
روكب اليوم
ابتكر العلماء من كلية الفيزياء بجامعة وارسو، ومعهد باسكال التابع للمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي في جامعة كليرمون أوفرن، “أعاصير ضوئية” متناهية الصغر، وهي عبارة عن حزم ضوئية دوّامية تلتفّ كزوابع مصغّرة، باستخدام جهاز بسيط للغاية يعتمد على البلورات السائلة.
يمثل هذا الابتكار ثورة في الاتصالات الكمومية، لقدرته على التحكم بمسار الفوتونات وحالتها، مما يمهد لنقل بيانات مشفرة فائقة الأمان بسرعات هائلة، إذ تسمح هذه الدوامات الضوئية بنقل معلومات معقدة وحزم بيانات ضخمة لا يمكن للألياف الضوئية العادية التعامل معها.
ومن المتوقع أن يحل ابتكار الأعاصير البصرية المجهرية إحدى أكبر عقبات الأجهزة في مجال الاتصالات الكمومية، فمن خلال إجبار الضوء على الدوران مثل زوبعة مصغرة داخل بلورة سائلة بسيطة، يفتح هذا الإنجاز الباب أمام إنتاج مصادر ضوئية مصغرة تعتمد على فيزياء الكم، مما سيؤدي مستقبلا إلى تطوير “إنترنت كمومي” فائق السرعة ومستحيل الاختراق.
الدوامة الضوئية والإعصار الضوئي
عرف العلماء منذ فترة طويلة عددا من خصائص الضوء مثل الطول الموجي، ولكن في الآونة الأخيرة، اكتشفوا أنّ الضوء يمكن أن يلتوي، في خاصية تسمى الزخم الزاوي، ويتحرك على شكل حلقات حلزونية تحيط بمركز مشترك، وعندما ترتطم بسطح مستو، فإنه يصبح شكلها مثل حبات الدونات وهو ما يعرف بـ”الأعاصير الضوئية أو البصرية”.
يتم إنشاء هذه “الأعاصير” الصغيرة باستخدام بلورات سائلة بسيطة، حيث استخدم فريق البحث الخصائص الفريدة للبلورات السائلة لمعالجة الفوتونات، نظرا لأن جزيئات البلورات السائلة تحافظ على اتجاه ثابت أثناء تدفقها كالسائل، يمكنها تشكيل حلزونات ملتوية بإحكام.
وعندما تُغلق هذه الحلزونات في حلقة، فإنها تشكل التورونات، وهي مجموعة من الإلكترونات تعمل على حصر الضوء والتحكم فيه، مما يجعله يدور ويتحرك بطرق معقدة، وعلى شكل دوامات وأعاصير، فعند وضع هذه التورونات داخل تجويف بصري دقيق مصنوع من المرايا، فإنها تخلق مجالا مغناطيسيا اصطناعيا.
وانطلاقا من ذلك فقد قام الفريق البحثي بتصميم هياكل من بلورات سائلة تدور وتلتف حول محورها بمسار حلزوني، مما يجبر الضوء على الدوران وتوليد “مغناطيسية اصطناعية”، مما يجعل الفوتونات تسير في مدارات دائرية مغلقة تشبه الإعصار المصغر.
يقول البروفيسور جاك شتشيتكو من كلية الفيزياء بجامعة وارسو، رئيس فريق البحث في تصريحاته للجزيرة نت: “تُستخدم كلمة “إعصار” كتشبيه لما يُسميه الفيزيائيون الزخم الزاوي المداري للضوء، وبالنسبة لعامة الناس، قد يبدو مصطلح “الزخم الزاوي المداري” مجردا، بينما يُوحي الإعصار أو الدوامة بالدوران والزخم الزاوي. في حالتنا، يمتلك شعاع الضوء بنية ملتوية تُشبه إعصارا ضوئيا صغيرا”.
ويضيف الباحث: “يعتمد دوران الضوء على ما نعنيه بـ”الدوران”، في حالة الزخم الزاوي المداري، يشكل المجال الكهربائي للموجة الكهرومغناطيسية بنية حلزونية تلتف حول اتجاه انتشار الشعاع. يوجد في مركز هذا النمط الحلزوني ما يُعرف بـ”الدوامة الضوئية””.
تطبيقات الدوامات
تتعدد تطبيقات تقنيات “الدوامات” أو “الأعاصير” في العلوم الحديثة بناء على نوعها، إذ تُستخدم في مجالات الاتصالات لزيادة سرعة الإنترنت، عبر كابلات الألياف الضوئية العادية بمقدار يتراوح بين 8 و100 مرة مقارنة بالتقنيات التقليدية، وذلك باعتبارها تقنية حديثة تعتمد على تشكيل حزم ضوئية ملتوية تنتشر في مسار حلزوني.
يقول شتشيتكو للجزيرة نت: “لقد أثبتنا إمكانية التحكم في توليد الليزر المتماسك باستخدام الزخم الزاوي المداري. ويمكن استخدام الضوء الحامل للزخم الزاوي المداري لمعالجة الجسيمات النانوية والميكروية، وحتى الخلايا البيولوجية، وفي مجال الاتصالات الكمومية، يوفر الزخم الزاوي المداري درجة حرية إضافية يمكن استخدامها لتشفير المعلومات ونقلها بطريقة آمنة وفعالة للغاية”.