Site icon روكب اليوم

صهريج واحد لسقيا 700 ألف نازح.. العطش يفتك بالناس في دارفور |

image 1779638825

روكب اليوم

كل صباح، قبل أن تلمس خيوط الشمس الأولى قمم خيام القش، تبدأ معركة لا تعلن عنها القنابل؛ إنها معركة الماء.

في مخيمات النزوح المكتظة بمنطقة طويلة (68 كيلومترا غرب الفاشر)، حيث تتكدس أكثر من 700 ألف روح هاربة من جحيم الحرب في دارفور، لا تموت القلوب بالرصاص فقط، بل تموت عطشا أيضا.

وقبل شروق الشمس، تصطف مئات الجراكن البلاستيكية الفارغة كالجنود. خلفها، النساء والأطفال، أعينهم شاخصة نحو الطريق الترابي. ينتظرون “تنكر مياه” قد يأتي وقد لا يأتي. ينتظرون قطرة تنبض بها الحياة.

وحاولت الجزيرة نت التواصل مع المنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة للتعليق على أزمة المياه المتفاقمة في مخيمات طويلة والجهود المطلوبة لمعالجتها، ولم ترد أي من هذه المنظمات حتى لحظة إعداد هذا التقرير”.

عطش يومي

وكشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في أحدث تقاريرها، الصادر في 27 أبريل/نيسان 2026، أن أكثر من نصف النازحين في مخيمات طويلة لا يحصلون على القدر الأدنى من المياه الضروري للبقاء على قيد الحياة.

وأوضح التقرير أن معظم الأسر تعيش على 8 إلى 9 لترات فقط للفرد يوميا، وهي كمية تكاد لا تكفي سوى للشرب والطهي، فيما لا يتبقى منها شيء لتلبية الاحتياجات الأساسية للنظافة الشخصية، في وقت تتفاقم فيه الحاجة مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة.

يقول النازح سليمان آدم حامد لـ”الجزيرة نت”: “تنكر المياه قد يأتي مرة واحدة في الأسبوع، أو قد لا يأتي إطلاقاً. وإن وصل، تكون الكميات محدودة، إذ لا تتجاوز حصة الفرد لترين إلى 3 لترات فقط لعدة أيام. كمية لا تكفي لشيء”.

ويضيف أن الأسر تضطر إلى تقنين الاستهلاك أو الاعتماد على مصادر غير آمنة، مما يفاقم معاناتهم اليومية.

رجل يحصل على حصته المحدودة من مياه الشرب النظيفة (الجزيرة)

صيف وشمس

ومع اقتراب فصل الصيف، تتفاقم المعاناة؛ ترتفع درجات الحرارة، ويشتد العطش، وتصبح حاجة النازحين للماء أكثر إلحاحا.

ويؤكد نازحون لـ”الجزيرة نت” أنهم يواجهون نقصا شديدا في مياه الشرب، حيث يضطرون للانتظار منذ ساعات الفجر الأولى لعل “تناكر” المياه تصل، وأحيانا تمر أيام كاملة دون ماء.

ولا يزال آلاف النازحين في طويلة يسكنون في مخيمات مشيدة من المواد المحلية (القش)، معظمها أنشئت على أراضٍ زراعية تفتقر إلى الخدمات الأساسية من المياه النظيفة وشبكات الصرف الصحي.

ويرى متابعون أن هذه المخيمات تحولت إلى بيئة خصبة لانتشار الأمراض وتمدد الحرائق، خاصة في فصل الصيف، في ظل غياب أي نظام صحي متكامل.

شاحنة وحيدة

وفي خضم هذه الكارثة، تحاول أيادٍ سودانية مخلصة سد الفجوة. “تنكر مياه” واحد فقط لكل مخيم تديره مبادرة “وادي هور” المحلية، يحاول أن يروي عطش 700 ألف نازح.

ويقول مدير المنظمة إدريس حقار جبور لـ”الجزيرة نت”: “بدأنا بتنكر واحد قبل شهر، وعملنا بجدية لنتمكن من استجلاب 3 تناكر -أي شاحنات- إضافية قبل أسبوع، لكن الوضع لا يزال صعبا جدا. الآلاف يعانون من شح المياه، خاصة مع دخول الصيف، وهذا يشكل تهديدا خطيرا على حياة الأطفال والنساء وكبار السن”.

ويضيف أن التناكر تجلب المياه من مناطق بعيدة، سعة كل منها 75 برميلا، وتغطي احتياجات نحو 1000 أسرة فقط من بين أكثر من 700 ألف نازح. ويؤكد: “نحتاج إلى دعم أكبر، إلى تناكر إضافية، إلى وقود، إلى قطع غيار. الاحتياج هائل ونحن لا نستطيع تغطيته وحدنا”.

عشرات الجركنات الفارغة تنتظر التعبئة بالمياه في ساعات الصباح الأولى (الجزيرة)

رحلة شاقة

ويصف سائق أحد التناكر علي هارون عبد الله (42 عاما) رحلته اليومية للجزيرة نت: “أستيقظ قبل الفجر. أتفقد التنكر، أملؤها بالوقود إن وجد، ثم أنطلق. الطريق طويل وشاق. أحيانا يتعطل، وأحيانا ينفد الوقود. لكن لا يمكنني التوقف. خلفي أرواح تنتظر”.

ويضيف: “في أيام التوزيع، تصطف الطوابير الطويلة في المخيمات الثلاثة. نساء وأطفال ومسنون يحملون جراكنهم البالية وينتظرون تحت الشمس الحارقة. أحيانا تبكي أم لأن الحصة لم تصل إلى طفلها”.

وفي موازاة أزمة المياه، يعاني السكان من نقص حاد في الغذاء والخبز. تشير شهادات إلى أن بعض العائلات لا تحصل على وجبات كافية، في ظل غياب المساعدات المنتظمة.

وتقول فاطمة آدم، وهي أم لثلاثة أطفال تقيم في مخيم دبة نايرة، للجزيرة نت: “ننتظر الأيام التي يأتي فيها التنكر. في بقية الأيام، نشرب من آبار مكشوفة ونمرض. وأيضاً لا نجد دقيقا. أطفالي يمرضون ويجوعون، لكن ماذا نفعل؟ ليس لدينا خيار آخر”.

ولا تقتصر المعاناة على شح المياه، بل تمتد إلى ارتفاع أسعار مستلزمات تخزينها. العبوات البلاستيكية غالية الثمن، وخزانات المياه أصبحت حلما بعيد المنال للكثير من الأسر.

وتقول النازحة في طويلة فاطمة إبراهيم للجزيرة نت: “الجركان الواحد يساوي أكثر من 15 ألف جنيه سوداني (نحو 6 دولارات)، وأغلب العائلات لا تملك ثمنه. نضطر لجمع المياه في أي وعاء نجد، حتى في الأكياس البلاستيكية الممزقة”.

أزمات متداخلة

وفي ظل هذه الظروف، تتداخل أزمة المياه مع أزمات السكن والغذاء والصحة. الخيام تعاني من تهالك شديد، ويعيش السكان في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة.

ويؤكد نازحون أن المخيمات تفتقر للمراكز الصحية والأطباء، وتنتشر فيها الأمراض والبعوض، مما يزيد من خطر انتشار الأوبئة، خاصة بين الأطفال وكبار السن.

وما يميز مبادرة “وادي هور” أنها لا تعتمد على دعم حكومي أو دولي؛ كل شيء يأتي من تبرعات الخيرين والروابط الاجتماعية في الخارج الذين لم ينسوا أهلهم في دارفور.

ويقول إدريس حقار جبور: “نحن نعمل بفضل الله ثم بفضل تبرعات المغتربين وأهل الخير”. ويضيف: “لكن الإمكانات محدودة جدا. حلمنا أن نصبح أسطولا من تناكر المياه يصل إلى كل محتاج”.

طابور طويل من النازحين يمتد تحت الشمس في انتظار كميات قليلة من الماء (الجزيرة)

انتظار مرير

وهذا المشهد من العطش والانتظار المرير لا يقتصر على نازحي طويلة، بل يمتد إلى مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين في مخيمات شرق تشاد. هناك، تتكرر ذات المأساة اليومية مع اختلاف الجغرافيا.

وتضطر العائلات في المخيمات إلى الاعتماد على صهاريج المياه التي تصل بصعوبة، حيث ينتظر اللاجئون ساعات طويلة للحصول على لترات قليلة من المياه لا تتجاوز 4 لترات للفرد في اليوم.

ويستضيف شرق تشاد لوحده أكثر من 1.3 مليون لاجئ سوداني، نزح أكثر من 900 ألف منهم منذ بداية الحرب، ويعيش هؤلاء في ظروف تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة وسط صيف حارق تلامس فيه الحرارة 50 درجة مئوية.

قصة “وادي هور” ليست مجرد قصة مياه، بل هي قصة صمود بشري استثنائي. ورغم أن واقع الاحتياج الإنساني المحدد يتطلب استجابة عاجلة، إلا أن الجهود المحلية تثبت أن الحياة يمكن أن تُمنح قطرة قطرة، بإصرار لا يعرف المستحيل.

فهل ستتحول صرخة العطش في دارفور إلى تدخل دولي حقيقي يوقف نزيف الأرواح، أم ستظل هذه التناكر القليلة تخوض وحدها معركة البقاء، صامدة كما صمد أهلها؟

Exit mobile version