Site icon روكب اليوم

كيف تتحول درجات الحرارة المرتفعة إلى فاتورة اقتصادية بمليارات الدولارات؟ : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-07-04 16:18:00

1700383

بينما تتصدر التحذيرات الصحية عناوين الأخبار مع موجة الحر التي تجتاح الولايات المتحدة وأجزاء واسعة من أوروبا، يراقب الاقتصاديون والأسواق وجهاً آخر للأزمة، يتمثل في ارتفاع الطلب على الكهرباء، وتراجع إنتاجية العمال، وضغوط متزايدة على الشركات وسلاسل الإمداد، في وقت لا تزال فيه الاقتصادات الكبرى تحاول احتواء التضخم واستعادة زخم النمو.

ولم تعد موجات الحر تُعامل بوصفها ظاهرة موسمية عابرة، بل باتت تُصنف لدى المؤسسات الاقتصادية العالمية باعتبارها مخاطرة اقتصادية هيكلية يمكن أن تؤثر في الإنتاج والاستثمار والمالية العامة والسياسة النقدية لسنوات مقبلة.

وتؤكد مجموعة أليانز في أحدث تقاريرها أن أوروبا تُعد من أكثر المناطق تعرضًا لهذه المخاطر، في ظل شيخوخة السكان، وارتفاع الكثافة العمرانية، وضعف انتشار أنظمة التبريد مقارنة بالولايات المتحدة، حيث لا تتجاوز نسبة انتشار أجهزة التكييف في أوروبا نحو 19% مقابل قرابة 90% في الولايات المتحدة.

يرى خبراء الاقتصاد أن التأثير الأكثر تكلفة لا يتمثل في ارتفاع فواتير الكهرباء، وإنما في انخفاض إنتاجية العمل.


ويقول روبرت ماركس، كبير اقتصاديي المناخ في Oxford Economics، إن درجات الحرارة التي تتجاوز منتصف الثلاثينيات وحتى الأربعينيات المئوية تؤدي إلى خسائر كبيرة في الإنتاجية، وتعطل العمل في قطاعات مثل البناء والزراعة والتصنيع والتجزئة والضيافة، وهي قطاعات تمثل نحو 35% من النشاط الاقتصادي في أوروبا الغربية.

ويقدّر ماركس أن موجة حر تستمر أربعة أيام فقط قد تخفض نمو إنتاجية العمل الفصلية بما يصل إلى نقطتين مئويتين في أوروبا الغربية، ونحو 1.5 نقطة مئوية في المملكة المتحدة، محذرًا من أن استمرار هذه الظواهر سيقوض النمو الاقتصادي ما لم تُحدَّث البنية التحتية وبيئات العمل لتتلاءم مع المناخ الجديد.

كما تتوقع منظمة العمل الدولية أن يكون قطاعا الزراعة والبناء الأكثر خسارة في ساعات العمل بحلول عام 2030 نتيجة تزايد الإجهاد الحراري.

ويعتبر تقرير «أليانز» أن 30 درجة مئوية تمثل «نقطة تحول» للاقتصاد، فبعد هذا المستوى تتسارع الخسائر الاقتصادية مع كل درجة حرارة إضافية، نتيجة انخفاض إنتاجية العمال وارتفاع استهلاك الكهرباء وزيادة تكاليف التشغيل.

فدون هذا المستوى قد تستفيد بعض الاقتصادات من انخفاض تكاليف التدفئة، لكن بعده تبدأ الإنتاجية في التراجع بوتيرة متسارعة، بينما ترتفع احتياجات التبريد واستهلاك الكهرباء.

ويقدّر التقرير أن الإنتاج لكل ساعة عمل ينخفض بنحو 3% لكل درجة مئوية إضافية بين 30 و35 درجة، في حين يرتفع استهلاك الطاقة بنحو 1.2% لكل درجة، ما يعني أن الشركات تواجه في الوقت نفسه انخفاضًا في الإنتاج وارتفاعًا في تكاليف التشغيل، وهو ما يضغط على الأرباح ويزيد احتمالات انتقال هذه التكاليف إلى المستهلكين.

وتنعكس موجات الحر سريعاً على أسواق الطاقة، إذ يؤدي الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف إلى قفزات في الطلب على الكهرباء والغاز الطبيعي، ما يفرض ضغوطًا على شبكات الكهرباء ويرفع تكاليف التشغيل.

وفي الولايات المتحدة، أصدرت وزارة الطاقة الأميركية أمرًا طارئًا يسمح بتشغيل وحدات توليد إضافية داخل شبكة PJM Interconnection، أكبر شبكة كهرباء في البلاد، لضمان استقرار الإمدادات خلال موجة الحر الأخيرة.

أما في أوروبا، فقد ارتفعت أسعار الكهرباء في عدد من الأسواق مع زيادة الطلب على التبريد، بينما واجهت بعض محطات الطاقة النووية قيودًا تشغيلية نتيجة ارتفاع حرارة المياه المستخدمة في أنظمة التبريد، ما حدّ من قدرتها الإنتاجية في بعض الفترات، وفقاً لرويترز.

لا تتوقف التداعيات عند حدود الطاقة، فارتفاع تكاليف الكهرباء والتبريد، إلى جانب انخفاض إنتاجية العمال، يرفع تكلفة الإنتاج في المصانع وشركات النقل والخدمات اللوجستية، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات.

ويرى تقرير أليانز أن استمرار هذه الضغوط قد يدفع بعض الاقتصادات إلى مواجهة الركود التضخمي، حيث تتزامن معدلات تضخم مرتفعة مع تباطؤ النمو وارتفاع البطالة، وهو أحد أكثر السيناريوهات تعقيدًا أمام البنوك المركزية، التي تجد نفسها أمام معضلة الموازنة بين دعم النشاط الاقتصادي وكبح التضخم.

كما يحذر التقرير من أن تراجع العائد المتوقع على الاستثمار قد يؤدي إلى خفض الإنفاق الرأسمالي للشركات، ما يضعف القدرة الإنتاجية على المدى الطويل ويزيد من تباطؤ النمو.

ولتقدير حجم المخاطر، أعدت أليانز سيناريو يفترض تكرار أكثر السنوات حرارة التي شهدتها كل دولة خلال العقد الماضي بين عامي 2026 و2030.

وبموجب هذا السيناريو، قد تصل الخسائر التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي إلى ما بين 5% و7% في الاقتصادات الأوروبية الأكثر تعرضاً، مع تقديرات بخسائر تبلغ نحو 240 مليار دولار في فرنسا، و147 مليار دولار في إيطاليا، و131 مليار دولار في ألمانيا، و120 مليار دولار في إسبانيا.

ويؤكد التقرير أن هذه التقديرات تمثل سيناريو ضغط اقتصادي يهدف إلى قياس حجم المخاطر المحتملة، وليس توقعاً مؤكداً لما سيحدث.

تختصر كاتارينا أوترمول، رئيسة أبحاث السياسات والاتجاهات الموضوعية في Allianz Investment Management، جوهر القضية بقولها إن «موجة الحر ليست استثناءً، بل اتجاهًا»، مضيفة أن الحرارة الشديدة «تكلف الجميع؛ العمال، والشركات، ودافعي الضرائب»، وأن الوقت قد حان للتوقف عن التعامل معها باعتبارها مشكلة صيفية، والبدء في اعتبارها تحديًا دائمًا للسياسات الاقتصادية.

وتتفق هذه الرؤية مع تحذيرات Oxford Economics، التي ترى أن الاقتصادات الأوروبية لن تتمكن من الحفاظ على وتيرة نموها إذا لم تُسرّع الاستثمار في تحديث المباني والبنية التحتية، وتطوير بيئات العمل، وتعزيز قدرة شبكات الكهرباء على استيعاب الطلب المتزايد خلال فترات الحر الشديد.

وتشير المؤشرات إلى أن موجات الحر لم تعد مجرد تحدٍ مناخي، بل أصبحت عاملاً اقتصادياً مؤثراً في قرارات الشركات والمستثمرين وصناع السياسات. فكل ارتفاع في درجات الحرارة لا ينعكس فقط على استهلاك الكهرباء، بل يمتد أثره إلى إنتاجية العمال، وتكاليف التشغيل، والاستثمار، والتضخم، والمالية العامة.

ومع تزايد تكرار الظواهر المناخية المتطرفة، يبدو أن التكيف مع الحرارة لن يكون خياراً بيئياً فحسب، بل شرطاً أساسياً للحفاظ على النمو الاقتصادي والاستقرار المالي في السنوات المقبلة.

Exit mobile version