
كثير من شباب اليوم، وخاصة ممن لم يعايشوا مرحلة ما قبل الوحدة اليمنية، يتعرضون لحملات تضليل ممنهجة تحاول تصوير الجنوب قبل الوحدة وكأنه كان يعيش في رخاء واستقرار وازدهار، بينما الحقيقة التي يعرفها كل من عاش تلك المرحلة أو زار المحافظات الجنوبية والشرقية عقب الوحدة مباشرة، كانت مختلفة تماماً.
الجنوب قبل الوحدة كان يعيش واحدة من أصعب مراحله التاريخية: أزمات اقتصادية خانقة، انهيار في البنية الاقتصادية، صراعات دموية داخلية، انقسامات مناطقية، وحروب لم تتوقف، حتى أصبحت ذاكرة المجتمع الجنوبي نفسها مثقلة بجراح لم تندمل آثارها حتى اليوم.
ثم جاء انهيار الاتحاد السوفيتي ليسحب الغطاء السياسي والاقتصادي عن النظام الاشتراكي، فتسارعت الانهيارات بشكل مخيف، وأصبحت الوحدة بالنسبة للقيادة الجنوبية آنذاك خيار إنقاذ تاريخي لا مجرد مشروع سياسي عابر.
ولذلك، فإن الحقيقة التي يحاول البعض اليوم طمسها، أن الطرف الأكثر استعجالاً للوحدة الاندماجية كان النظام في الجنوب، بينما كانت في الشمال أصوات كثيرة تطالب بوحدة تدريجية ومتأنية تحفظ استقرار البلد وتمنع أي صدامات مستقبلية.
ثم جاءت الوحدة اليمنية المباركة، ولم تكن مجرد اتفاق سياسي بين قيادتين كما يحاول البعض تصويرها، بل تحولت إلى مشروع وطني شعبي شامل.
ففي عام 1991 جرى الاستفتاء الشعبي على دستور دولة الوحدة، وشارك فيه اليمنيون من شمال الوطن وجنوبه، وكانت نتائج التصويت الكاسحة لصالح الوحدة والدستور، بل إن المحافظات الجنوبية والشرقية نفسها سجلت نسب تأييد مرتفعة، في مشهد تاريخي أكد أن الوحدة كانت إرادة شعب كامل وليست فرضاً من طرف على آخر.
ثم جاءت الانتخابات البرلمانية بعد ذلك لتكرس هذا المسار الديمقراطي، وكانت أول تجربة ديمقراطية حقيقية في الجزيرة العربية والمنطقة. لكن نتائج صناديق الاقتراع لم تكن كما أراد الحزب الاشتراكي، حيث خسر خسارة كبيرة، حتى داخل عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية، وهو ما كشف الحجم الحقيقي لتمثيله الشعبي، وأدى لاحقاً إلى أزمة سياسية انتهت بمحاولة الانفصال وإشعال حرب 1994.
وهنا يجب تصحيح واحدة من أكبر المغالطات التاريخية:
حرب 1994 لم تكن حرب “شمال ضد جنوب”، بل كانت حرباً بين مشروع الوحدة ومشروع الانفصال. ومن خاض معركة الدفاع عن الوحدة، ومن كان رأس الحربة فيها، كانوا أيضاً قيادات وقبائل وشخصيات جنوبية وحدوية آمنت باليمن الواحد ورفضت تمزيق الوطن.
لقد قاتل أبناء الجنوب أنفسهم دفاعاً عن الوحدة، وكانوا أكثر استماتة في الحفاظ عليها، لأنهم كانوا يدركون خطورة العودة إلى مشاريع التشطير والصراعات المناطقية التي عانى منها الجنوب لعقود طويلة. وما زال حتى اليوم الملايين من أبناء الجنوب يعتبرون أنفسهم جزءاً أصيلاً من المشروع الوطني اليمني الكبير، ويرفضون اختزال الجنوب في جماعات ضيقة أو مشاريع مناطقية محدودة لا تمثل كل أبناء الجنوب ولا تعبر عن تطلعاتهم الحقيقية.
ثم إن الوحدة اليمنية لم تكن مجرد شعار سياسي، بل تحولت إلى منجز استراتيجي غيّر موقع اليمن بالكامل: في عهد الوحدة تم ترسيم الحدود الدولية مع المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، واستقرت الجغرافيا السياسية للدولة اليمنية الحديثة، وتعزز حضور اليمن الإقليمي والدولي، وأصبحت الوحدة اليمنية جزءاً من منظومة الأمن القومي العربي والإقليمي والدولي.
ولهذا فإن العالم اليوم يتعامل مع اليمن كدولة موحدة ذات سيادة وحدود معترف بها دولياً، ولم تعد مسألة الوحدة خاضعة لأهواء جماعات أو مشاريع صغيرة تحاول إعادة البلاد إلى ما قبل التاريخ السياسي الحديث.
كما أن الوحدة فتحت أبواب التنمية والاستثمار والبنية التحتية بشكل غير مسبوق: موانئ، مطارات، جامعات، طرق، اتصالات، توسع عمراني، واستثمارات بمليارات الدولارات في عدن وحضرموت والمكلا وبقية المحافظات الجنوبية والشرقية، حتى شهد الجميع حجم النهضة التي وصلت ذروتها خلال سنوات الاستقرار، كما شاهد العالم ذلك بوضوح خلال خليجي 20 عام 2010.
أما المؤلم اليوم، فهو أن من يرفعون شعارات “القضية الجنوبية” هم أنفسهم من أوصلوا كثيراً من المحافظات الجنوبية إلى أسوأ مراحل الفساد والانهيار والخدمات والتشظي، عبر ممارسات لم يعرفها الجنوب حتى في أصعب مراحل الوحدة: فساد، جبايات، سجون، تصفيات، تعطيل مؤسسات، وانهيار خدمات، حتى أصبح المواطن الجنوبي يبحث عن الكهرباء والماء والراتب والأمن قبل أي شعارات سياسية.
ولهذا فإن الإنصاف والصدق مع الأجيال الجديدة يقتضي أن تُقال الحقيقة كاملة: الوحدة اليمنية لم تكن احتلالاً، بل كانت مشروعاً وطنياً عظيماً شارك في صناعته والدفاع عنه اليمنيون شمالاً وجنوباً، وثبتها الشعب عبر الاستفتاء وصناديق الاقتراع والتضحيات الوطنية،
وتحولت مع الوقت إلى ركيزة استقرار وأمن قومي لا يمكن العبث بها أو المساس بها تحت أي ظرف.
أما محاولات تزييف التاريخ وصناعة ذاكرة وهمية للأجيال الجديدة، فلن تغير الحقائق التي يعرفها اليمنيون جيداً: يعرفون كيف كان الجنوب قبل الوحدة، وكيف أصبح بعدها، ويعرفون أيضاً من الذي دافع عن الوحدة، ومن الذي ما زال حتى اليوم يستثمر في تمزيق اليمن وإحياء جراح الماضي لخدمة مشاريع ضيقة لا تخدم الجنوب ولا تخدم اليمن.

