Site icon روكب اليوم

فيصل طوقان: نريد تحويل التكنولوجيا المالية إلى تجربة تقرّب المستخدم من ماله : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-05-17 13:16:00

1696880

في سوق تتسارع فيه التحولات الرقمية، وتزداد فيه المنافسة بين البنوك والشركات الناشئة والمنصات الإقليمية، تظهر زينة كواحدة من التجارب الإماراتية اللافتة في قطاع التكنولوجيا المالية.
الشركة التي بدأت بفكرة بسيطة لتحويل الأموال بين الأفراد، تحولت خلال سنوات قليلة إلى منصة يستخدمها أكثر من نصف مليون شخص، وتطمح إلى أن تصبح جزءاً أساسياً من الحياة المالية اليومية للأفراد والشركات الصغيرة في الشرق الأوسط.

يقول فيصل طوقان، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة زينة، في مقابلة خاصة مع روكب اليوم الاقتصادية، إن الشركة تأسست في عام 2020 على يد ثلاثة أشقاء: فيصل، وسارة طوقان، رئيسة قسم المنتجات، وطلال طوقان، رئيس قسم الهندسة.


ومنذ البداية، لم يكن الهدف مجرد بناء تطبيق للمدفوعات، بل “تحقيق الحرية المالية لكل شخص في الشرق الأوسط”.

اختارت الشركة في بدايتها التركيز على خدمة واحدة: التحويلات المالية بين الأفراد، كانت الفكرة أن يرسل المستخدمون الأموال إلى بعضهم بعضاً بطريقة سهلة وسريعة.

لكن الاستخدام الفعلي للتطبيق كشف عن مسار آخر للنمو، فقد لاحظ فريق زينة أن عدداً كبيراً من المستخدمين لم يكونوا أفراداً بالمعنى التقليدي، بل أصحاب شركات صغيرة يسجلون كأفراد لاستقبال مدفوعات من عملائهم.
هذه الملاحظة غيّرت اتجاه الشركة، فبدلاً من خدمة الأفراد فقط، توسعت زينة لتخدم الشركات الصغيرة أيضاً، مع الحفاظ على تجربة استخدام واحدة وبسيطة.

ويقول طوقان إن الشركات الصغيرة، في كثير من الحالات، ليست منفصلة عن أصحابها؛ فصاحب المشروع يدير حياته الشخصية والمهنية معاً، ويحتاج إلى أداة مالية واحدة تساعده على تنظيم الجانبين.

يربط طوقان هذا التوسع بواقع السوق الإماراتية، فعندما تأسست زينة، كان عدد الشركات الصغيرة في الإمارات يقارب 320 ألف شركة، بحسب حديثه، بينما وصل اليوم إلى نحو 680 ألف شركة.

ويشير إلى أن الحكومة تستهدف الوصول إلى مليوني شركة صغيرة بحلول عام 2035، مضيفاً أنه يعتقد أن هذا الهدف قابل للتحقق.

لكن تميّز زينة، وفق طوقان، لا يقوم فقط على نوع الخدمة، بل على فهم العلاقة الخاصة بين سكان المنطقة والمال، ففي رأيه، من الصعب أن تتوسع تطبيقات التكنولوجيا المالية خارج أسواقها الأصلية دون فهم عميق لسلوك المستخدمين المحليين.

العلاقة مع المال تختلف بين الولايات المتحدة، وشرق آسيا، والشرق الأوسط، ولذلك لا يمكن نقل تجربة مصرفية رقمية من سوق إلى آخر كما هي.

في الولايات المتحدة، كما يوضح طوقان، الحياة المالية مبنية إلى حد كبير على التطبيقات والتقييمات والقرارات الرقمية.

وفي شرق آسيا، لاحظ أن بعض التطبيقات تستخدم رسوماً كرتونية لتخفيف الجدية المرتبطة بالخدمات المالية.

أما في الشرق الأوسط، فالمسألة أكثر حساسية وخصوصية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بطلب المال أو تحويله بين الأصدقاء أو بين العميل وصاحب المشروع الصغير.

لهذا صممت زينة تجربتها لتشبه تطبيقات التواصل مثل واتساب أكثر مما تشبه البنوك التقليدية، الفكرة هنا ليست تجميل الواجهة فقط، بل إعادة صياغة العلاقة بين المستخدم والمال.

فعندما يكون التركيز على العلاقة بين الأشخاص وليس على قيمة التحويل فقط، تصبح عملية طلب المال أو استلامه أقل حساسية وأكثر سلاسة.

وتحضر العائلة أيضاً في قصة الشركة، فإدارة زينة بين ثلاثة أشقاء ليست تفصيلاً هامشياً، بل جزء من طريقة اتخاذ القرار، يصف طوقان هذه العلاقة بأنها “نعمة”، موضحاً أن لكل واحد منهم مهارات مختلفة تكمل الآخر.

فهو يركز على المبيعات والتمويل، وسارة على المنتجات والتفاصيل، وطلال على الهندسة وبناء الأفكار بشكل عملي.

هذا الاختلاف يؤدي أحياناً إلى نقاشات حادة، لكن القاعدة الأساسية، كما يقول، أن يكون أي قرار في مصلحة الشركة، الثقة بين المؤسسين، بحكم العلاقة العائلية، تساعد على تجاوز الخلافات وتوجيه النقاش نحو الهدف الأكبر.

أما البيئة الإماراتية، فيراها طوقان واحدة من أسباب قدرة زينة على النمو، عندما انتقل من سان فرانسيسكو إلى الشرق الأوسط لتأسيس الشركة، كان يبحث عن ثلاثة عناصر: المواهب، والترخيص، والتمويل.

ويقول إن زينة تضم اليوم فريقاً من أكثر من 32 بلداً يعملون من مكتب واحد، وهو أمر لا يتوافر بسهولة في كثير من الأسواق العالمية.

العنصر الثاني كان الترخيص. احتاجت زينة إلى عامين للحصول على رخصة Stored Value Facility، وهي رخصة تتيح لها تخزين أموال الأفراد والشركات الصغيرة وتقديم خدمات مثل البطاقات، وأرقام الحسابات، والتحويلات، باستثناء القروض.

ويؤكد طوقان أن الحصول على هذه الرخصة لم يكن سهلاً، لأن الشركة تتعامل مع أموال العملاء، وهي مسؤولية كبيرة، لكنه يرى أن دعم الجهات التنظيمية والبنك المركزي كان حاسماً في هذه الرحلة.

أما التمويل، فكان الركيزة الثالثة، ويقول طوقان إن زينة جذبت استثمارات بقيمة 65 مليون دولار من مستثمرين في الشرق الأوسط والصين والولايات المتحدة، ما يعكس اهتماماً عالمياً بالشركات الناشئة في الإمارات والمنطقة.

في جانب آخر من المقابلة، يضع طوقان الذكاء الاصطناعي في قلب مستقبل القطاع، فهو يرى أن تأثير الذكاء الاصطناعي على الشركات سيكون مشابهاً لتأثير الإنترنت.

فكما لم يعد هناك اليوم تمييز حقيقي بين شركة موجودة على الإنترنت وأخرى غير موجودة، سيصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من كل شركة خلال السنوات المقبلة.

داخل زينة، يستخدم الذكاء الاصطناعي في أقسام متعددة، من بينها مكافحة الاحتيال، حيث يساعد على تحديد التحويلات المشبوهة وإغلاق الحسابات المرتبطة بها بسرعة.

كما يستخدم في البرمجة وخدمة العمليات الداخلية، لكن طوقان يشدد على ضرورة وجود توازن، خصوصاً في الخدمات الحساسة المرتبطة بالأموال، حيث يجب أن يبقى الإنسان جزءاً من الرقابة والتوجيه.

الرؤية الأوسع تتجاوز تحسين الأداء الداخلي، يتخيل طوقان مستقبلاً لا يضطر فيه المستخدم إلى فتح التطبيق وكتابة اسم الشخص والمبلغ لإجراء تحويل.

بدلاً من ذلك، سيكون لكل مستخدم مساعد ذكاء اصطناعي شخصي يفهم تفضيلاته المالية، ويسأله عن مستوى المخاطرة الذي يقبله، والأسواق التي يفضّلها، وحدود التحويل التي يسمح بها، ثم يساعده في إدارة حياته المالية بصورة استباقية.

هذا المستقبل، في نظره، قد يغيّر شكل التطبيقات نفسها، فالتكنولوجيا لن تبقى مجرد واجهة ينتظر المستخدم أن يفتحها، بل ستصبح أكثر مبادرة وقدرة على التفاعل مع احتياجاته اليومية.

ورغم هذا الطموح التقني، تعود زينة دائماً إلى فكرة البساطة، الشركة فازت بجائزة Red Dot للتصميم، ويقول طوقان إن الاسم نفسه يحمل فلسفة التصميم: “زينة” اسم عربي يعني الجمال والإبداع.

لكنه يؤكد أن البساطة ليست نتيجة سهلة، بل عمل شاق داخل الشركة، ويستذكر نقاشاً داخلياً استمر ساعة وربع الساعة لتقليص جملة من عشر كلمات إلى ست كلمات، فقط لجعل تجربة المستخدم أوضح وأسهل.

بالنسبة لطوقان، كل كلمة، ورمز، ولون، وتفصيل في الواجهة يجب أن يخدم المستخدم في اللحظة المناسبة، لا أكثر ولا أقل.

كما يجب أن تفهم الشركة إحساس المستخدم عندما ينظر إلى التطبيق، وكيف يمكن توجيهه إلى السلوك المطلوب من دون تعقيد.

وفي سوق يزداد تنافساً، لا يرى طوقان أن التركيز على المنافسين هو الطريق الأفضل، فلسفة زينة تقوم على التركيز على المستخدمين، لأن توقعاتهم لا سقف لها.

فالمستخدم يريد التحويل أسرع، وأرخص، وأسهل، وأكثر أماناً، ولذلك يرى أن الثقافة الداخلية للشركة يجب أن تدفعها إلى تحسين خدماتها سنة بعد سنة، بدلاً من بناء استراتيجيتها على مراقبة المنافسين فقط.

وفي ختام المقابلة، يعود طوقان إلى الهدف الأول: تحقيق الحرية المالية لكل شخص في الشرق الأوسط.

بعد خمس سنوات، يريد أن تكون زينة موجودة في كل الدول العربية، لكن مع تطور الذكاء الاصطناعي، يصبح الطموح أكبر، أن يمتلك كل شخص في المنطقة مساعداً مالياً ذكياً يساعده في اتخاذ قراراته وإدارة حياته المالية.

بهذه الرؤية، لا تقدم زينة نفسها كمنصة مدفوعات فقط، ولا كبنك رقمي تقليدي، بل كتجربة مالية تسعى إلى تبسيط العلاقة بين الإنسان وماله، في منطقة لا تزال في بداية تحول كبير نحو مستقبل مالي رقمي أكثر تخصيصاً وذكاءً.

Exit mobile version