Site icon روكب اليوم

صادرات أمريكية قياسية تكشف تحولا أعمق في ميزان القوة النفطية العالمي | اقتصاد

a118e886 7296 48e6 aae5 5bef5d54a3df

روكب اليوم

دفعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تبعها من اضطرابات في الملاحة عبر مضيق هرمز الولايات المتحدة إلى موقع غير مسبوق في أسواق الطاقة العالمية، بعدما تحولت من مستفيد مالي من ارتفاع أسعار النفط إلى أحد أبرز المزودين البديلين للأسواق التي فقدت جزءا من إمدادات الشرق الأوسط.

وأفادت وكالة رويترز مطلع يونيو/حزيران الجاري بأن صادرات النفط الخام الأمريكية ارتفعت إلى مستوى قياسي بلغ 5.6 ملايين برميل يوميا خلال مايو/أيار، مستندة إلى بيانات شركة “كبلر” المتخصصة في تتبع حركة الناقلات، في وقت سارعت فيه مصافي التكرير في آسيا وأوروبا إلى البحث عن بدائل للنفط القادم من الخليج العربي.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وتتجاوز أهمية هذه القفزة مجرد تسجيل رقم قياسي جديد للصادرات الأمريكية، إذ تعكس تحولا أوسع في أنماط تجارة الطاقة العالمية، وتطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الأزمة الحالية ستدفع كبار المستوردين إلى تقليص اعتمادهم النسبي على نفط الخليج، أو على الأقل تنويع مصادر التوريد تحسبا لتكرار اضطرابات مماثلة مستقبلا.

هل تسرّع أزمة هرمز التحول نحو النفط الأمريكي؟

حسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تجاوزت صادرات الخام الأمريكية في بعض الأسابيع خلال ذروة الأزمة مستوى 6 ملايين برميل يوميا، مقارنة بأقل من 5.3 ملايين برميل يوميا في الذروة السابقة المسجلة عام 2023.

اضطرابات مضيق هرمز عززت الطلب على الخام الأمريكي (الفرنسية)

وذكرت وكالة بلومبيرغ في تقرير نشرته أواخر أبريل/نيسان أن المشترين الآسيويين كانوا المحرك الرئيسي لهذه الزيادة، إذ قادت اليابان موجة شراء شحنات النفط الأمريكي، فيما انضمت إليها مصافٍ في كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايلند، مع تراجع القدرة على الحصول على إمدادات مستقرة من الشرق الأوسط.

ويرى مراقبون أن أهمية هذا التحول لا تكمن في حجم الشحنات الحالية فقط، بل في احتمالات تحوله إلى سلوك دائم لدى المستوردين، فعلى مدى عقود كان العامل الحاسم في قرارات الشراء يتمثل في السعر وجودة الخام وتكاليف النقل، إلا أن الأزمة الحالية أضافت عنصرا جديدا يتمثل في أمن الإمدادات.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن إدوارد هايدن-بريفت، الباحث في شركة “أونيكس كابيتال غروب”، قوله إن آسيا وأوروبا تبحثان عن بدائل للإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، وإن النفط الأمريكي يمثل الخيار الأكثر وضوحا في الظروف الحالية، لا سيما وأن مضيق هرمز ينقل في الظروف الطبيعية نحو خُمس الاستهلاك النفطي العالمي، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، ما يجعله أحد أكثر الممرات الاستراتيجية حساسية في العالم.

البدائل الجديدة

تكشف التطورات الأخيرة عن إعادة تشكيل تدريجية لخريطة تدفقات النفط العالمية.

ففي آسيا، أدى تعطل جزء من الإمدادات الخليجية إلى زيادة الاعتماد على الخام الأمريكي رغم ارتفاع تكاليف الشحن وطول المسافات. كما اتجه بعض المشترين إلى زيادة الواردات من أميركا اللاتينية وغرب أفريقيا لتقليل الاعتماد على مصدر واحد.

المشترون الآسيويون قادوا موجة زيادة الواردات من الولايات المتحدة. (غيتي)

وفي أوروبا، ساهمت الأزمة في تعزيز موقع الخام الأمريكي الذي كان اكتسب أهمية متزايدة أصلا منذ الحرب الروسية الأوكرانية، وذكرت فايننشال تايمز أن المنافسة بين المشترين الأوروبيين والآسيويين على البراميل الأمريكية أصبحت أكثر حدة، ما ساهم في تشديد أوضاع السوق ورفع الأسعار.

ولم تقتصر التحولات على النفط الخام، فقد أشارت بيانات نقلتها الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة صدرت أيضا نحو 7.5 ملايين برميل يوميا من المنتجات النفطية المكررة، بما في ذلك البنزين وزيت الوقود، في ظل سعي المستوردين لتعويض النقص الناجم عن اضطرابات الشرق الأوسط.

وعلى صعيد الممرات البديلة، أفادت تقارير متخصصة بأن حركة ناقلات النفط عبر قناة بنما شهدت ارتفاعا ملحوظا مع إعادة توجيه الشحنات بين الأمريكتين وآسيا، بينما تسارع دول الخليج استثماراتها في خطوط الأنابيب التي تتجاوز مضيق هرمز.

وكشفت فايننشال تايمز أن شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” تدرس إنشاء خطوط جديدة لنقل المنتجات المكررة تسمح باستمرار الصادرات حتى في حال تعذر المرور عبر المضيق، فيما تعمل على توسيع قدراتها الحالية المرتبطة بميناء الفجيرة.

ضغوط على المنتجين العرب

لا تعني الزيادة القياسية في الصادرات الأمريكية، بالنسبة للدول العربية المصدرة للنفط، فقدان الأسواق بصورة مباشرة، لكنها تعكس تصاعد المنافسة على تلبية احتياجات المستوردين خلال فترات اضطراب الإمدادات، وذكرت فايننشال تايمز أن المشترين في آسيا وأوروبا وسعوا خلال الأزمة نطاق بحثهم عن بدائل للخام القادم من الشرق الأوسط، في وقت ارتفعت فيه مشترياتهم من النفط الأمريكي.

وأدى ارتفاع أقساط التأمين البحري وتكاليف الشحن في الخليج إلى زيادة تكلفة إيصال البراميل إلى الأسواق النهائية، بينما سارعت بعض الدول المنتجة إلى تعزيز مسارات التصدير البديلة، فالسعودية تواصل الاعتماد على خط الأنابيب شرق-غرب لنقل الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، فيما تعمل الإمارات على توسيع قدراتها التصديرية المرتبطة بميناء الفجيرة، بحسب ما أوردته تقارير متخصصة وذكرت فايننشال تايمز.

دور متنامٍ للنفط الأمريكي

ربما يكون السؤال الأهم الذي تطرحه الأزمة الحالية هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ترسخ موقعها باعتبارها أحد أهم مصادر الإمدادات البديلة للأسواق العالمية خلال فترات الاضطراب.

فمنذ ثورة النفط الصخري تحولت الولايات المتحدة من أكبر مستورد للطاقة إلى مصدر صافٍ للنفط والمنتجات النفطية، إلا أن الأزمة الحالية أظهرت دورا جديدا يتمثل في تعويض جزء من النقص الناتج عن تعطل الإمدادات في مناطق أخرى من العالم، غير أن هذا الدور ليس بلا تكلفة.

فحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تراجعت المخزونات التجارية من النفط الخام بمقدار 3.3 ملايين برميل خلال الأسبوع المنتهي في 22 مايو/أيار إلى 441.7 مليون برميل، لتصبح أقل بنحو 2% من متوسطها لخمس سنوات.

كما انخفضت مخزونات مركز كوشينغ في ولاية أوكلاهوما بمقدار 2.8 مليون برميل إلى 23 مليون برميل فقط، بينما واصلت الحكومة الأمريكية السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي لمواجهة تداعيات أزمة الإمدادات.

وذكرت بلومبيرغ أن المخزونات الأمريكية تعرضت لضغوط متزايدة نتيجة الارتفاع الحاد في الصادرات، في وقت تجاوزت فيه أسعار البنزين أربعة دولارات للغالون، وبلغت أسعار الديزل أعلى مستوياتها الموسمية على الإطلاق.

المخزونات الأمريكية تعرضت لضغوط متزايدة بفعل ارتفاع الصادرات (رويترز)

في هذا السياق، نقلت بلومبيرغ عن كبير استراتيجيي الطاقة في مصرف “رابوبنك”، جو ديلاورا قوله إن “الولايات المتحدة لا تستطيع بمفردها تعويض العجز العالمي”، في إشارة إلى محدودية قدرة الإنتاج الأمريكي على تعويض أي نقص طويل الأمد في صادرات الخليج.

كما حذرت مجموعة “رابيدان إنرجي” البحثية من أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يعيد إلى الواجهة نقاشات داخل واشنطن حول فرض قيود على صادرات النفط أو المنتجات المكررة إذا تعرض المستهلك الأمريكي لضغوط أكبر.

تحولات تتجاوز الأزمة

تشير التطورات الراهنة إلى أن سوق النفط العالمية تدخل مرحلة تتزايد فيها أهمية أمن الإمدادات ومرونة سلاسل التوريد إلى جانب اعتبارات السعر وتكاليف النقل، فحتى لو عادت تدفقات النفط الخليجية إلى مستوياتها الطبيعية، فإن تجربة الأشهر الماضية قد تدفع العديد من المشترين إلى توسيع قاعدة مورديهم وتقليل الاعتماد على مسار واحد أو منطقة جغرافية واحدة.

ومع استمرار اضطرابات أسواق الطاقة، يراقب المتعاملون ما إذا كانت الزيادة القياسية في الصادرات الأمريكية ستبقى استجابة مؤقتة للأزمة الحالية، أم ستتحول إلى مؤشر على تغيرات أوسع في خريطة تجارة النفط العالمية، بما يحمله ذلك من تداعيات على المنتجين التقليديين والمستهلكين على حد سواء.

Exit mobile version