Site icon روكب اليوم

فبراير.. القبيلة شاهد ما شاف حاجة

468517 L.webp.webp
روكب اليوم


امتد نظام الرئيس علي عبدالله صالح – رحمه الله – ثلاثةً وثلاثين عامًا، أدار خلالها البلاد بقبضةٍ ناعمة وأخرى صلبة، بسيف المعز وذهبه. حاول أن يصنع منجزاتٍ، بعضها تاريخي لا يستطيع أحد إنكاره. لكنه في أواخر عهده استخفّ ببعض الشركاء، فخسر السلطة حين تفرّق من حوله من ألفوا قربه وعاطفته وكرمه وتساهله وحذره، وناصبوه العداء، فدخل في صدامٍ مع الصديق قبل العدو.

في 2012 انتهت مرحلة نظام صالح – ولا أقول سقط بثورة – لأنه يومها تنحّى، وفرض شروطه على أحزاب اللقاء المشترك مقابل حكومة مناصفة، وحصانة، وترتيبات مستقبلية.
ورست الاحتجاجات على حكومةٍ كانت تحكم صنعاء من الصباحة إلى نقطة البَكَرَة، بدلًا من حكومةٍ كانت في عهده تحكم اليمن من صعدة إلى المهرة، على قاعدة “الرقص على رؤوس الثعابين”، وتحويلة الرئاسة، وآل معوّضة الذين كانوا يحفظون أسماء الشخصيات والفاعلين والأصدقاء والخصوم عن ظهر قلب.

قاد حكومة ما بعد صالح مناضلٌ نظيف اليد ونقي السريرة، صاحب تاريخ وطني معروف، هو دولة الرئيس محمد سالم باسندوة.
لكن لسوء الحظ، سلّم أمر الحكومة لكارثة المحاصصة الحزبية من جهة، واطمأن من جهة أخرى إلى مجموعة من الشباب ظنّ أنهم أبطال المستقبل، وكان كثيرٌ منهم هواةً جددًا على السياسة والمجتمع، منفصلين عن الواقع. فكتبوا نهاية حكومته بأفكار بعيدة عن فهم التعقيدات اليمنية، واستخفافٍ بالخصم اللدود صالح، وبالصديق المفترض الحوثي، الذي دخل صنعاء، وغازل أطرافًا، ومدّ يده لأخرى، ثم لم يرحم أحدًا.

خلال حكومة باسندوة، انشغلت الأحزاب – المشترك والمؤتمر – بخيبة الشِّقَى كما يقول البدو، والمتمثّلة في المحاصصة: هذا لي، وهذا لك؛ من وظيفة الفراش حتى الوزير. أضاعوا الوقت في جمع الغلّة وتقاسم المحصول، ففُقدت الفرص، وتبدّد اهتمام الإقليم والمجتمع الدولي باليمن، واستمروا في محاربة طواحين الهواء، فضاعت البلاد تحت جائحة الحوثيين.
والأدهى أنهم – حتى اليوم – ما زالوا يدورون في الدوامة ذاتها، ولم يتعلموا كثيرًا من دروس تلك المرحلة المتعثّرة.

أما القبيلة اليمتية فكانت في تلك المرحلة أشبه بـ”شاهد ما شاف حاجة”.
فوجئت بعاصفة الربيع العربي التي اجتاحت تونس ومصر ووصلت اليمن وليبيا، ولم تكن الصورة واضحة لديها لاتخاذ قرارٍ حاسم، وهي ترى الصراع يندلع فجأة بين شريكي السلطة الرئيسيين: المؤتمر والإصلاح، بعد بعد عقودٍ من الشراكة والتعاون في عهد صالح.

انقسمت القبيلة انقسامًا حادًا بين فريقي الصراع في أحداث فبراير 2011 وما بعدها، وبقيت الكتلة الأكبر متأرجحة بين تذمّرٍ متراكم من أواخر عهد النظام، وقلقٍ من ماهية ثورات الشباب ومآلاتها.
حتى الأطراف التي انخرطت في الصراع كانت مرتبكة؛ فلا الذي كان مع التغيير واثقٌ من نجاحه على المدى البعيد، ولا الذي كان ضده توقّع أن الأمور ستسير على ما يرام.

ربما أدّى هذا الارتباك القبلي إلى أن تبقى المعركة سياسية بامتياز، دون حسم اجتماعي واضح. فلم تجد حكومة التغيير ظهيرًا قبليًا يساعدها على بسط السيطرة الكاملة، ولم يجد النظام القائم يومها سندًا صادقًا يفرض خيار العودة إلى الصناديق ويحمي التجربة الديمقراطية الوليدة.

وفي هذا المشهد المعقّد، وجد الرئيس السابق عبدربه منصور هادي نفسه أقربَ إلى قائدِ دولةٍ منقسمة، بلا كتلةٍ صلبة تحمي مركزه؛ فلا أتباعَ يقوّون شوكته في مواجهة التغوّل السياسي، ولا إدراكًا كافيًا لطبيعة خصومٍ يُضمرون له غير ما يُظهرون.

فتقدّم الطرف الثالث، الحوثي، مستغلًّا ارتباك المرحلة، ففرض الأمر الواقع بقوة السلاح، ونسف التوافق والديمقراطية، بل حتى فكرة المواطنة المتساوية، في لحظة تصفية حسابات قصيرة النظر، ما زال اليمن يدفع ثمنها حتى اليوم.

وتأسيسًا على ذلك كله، فإن توصيف التغيير بأنه سبب كل المصائب توصيف غير دقيق؛ فالحياة دول، والأنظمة الجمهورية ليست مخلّدة.
وفي المقابل، فإن تصوير التغيير على أنه هبة إلهية مكتملة الصواب إصرارٌ لا يسنده واقع التجربة ولا نتائجها.

الحقيقة أن هناك نظامًا كان قائمًا، وتغييرًا حدث؛ له ما له، وعليه ما عليه.
ولا شيء يبرّر حجم الكراهية والحقد الذي يتجدّد كل فبراير.


Exit mobile version