Site icon روكب اليوم

في رحيل الرئيس هادي .. الدولة تتحدث والزائفون يصرخون

476509.webp
روكب اليوم

عند لحظات الرحيل الكبرى تتجرد الأمم من خصوماتها السياسية وتعود إلى جوهر الدولة ومؤسساتها وقيمها الوطني هكذا كان المشهد عقب الإعلان عن وفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي فقد تحدثت الدولة بصوت واحد وصدرت بيانات النعي الرسمية من مختلف مؤسساتها واعلنت مراسم الحداد ونكست الأعلام وتدفقت رسائل التعزية من القيادات السياسية والعسكرية والمدنية والقبلية ولم يكن ذلك تعبير عن موقف عاطفي وانما تجسيد لثقافة الدولة واحترامها لرموزها ورجالها الذين تولوا مسؤولية القيادة في مراحل شديدة التعقيد من تاريخ اليمن الحديث.

في المقابل برزت أصوات حاولت استغلال لحظة الوفاة لإعادة إنتاج خطاب الخصومة السياسية وتصفية الحسابات المؤجلة وهي ظاهرة تستحق التوقف أمامها دفاع عن المعايير الوطنية والأخلاقية التي يجب أن تحكم تقييم الرجال والتاريخ والأحداث وليست وفق اجندة وموجهات ممولة من اطراف تعادي الراحل منذ تولية قيادة الدولة في ٢١ فبراير ٢٠١٢.

والقراءة الموضوعية لمسيرة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي تقتضي الاعتراف بأنه قاد الدولة في واحدة من أكثر المراحل اضطرابا وخطورة وواجه انهيارا سياسيا وأمنيا غير مسبوق وشهد انقلاب المليشيات الحوثية الارهابية على الدولة ومؤسساتها وتعامل مع تدخلات إقليمية ودولية معقدة وخاض معركة الحفاظ على الشرعية الدستورية للجمهورية اليمنية في ظروف استثنائية لم تتوفر لأي قيادة يمنية سابقة ومن الطبيعي أن تكون هناك تباينات كما هي الحال في كل التجارب السياسية الكبرى غير أن تحويل التباينات إلى منصة لتشويه مسيرة الرجل بعد رحيله يكشف أزمة في منهج النقد أكثر مما يكشف حقيقة التجربة نفسها.

الملاحظ أن كثير من الأصوات التي تتصدر اليوم حملات التشكيك والطعن لم تكن في يوم معنية بتصحيح المسار أو تقديم بدائل وطنية حقيقية ومراجعة مواقفها تكشف أن بعضها ظل أسير أجندات سياسية أو مصالح شخصية أو حسابات مرتبطة بمراكز نفوذ فقدت امتيازاتها خلال سنوات الشرعية ومواقفها الحالية لا تنطلق من تقييم موضوعي للتجربة بقدر ما تعبر عن استمرار معركة سياسية لم تتوقف حتى بعد وفاة صاحبها.

المشكلة ليست في النقد فالنقد حق مشروع وانما ضرورة وطنية والفرق كبير بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى استخلاص الدروس والعبر وبين حملات التشويه التي تستهدف الرمزية الوطنية وتسعى إلى إعادة كتابة التاريخ وفق رغبات سياسية آنية فالأمم التي تحترم نفسها لا تبني مستقبلها على تصفية الحسابات مع موتاها ولا تجعل من لحظات الحزن الوطني ساحة لتبادل الاتهامات.

رحل الرئيس السابق عبدربه منصور هادي بما له وما عليه تاركا تجربته أمام المؤرخين والباحثين والرأي العام ليحكموا عليها بميزان الإنصاف لا بمنطق الكراهية أما الدولة فقد استمرت بمؤسساتها وقيادتها الجديدة ممثلة بالرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي الذين يتحملون اليوم مسؤولية استكمال المرحلة الانتقالية واستعادة مؤسسات الدولة وتحقيق السلام العادل أو فرضه إذا استدعت الضرورة الوطنية.

استهداف إرث الفقيد بعد رحيله لا يضر الرجل بقدر ما يضر الثقافة السياسية اليمنية نفسها لأن الدول لا تقاس بقدرتها على صناعة الخصومات وانما بقدرتها على احترام تاريخها ورجالها والتعامل مع تجاربها بعقل الدولة لا بعواطف الصراع فالواجب الوطني يقتضي الفصل بين حق النقد وواجب الاحترام وبين تقييم التجربة السياسية ومحاولات اغتيال الرمزية الوطنية فالتاريخ لا يكتبه الزيف والغاضبون ولا المنتفعون ولا أصحاب المواقف المسبقة والتاريخ يكتبه الزمن والحقائق والإنصاف.

وسيبقى الرئيس السابق عبدربه منصور هادي جزء من تاريخ الجمهورية اليمنية الحديث وسيظل دوره حاضر في واحدة من أخطر المراحل التي مرت بها البلاد أما السجالات العابرة والحملات الموسمية فلن تغير من حقائق التاريخ شيئ لأنها ترتبط بلحظة سياسية مؤقتة بينما ترتبط مسيرة الرجال بمكانهم الحقيقي في ذاكرة الوطن.


Exit mobile version