
روكب اليوم
عكس مؤتمر الأمن القومي الإسرائيلي، الذي عقده معهد دراسات الأمن القومي بالتعاون مع مجموعة يديعوت أحرونوت أمس الاثنين، مفارقة واضحة مفادها أن إسرائيل التي تتحدث عن إنجازات عسكرية واسعة تبدو أقل ثقة بقدرتها على تحويلها إلى أمن مستدام، وأكثر قلقا من التصدع الداخلي وتآكل الدعم الأمريكي، واستعادة خصومها لقدراتهم.
لم يقدم المؤتمر خريطة تهديدات متفقا عليها، بقدر ما كشف صراعا بين رؤيتين قائمتين، إحداهما ترى الأمن في توسيع السيطرة والضم والاستيطان، والأخرى تحذر من أن استمرار الحرب بلا أفق سياسي يحول التفوق العسكري إلى استنزاف إستراتيجي.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listولذلك بدت النقاشات أقرب إلى مراجعة حساب قاسية منها إلى الاحتفال بالنصر بعد نحو 3 سنوات من الحرب، إذ تكررت كلمات “الفشل” و”التآكل” و”العزلة” و”الفوضى” أكثر من عبارات الحسم.
فشل إستراتيجي
في جلسة “ما وراء خريطة التهديدات.. من المخاطر إلى الفرص”، تحدث العميد احتياط درور شالوم، الرئيس السابق للدائرة الأمنية والسياسية في وزارة الدفاع والمستشار في “جيه بي مورغان”، وقدّم أكثر خلاصات المؤتمر حدة عندما قال إن وضع إسرائيل العملياتي يتضمن “إنجازات استثنائية”، لكنه أضاف أن المستوى الإستراتيجي يشهد “فشلا ذريعا”.
ودلل شالوم على ذلك بأن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ما زالت قائمة، وأن حزب الله بعيد عن نزع سلاحه، كما أن إيران بقيت فاعلا إقليميا ونوويا.
وبذلك يفصل شالوم بين قدرة الجيش على تدمير الأهداف، وقدرة الحكومة على إنتاج واقع سياسي جديد، كما دعا إلى ترميم العلاقات مع مصر والأردن وتوسيع التحالفات الإقليمية، محذرا من أن الأمن القومي لا يبنى بالسلاح وحده، بل بالتعليم والاقتصاد والدبلوماسية.
شبكة تتآكل
كما جاء التحذير الأبرز في جلسة “خطر فقدان الدعم الأمريكي في اليوم التالي لترمب” التي استضافت اللواء احتياط تامر هيمان، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” والرئيس الحالي لمعهد دراسات الأمن القومي.
فقد قال هيمان إن الخطر الإستراتيجي الأهم على إسرائيل لم يعد إيران، بل “غياب الدعم الشعبي الأمريكي”، واصفا المساندة الأمريكية بأنها شبكة أمان منحت تل أبيب مرونة عسكرية وسياسية، لكنها تتلاشى الآن.
وأشار إلى أن المواقف السلبية تجاه إسرائيل تتسع بين الأمريكيين دون سن الـ50، بمن فيهم الجمهوريون، وأن المشكلة ستنتقل لاحقا من استطلاعات الرأي إلى الكونغرس والبيت الأبيض.
وفي جلسة “دعم بديل لإسرائيل.. ماذا يحدث عندما يرحل الأب؟”، حذر العميد احتياط عساف أوريون، الباحث في المعهد والرئيس السابق للشعبة الإستراتيجية في هيئة الأركان للجيش الإسرائيلي، من أن اعتماد إسرائيل انتقل من علاقة مؤسسية مع الولايات المتحدة إلى علاقة شخصية بالرئيس دونالد ترمب، وأكد أن الحرب الطويلة ما كانت ممكنة دون السلاح والغطاء السياسي الأمريكيين، وأن إسرائيل تستطيع تقليص التبعية، لا التحرر منها.
تهديد داخلي
عرض العميد احتياط يوفال أيالون، رئيس فريق دراسة التهديدات في المعهد، نتائج بحث شمل نحو ألف إسرائيلي ومجموعة واسعة من الخبراء، وفي جلسة “دراسة التهديدات الإسرائيلية”، قال إن الخطر لا يتكون من تهديد منفرد، بل من شبكة مترابطة قد تنتج “تأثير دومينو”.
وبينما بقيت إيران النووية والهجوم الصاروخي ضمن المخاطر الكبرى، ظهر الانقسام الداخلي، وتآكل الديمقراطية، وفقدان الدعم الأمريكي، بوصفها تهديدات قادرة على إضعاف استجابة إسرائيل لكل الجبهات الأخرى.
وأوضح أن الدراسة خلصت إلى أن المجتمع الإسرائيلي لم يعد يفصل بين الأمن والهوية السياسية للدولة لأن الانقسام نفسه تحول إلى مسألة أمن قومي.
عقول مهاجرة
في جلسة “خطر هجرة العقول.. هل تتآكل الميزة النوعية؟”، شارك رئيس الجامعة العبرية تامير شيفر، ورئيس جامعة بار إيلان أرييه تسابان، والعميد احتياط رام أمينوح، المستشار المالي السابق لرئيس الأركان ورئيس قسم الميزانية في وزارة الدفاع.
وكشفت الجلسة أن 16% من الإسرائيليين الحاصلين على الدكتوراه يعيشون في الخارج، وترتفع النسبة إلى أكثر من ربع حملة الدكتوراه في الرياضيات، و22% في علوم الحاسوب، و17% في الفيزياء.
وحذر شيفر من أن الأكاديميين باتوا “رصيدا إستراتيجيا من الدرجة الأولى”، في حين قال تسابان إن تدمير المنظومة الأكاديمية والبحثية العلمية قد يظهر خلال سنتين أو 3 سنوات، لكن إعادة بنائها تحتاج عقدا كاملا.
غزة بلا حسم
في جلسات “القيادة تحت الاختبار”، اتفق خصوم سياسيون على أن حماس لم تُهزم، لكنهم اختلفوا جذريا بشأن البديل، فرئيس حزب الديمقراطيين يائير غولان، نائب رئيس الأركان السابق، اتهم نتنياهو بالمماطلة ومنع إدخال بديل فلسطيني وعربي معتدل، قائلا إن حماس ما دامت تحكم السكان وتجمع الضرائب، فإنها تستعيد قوتها.
في المقابل، أعلن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أنه صوّت منفردا ضد دخول “مجلس السلام” إلى غزة ، وقال إن رؤيته تشمل وجود أحياء للشرطة والجنود، ثم مستوطنات مدنية داخل غزة.
وهكذا يكشف المؤتمر أن الخلاف لا يدور فقط حول وسائل إنهاء حكم حماس، بل حول الوجهة النهائية للقطاع، هل هي إدارة فلسطينية بديلة أم احتلال واستيطان دائم؟
ضم وفوضى
كان الانقسام أشد وضوحا في ملف الضفة، ففي جلسة “الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.. إن لم يكن إدارة الصراع، فما هو؟”، وصفت نعومي نيومان، الرئيسة السابقة لوحدة البحث وتصميم السياسات في الشاباك، النظام الفلسطيني بأنه يمر بإحدى أسوأ مراحله، مع انقسام سياسي وغياب قيادة وأفق واضح.
أما العميد احتياط عودي ديكل، الذي ترأس سابقا مديرية المفاوضات مع الفلسطينيين، فحذر من أن الضم يعني إدخال ملايين الفلسطينيين في إطار دولة واحدة، بما يقود إلى العنف أو نظام قمع أو عزلة دولية.
وعلى الطرف المقابل، قال وزير المالية ورئيس حزب الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش إن “السيادة الكاملة” على الضفة قادمة، وإنه يعمل على تمهيد الطريق لها عبر تغيير آليات الإدارة وتوسيع الاستيطان.
لكن رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، رئيس حزب يشار، وصف الضفة بأنها على حافة الفوضى، محذرا من أن تفكيك وحدة القيادة ونقل صلاحيات إلى سموتريتش وبن غفير قد يفقد المؤسسة الأمنية السيطرة ويجبر الجيش على نقل قوات من غزة ولبنان.
نووي مستمر
في جلسة “التهديد النووي الإيراني.. بين الواقع المنظم واستمرار تطبيق القانون”، شاركت سيما شين، الرئيسة السابقة لقسم الأبحاث في الموساد، وداني سيترينوفيتش، الرئيس السابق لفرع إيران في الاستخبارات العسكرية، وأفنر فيلان المتخصص في الملف النووي.
وقدّرت الجلسة أن إيران ما زالت تمتلك نحو 440 إلى 450 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، إلى جانب المعرفة وأجهزة الطرد المركزي، وقالت شين إن الأصوات الداعية إلى امتلاك السلاح النووي أصبحت أكثر حضورا في إيران، في حين حذر سيترينوفيتش من أن الضربات لم تُنه المشروع، وربما رفعت الدافع الإيراني لعبور العتبة.
خلاصة المؤتمر أن قوة إسرائيل العسكرية ما زالت كبيرة، لكن عناصر تفوقها تتعرض للتآكل من الداخل والخارج، وبينما يدفع اليمين نحو الضم والاستيطان والحرب المفتوحة، يحذر قادة أمنيون سابقون من أن غياب الرؤية السياسية، وتراجع التحالف الأمريكي، وهجرة العقول والانقسام الداخلي، قد تجعل إسرائيل تربح المعارك وتخسر موقعها الإستراتيجي.

