Site icon روكب اليوم

ما دام العقل مستقلا فقد فشل الاستعمار |

56ab454d 8e48 4229 b2da ab48b1a2a290



روكب اليوم

كل مجتمع ينتج تصوره الخاص للوجود. ونحن نولد داخل هذا التصور؛ فما إن نفتح أعيننا حتى نجد أنفسنا في عالم تشكلت لغته وقيمه وعاداته وحقائقه مسبقا.

وتسير الحياة اليومية ضمن هذه المسلمات المحددة سلفا. فالأنماط التي تعمل- كما ينبغي لها أن تكون- تتحول، مع تكرارها، إلى عادات، ثم تصبح مع العادات معايير، وما إن تترسخ كمعايير حتى تتحول إلى أمور طبيعية. ومع مرور الوقت، تتغلغل هذه الأمور الاعتيادية في الحياة إلى درجة تبدو معها خارج نطاق التساؤل. حتى إننا، لكي نتمكن من ملاحظتها حقا، نحتاج إلى النظر من الخارج؛ تماما كما يحتاج المرء إلى التراجع بضع خطوات إلى الوراء كي يرى اللوحة بوضوح.

لكن لكم أن تتخيلوا أنفسكم وقد خرجتم قليلا من حدود الدائرة، وفي هذا الخيال، واستنادا إلى القوة التحويلية للفن والفلسفة، دعونا نتأمل من قرب بطلي قصتين نعرفهما جيدا: “حي بن يقظان” للأندلسي ابن طفيل، و”روبنسون كروزو” للأوروبي دانيال ديفو.

في كلتا القصتين، تشكل الجزيرة المكان الأساسي الذي تتشكل فيه رؤية الحياة. غير أن هاتين الجزيرتين تفتحان باب عالَمين مختلفين تماما.

في قصة ابن طفيل، يكون “حي” طفلا رضيعا وقع في جزيرة مهجورة. ونحن نتابع بحثه عن المعنى الذي بدأ بالتفكر والملاحظة. هو لا يؤسس علاقة ملكية مع أي شيء في الجزيرة؛ لأن المعرفة التي اكتسبها لم تمنحه فرض الفوقية، بل أكسبته إدراك الوجود المشترك.

أما في قصة دانيال ديفو، فالشخصية الرئيسية التي تصل إلى الجزيرة المهجورة هي “كروزو”، الذي كان ذاهبا إلى أفريقيا لتجارة العبيد. وأول ما يقوم به هو تقسيم الجزيرة: يشيد الأسوار، ويقول: هذه قلعتي، وهذا حقلي. ينقذ رجلا محليا، ومن دون أن يشعر حتى بالحاجة إلى سؤاله عن اسمه، يمنحه اسم اليوم الذي التقيا فيه: جمعة.

ويعلّم “كروزو” جمعة لغته، ودينه، وأن يخاطبه بكلمة “السيد”. في هذه الخطوات الثلاث تتجمع قواعد الاستعمار: محو الاسم، وتغيير اللغة وعالم المعنى، وتنصيب الذات بوصفها “السيد”.

إن هاتين الشخصيتين تمثلان نموذجين أوليين لموقفين مختلفين تجاه العالم: فبالنسبة إلى “حي”، يمثل العالم طريقا إلى الحقيقة؛ أما بالنسبة إلى “روبنسون”، فهو فضاء ينبغي إدارته وامتلاكه.

غير أن “كروزو” ليس مجرد بطل لرواية، بل هو الترسب الأدبي لعقلية ما. لقد تحول العالم، لفترة طويلة، إلى مفعول به للمفهوم الذي يمثله “كروزو”.

إن جذور الذهنية الاستعمارية تعود إلى ما هو أسبق بكثير من اللحظة التي أمسك فيها ديفو قلمه؛ إنها تمتد إلى لحظة تأسيس العالم الحديث، إلى عام 1492. ذلك العام يذكر بوصفه بداية “الاكتشافات الجغرافية”، لكنه كان أيضا عام ميلاد مصفوفة سلطة عالمية. هذه المصفوفة بدأت بالاستغلال الاقتصادي، ثم تحولت إلى بنية واسعة من السيطرة، تتشابك فيها الهرميات العرقية واللغوية والروحية والمعرفية.

فالهرمية اللغوية التي وضعت اللغات الأوروبية فوق سائر اللغات، والهرمية المعنوية التي اعتبرت المسيحية السلطة الروحية الوحيدة، والهرمية المعرفية التي تجعل المعرفة الغربية مطلقة تحت قناع “الموضوعية”.. جميعها ليست سوى طبقات متداخلة داخل المصفوفة ذاتها.

وعلى هذه الأرضية أيضا قام أكبر أوهام الفلسفة الغربية الحديثة: في تموضعها باعتبارها “نقطة الصفر”؛ أي باعتبارها حقيقة كونية وحيدة، متحررة من أي وجهة نظر، وبلا زمان أو مكان.

نجد التعبير الأوضح عن هذا الوهم يتجسد في مقولة: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”. لقد جردت هذه الأطروحة لديكارت الذات المنتجة للمعرفة من الجسد وحولتها إلى سلطة يزعم أنها محايدة، بلا جغرافيا ولا تاريخ. وبينما كان هذا العقل يعلن نفسه المصدر الوحيد للمعرفة، فقد اختزل جميع أشكال المعرفة غير الغربية إلى مستوى فولكلوري، واصفا إياها بأنها “سحر” أو “تقليد” أو “بدائية”.

لم يبق هذا الوهم مجرد خطأ فلسفي مجرد؛ بل تسرب إلى اللحظات التأسيسية للعلم الحديث. فعندما قام كارل لينيوس في القرن الثامن عشر بتصنيف الكائنات الحية، قام أيضا بتصنيف الإنسان: فالإنسان الأوروبي أبيض، أزرق العينين، عضلي، ذكي ومبدع؛ أما الإنسان الأفريقي فكسول ومهمل؛ والإنسان الآسيوي جامد وبخيل. وقد ألقى إيمانويل كانط دروسا حول التراتبيات العرقية. وأعلن هيغل في فلسفته للتاريخ أن أفريقيا “قارة بلا تاريخ”.

وفي القرن التاسع عشر، تعمق هذا المنطق أكثر. فقد صاغ توماس مالتوس المجتمع بوصفه مجالا تعاقديا يعمل عبر الموارد المحدودة؛ ومن هنا طور داروين فكرة “البقاء للأقوى”؛ ثم نقلها فرنسيس غالتون إلى علم تحسين النسل، فقسم البشر إلى فئات جينية متفوقة وأخرى دنيا.

ومن خلال الداروينية الاجتماعية، جرى تصنيف المجتمعات إلى “بدائية” و”متحضرة”. بل إن التخصصات الأكاديمية نفسها تأسست وفق هذا المنطق: فتم تعريف علم الاجتماع بوصفه علم “المجتمعات الحديثة”، وعلم الأنثروبولوجيا بوصفه علم “المجتمعات البدائية”. وهكذا تحول العلم إلى أداة تستخدم لتبرير الاستعمار.

هذه الأسماء ليست شخصيات هامشية؛ بل هي الأسماء المركزية للفكر الحديث. وهم الآباء المؤسسون للفلسفة وعلم الاجتماع وتاريخ العلوم التي ندرسها اليوم في الجامعات. والمعرفة التي قدموها باعتبارها “كونية”، كانت في الحقيقة منتجة من جغرافيا محددة، ومن جسد محدد، ومن موقع سلطة محدد.

ولا ينبغي أن ننسى أن المعرفة تنتج دائما من موقع جيوسياسي وجسد-سياسي معين. فمن يتكلم، ومن أي موقع يتكلم، وضمن أي علاقات قوة يتكلم- أمور لا يمكن فصلها عن المعرفة التي ينتجها.

وللأسف، فإن هذا التصور المشوه خرج من صفحات الكتب العلمية والفلسفية، وامتد إلى الأجساد الحقيقية أيضا. لأن نظاما معرفيا يقول إن “بعض البشر بشر كاملون، وبعضهم ليسوا كذلك”، سيفرض عاجلا أم آجلا سيطرة على الأجساد التي لا يعترف بإنسانيتها الكاملة.

هناك مثال جرى إخفاؤه في تاريخ العلم: جيه. ماريون سيمز، الذي ينظر إليه بوصفه “الأب” لطب النساء الحديث، يروي في سيرته الذاتية، التي عنوانها “قصة حياتي”، كيف كان يجري عمليات جراحية من دون تخدير على نساء كان يعتبرهن جزءا من ممتلكاته، مقدما ذلك باعتباره ميزة علمية: “لم يمر يوم واحد لم أجد فيه “حالة تجريبية” أجري عليها عملية جراحية”.

هذا هو الوجه الحقيقي لوهم “العلم المحايد”. فتصنيف لينيوس للرجل الأفريقي بأنه “كسول”، والتراتبيات العرقية لدى كانط، وإعلان هيغل أن أفريقيا “بلا تاريخ”، انتقلت من صفحات الكتب، وتحولت في عيادة سيمز إلى صرخات نساء أجريت لهن عمليات جراحية بلا تخدير، ويراد محو أسمائهن.

يقول ستيف بيكو إن “أقوى سلاح في يد الظالم هو عقل المظلوم”؛ لأن العقل هو الحدود الأخيرة للاستعمار. يمكن احتلال الأرض، وقمع اللغة، وتحريف التاريخ، لكن ما دام العقل لم يستسلم بعد، فإن تفكيك الاستعمار يبقى ممكنا. ويصف فرانز فانون هذا الوضع بدقة إكلينيكية: فالإنسان المستعمر يبدأ، بعد فترة، برؤية جسده لا كضمير متكلم، بل كضمير غائب تحت نظرة المستعمِر، حيث إنه يغترب حتى عن وجهه.

والأمر ذاته ينطبق على الشعوب. فعندما تمحى ذاكرة شعب ما، تنتزع منه أيضا إمكانية التعرف على جراحه ومداواتها. وعندما يبدأ مجتمع ما بالنظر إلى لغته باعتبارها غريبة، وإلى تاريخه باعتباره ناقصا، وإلى معرفته باعتبارها عديمة القيمة؛ عندها لا يعود الاستغلال مجرد ضغط خارجي، بل يصبح قدرا مستبطنا، وأمرا طبيعيا.

واليوم عندما ننظر إلى الوراء انطلاقا من موت أطفال فلسطين واليمن وميناب، نرى خطا متصلا يمتد من زمن سيمز حتى يومنا هذا. ولهذا النموذج تصنيفاته ونظراته المتعالية الذي يرى أن من البشر من هم لا كتابة لهم ولا أدب في القرن السادس عشر، إلى بشر لا تاريخ لهم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وصولا إلى البشر المتخلفين في القرن العشرين. أما اليوم، فقد تحول هذا التصنيف إلى سردية “جلب الديمقراطية” إلى المجتمعات التي يقال إنها متخلفة، بوصفه عبء الرجل الأبيض.

ففي قصيدته “عبء الرجل الأبيض” التي كتبها عام 1899، وصف روديارد كبلينغ الشعوب التي ادعى الغرب أنه “يتولى تمدينها» وبشكل صريح بأنها “نصف شيطان ونصف طفل”. ولم يكن ذلك مجرد تشبيه عابر، بل كان الرخصة الأخلاقية للاستعمار.

وقد مر أكثر من قرن على ذلك. لكن تلك الرخصة لا تزال تجدد بكلمات أخرى، ومؤسسات أخرى، وتقنيات أخرى. واليوم بينما يمكن التضحية ببعض الحيوات باسم التقدم المزعوم، وببعض أجساد الأطفال لصالح أيديولوجيات لاهوتية- سياسية منحرفة؛ يعتبر أمن بعض المجتمعات ونظامها وتطورها أولوية.

ففي 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حينما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، في تصريح للصحافة، حصار غزة، وصف البشر الذين يستهدفهم بأنهم “حيوانات بشرية”، وقال: “سنتصرف على هذا الأساس”. وقد قيلت هذه الكلمات بحق شعب يمتلك واحدا من أعلى معدلات القراءة والكتابة في العالم، بنسبة 97.7%.

اليوم حان وقت إبطال رخص الشرعية التي دأب على استخدامها العقل الاستعماري. فعالمنا اليوم يطلق إشارات إنذار. وما نحتاجه ليس أن نضع “عبء الرجل الأسود” كرد فعل مقابل “عبء الرجل الأبيض”؛ لأن قلب منطق ما لا يعني تجاوزه، بل يعني البقاء داخل بنية الهرمية نفسها التي يراد هدمها. المطلوب هو التخلي عن هذا المنطق.

إننا نقترح الحديث عن عبء الإنسان. فنحن في وضع يوجب علينا النظر إلى المسألة لا مفاضلة عرقية أو حضارية، بل كمسؤولية مشتركة نابعة من افتراض أكثر عمقا؛ والعمل من أجل عالم أكثر عدلا يليق بكرامة الإنسان.

إن تحمل هذا العبء يمكن أن يساهم في شفاء الجميع، بمن في ذلك المستعمِر نفسه؛ إذ إن نظاما يبنى على انتهاك كرامة الآخر، يفقد من يبنيه إنسانيته أيضا، ويقوده إلى جزيرة عار أخرى- جزيرة إبستين.

ومع ذلك، فعلى النحو الذي تتبناه الكثير من التعاليم الحضارية والمعتقدات الكونية فإن الوجود كإنسان، بصرف النظر عن أي صفة أخرى، ذو قيمة وجدير بالاحترام ولا يجوز المساس به. في التراث الإسلامي يسمى ذلك العصمة – وهو مبدأ الحصانة الذي يتقدم على جميع التصنيفات. وفي كونفوشيوس يسمى رِن، وهو الرابط الأساسي الذي يجعل الإنسان إنسانا.

وفي الأوبونتو في أفريقيا تؤسس الكرامة الإنسانية على الترابط المتبادل عبر مبدأ “أنا موجود لأننا موجودون”. هذه ليست معارف فلكلورية، بل تقاليد معرفية ناضجة بذلت الحداثة الاستعمارية جهدا كبيرا لقمعها. وكإنسانية نحن بحاجة إلى هذا التعدد كي نتنفس.

وأختم بأبيات بليغة لشاعر الأناضول الحكيم يونس إمري، الذي يخاطبنا بها قبل قرون.

تعالوا بنا لنتعارف،

ولنجعل الأمر يسيرا،

لنحِب ونحب،

فالدنيا لن تدوم لأحد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
Exit mobile version