3500 دولار، أي ما يعادل تقلّصاً بنحو 15 بالمئة، لكنه يستدرك موضحاً أن هذه الرحلة “ليست من الآن وحتى نهاية العام، بل ستستغرق وقتاً أطول”.
لا يُخفي مكارم قلقه إزاء ثلاثة عوامل تضغط على الذهب على المدى القصير: أولا العلاقة العكسية الكلاسيكية بين عوائد السندات وأسعار الذهب؛ فارتفاع العوائد يُضغط على الذهب بصورة مباشرة. وثانيا أن “البريك أوت” الصاعد في عوائد السندات سيُفضي إلى ضغط على سوق الأسهم، وحين تتعرض المحافظ الاستثمارية لضغوط، يلجأ بعض المستثمرين إلى بيع الذهب لتغطية الخسائر. ثالثا الضغط على عملات بعض الدول، لا سيما الأسواق الناشئة، مما يضطر بنوكها المركزية إلى بيع احتياطياتها من الذهب لدعم عملاتها، على غرار ما شهدناه في تركيا.
ويُشير مكارم إلى عامل داعم مخفي على المدى البعيد؛ إذ إن ارتفاع الفوائد، وفق تعبيره، سيجعل الديون ‘تكبر أكثر فأكثر’ و’الثقة في النظام المالي سوف يتضعضع’، وهو ما يخلق في العمق بيئة داعمة للذهب
الذكاء الاصطناعي.. الأزمة الصامتة في سوق العمل
يُضيف مكارم إلى جملة التحديات بُعداً يرى أن كثيرين لا يُدركون وطأته بعد، خاصة في العالم العربي؛ وهو ضغط الذكاء الاصطناعي على سوق العمل. فالاقتصاد الأميركي -وهو الأضخم والأكثر تقنيةً في العالم- لم يستطع العام الماضي سوى خلق ما نسبته 0.1 بالمئة فقط من الوظائف الجديدة، وهو رقم يستدعي التأمل بحجم التحدي الذي سيواجهه بقية العالم. ويرى مكارم أن الذكاء الاصطناعي سيُحدث تغييرات جذرية في المشهد الاقتصادي الذي عرفه العالم طوال المئة عام الماضية، مما سيُخفّض الدخول ويُقلّص الإنفاق الاستهلاكي، ليُشكّل بذلك حلقة سلبية إضافية في سلسلة الأزمات المتشابكة.
توصيات للمستثمر والمواطن: الحذر لا الهروب
في ظل هذه المعطيات، يُقدّم مكارم ثلاث نصائح عملية للمواطن العادي والمستثمر:
- ترشيد الإنفاق وبناء الادخار: الحرص على بناء احتياطي مالي والحفاظ على السيولة في مرحلة الغموض.
- الحفاظ على الوظيفة: في ظل ضعف خلق فرص العمل، تغدو الوظيفة المستقرة أصلاً لا يُقدَّر.
- التأهّل لعصر الذكاء الاصطناعي: يُلحّ مكارم على ضرورة اكتساب مهارات التعامل مع الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن الأشخاص المندمجين في هذا المجال سيجدون أمامهم فرصاً حقيقية لتوليد دخل إضافي في مرحلة يمكن أن تنقلب فيها الأمور بسرعة.
يُلخّص وائل مكارم المشهد الراهن بعبارة دقيقة: “نحن في دوامة سلبية”، انفراجها الوحيد يبدأ من تراجع أسعار النفط المرهون بفك الأزمة الجيوسياسية.
وحتى يحدث ذلك، تبقى الأسواق على صفيح ساخن، وعلى المستثمرين -حسب نصيحته- ألا يهربوا من المشهد، بل أن يتعاملوا معه بوعي وحذر شديدَين، يقظين لما تُمليه قراءة البيانات والأنماط التقنية، بعيداً عن ردود الفعل العاطفية.
عوائد السندات.. إنذار مبكر للعالم
