
روكب اليوم
Published On 17/10/2026
إذا أراد البشر العيش على المريخ يوما ما، فلن يكفي أن يحملوا معهم الهواء والماء والغذاء، بل سيحتاجون إلى معرفة طبيعة الأرض التي سيقيمون عليها، وما إذا كان بالإمكان استخدامها لإنتاج الطعام.
وفي خطوة علمية جديدة، وضع باحثون من جامعة سيدني الأسترالية أول نظام شامل لتصنيف تربة المريخ، بعدما درسوا بيانات نحو 800 مليون موقع على سطح الكوكب الأحمر، وحولوها إلى خريطة تغطي 92% من مساحته.
وقاد الدراسة الباحث دانيال إيرفينغ، بمشاركة فريق من علماء التربة، ونشرت نتائجها في دورية “كاتينا” (Catena)، قبل أن تعلن الجامعة تفاصيلها في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listولم تكن هذه المحاولة الأولى لرسم خرائط المريخ، فقد سبق أن حدد العلماء تضاريسه ومعادنه وتركيبه الكيميائي. لكن الدراسة الجديدة جمعت خصائص متعددة للتربة في نظام تصنيف واحد، يسمح بمقارنة المناطق المختلفة بصورة أكثر شمولا.
وأطلق الباحثون على النظام اسم “بي باكس” (PPACS)، وهو يقسم التربة إلى 10 مجموعات رئيسية، تتفرع إلى مئة مجموعة أصغر، ثم إلى 2000 فئة تفصيلية، وفقا لخصائص تشمل تركيب الحبيبات والمعادن والحموضة وسماكة طبقات التربة.
أين توجد التربة الأكثر ملاءمة للزراعة؟
بعد إعداد الخريطة، طرح الباحثون سؤالا عمليا: أي أنواع التربة قد توفر ظروفا أفضل لنمو النباتات داخل منشآت زراعية مستقبلية على المريخ؟
وللإجابة، قارنوا الفئات المختلفة اعتمادا على قدرتها المتوقعة على الاحتفاظ بالماء، ودرجة حموضتها، ونسبة الطين والحصى، وسماكة طبقاتها. وأظهرت النتائج أن فئة تحمل اسم “نوهيباريث” (Nohibareth) حققت أفضل تقييم، بحصولها على 0.93 من درجة قصوى تبلغ واحدا.
ووفقا للنموذج، تحتوي هذه التربة على نحو 72% من الطين، وتبلغ درجة حموضتها 6.8، وهي قيمة قريبة من التعادل. كما تتميز بقدرة مرتفعة نسبيا على الاحتفاظ بالماء.
وتشير الخريطة إلى احتمال وجود هذه الفئة في مناطق من خطوط العرض المتوسطة، بينها ثارسيس وأرض العرب وسهل إليسيوم. لكنها ليست منتشرة على نطاق واسع، إذ لا تغطي سوى نحو 0.14% من سطح المريخ.
ولا تعني هذه النتائج أن العلماء اكتشفوا أرضا زراعية جاهزة، بل حددوا مواقع مرشحة لإجراء دراسات وتجارب أكثر تفصيلا.
هل يستطيع الإنسان زراعة طعامه على المريخ؟
تواجه الزراعة على المريخ تحديات تتجاوز طبيعة التربة، منها البرودة الشديدة والضغط الجوي المنخفض ونقص المياه المتاحة والمواد الغذائية الضرورية للنباتات. كما تحتوي بعض ترب المريخ على مركبات قد تكون ضارة، بينها أملاح البيركلورات، التي لم تدخل ضمن التقييم الجديد.
ويؤكد الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في إعداد خلطات تحاكي أنواع التربة المصنفة، ثم اختبارها داخل بيئات زراعية مضبوطة على الأرض، لمعرفة مدى قدرتها على دعم نمو النباتات بعد إضافة الماء والمغذيات ومعالجة المواد الضارة.
وسيكون من الضروري أيضا مقارنة توقعات الخريطة بالقياسات المباشرة التي توفرها المركبات الجوالة والعينات المريخية. وتكمن أهمية الدراسة في أنها تمنح العلماء إطارا موحدا لتنظيم المعلومات المتزايدة عن سطح المريخ، وتساعدهم مستقبلا على اختيار المواقع التي تستحق الدراسة الميدانية.
لا تقدم الخريطة وصفة جاهزة للزراعة على الكوكب الأحمر، لكنها تضع أساسا علميا للإجابة عن سؤال قد يصبح حاسما في مستقبل استكشافه: أين يمكن للبشر أن يزرعوا غذاءهم بعيدا عن الأرض؟

