Site icon روكب اليوم

ما سر الافتتان بالقائد خالد بن الوليد؟ |

ajnet c9db3 1691574531

روكب اليوم

النظر إلى الماضي لاستلهام نماذج القيادة الناجحة وتعلم الدروس منها، هو أمرٌ مفيد وقوي على الدوام، لكن مدى إمكانية تطبيق نموذج معين لقائد تاريخي يظل موضع تساؤل. ولتوضيح ذلك، لنأخذ مثلا صلاح الدين الأيوبي؛ فهو لم يكن قائدا عسكريا خارقا، بل تعرض لهزائم عديدة يمكن سردها بسهولة، مثل معركة تل الجزر، ومعركة أرسوف، ومعركة يافا.

وهنا يبرز التباين الجلي؛ إذ صلاح الدين لم يكن ببراعة خالد بن الوليد العسكرية الذي كان يسحق خصومه في كل معركة، ولكن صلاح الدين انتصر في النهاية سياسيا وثقافيا.

ولهذا، فرغم أن الحروب الصليبية استمرت قرابة قرن من الزمان بعد وفاته، فإن وهجها قد خبا، فلم يتمكن الصليبيون من تجاوز سيطرتهم على المدن الساحلية، ولم يستعيدوا القدس أبدا، كما أن نفوذهم القائم على الترهيب قد تلاشى إلى حد كبير. في الواقع، نجح صلاح الدين في قلب موازين الحروب الصليبية وترويضها، ليس عبر الانتصارات العسكرية، بل من خلال الرحمة والتفاوض والتسوية، وهي سمات قيادية غير مألوفة عند الصليبيين.

لذا فإن محاولة قائد اليوم تطبيق هذه المبادئ قد تقوده إلى النجاح، وقد تكون هي بالضبط ما يتطلبه الموقف الراهن. لكن المشكلة تكمن في أنها قد تكون أيضا الإستراتيجية الخاطئة تماما في سياق مختلف. أنا معجب جدا بأسلوب صلاح الدين الأيوبي في القيادة، وأعتقد أن العالم سيكون مكانا أفضل لو حاول المزيد من القادة تطبيق نهجه. ولكن، يظل التحدي قائما في المواقف الحرجة حول كيفية تصرف القائد الذي يتعرض لهجوم ويود اتباع هذا النهج. إذ قد يكون من الأفضل في تلك اللحظة تبني أسلوب خالد بن الوليد، الذي يركز على حسم المعارك عسكريا الواحدة تلو الأخرى، بدلا من التفاوض.

بعبارة أخرى، يجب أن ننظر إلى الماضي باعتباره سجلا حافلا بنماذج مختلفة لكيفية التصرف، لكي نتمكن من تطبيق أسلوب القيادة المناسب في اللحظة المناسبة، فالأمر أشبه بصندوق أدوات يحتوي على المطرقة والمنشار والمفك والمثقاب، ويتطلب معرفة الأداة الصحيحة لكل موقف. لكنَّ معظم الناس، لا القادة السياسيين فقط، يميلون إلى استخدام أداة واحدة في كل الظروف، مما يفقدهم المرونة اللازمة.

وهنا تكمن قيمة التاريخ، فهو يمنحنا الإلهام ويعلمنا طرقا جديدة للتصرف والفعل. وفي هذا السياق الملهم، لنضرب مثلا بالخليفة الأول أبي بكر الصديق، الذي هاجم الإمبراطوريتين؛ الفارسية، والرومانية في وقت واحد، وهما أعظم إمبراطوريتين عرفهما العالم حتى ذلك الحين. من منظور عقلاني بحت، يبدو هذا القرار ضربا من المجازفة، ولكنه رغم ذلك تَكلل بنجاح باهر.

لا يبدو أن عالمنا المعاصر يمتلك مثل هذه الجرأة، فالمكافئ لذلك اليوم هو أن تقدِم دولة متوسطة على مهاجمة الصين والولايات المتحدة معا، وهي نتيجة من المستحيل أن تكون إيجابية، بل إنها فكرة تتجاوز حدود الإمكان. وهنا يكمن التحدي في كيفية استلهام هذا الدرس وتطبيقه اليوم. ربما لا يكون التطبيق عسكريا، بل في مجال التكنولوجيا؛ كأن يقوم طرف صغير، لا يمتلك بالضرورة موارد ضخمة، بإطلاق ابتكارات جريئة تستقطب أفضل المواهب. وبهذه الطريقة، وبدلا من الغزو العسكري، يمكنه أن يحقق الريادة في المجال التكنولوجي. هذا هو السبيل الذي يمكن من خلاله تطبيق ذلك الدرس التاريخي.

يجب أن ننظر إلى الماضي كمصدر إلهام ونموذج للقيادة، ولكن لا ينبغي أن نحاول تطبيق تلك النماذج حرفيا إلا عندما يتناسب ذلك تماما مع اللحظة وظروفها. فالقيادة الحقيقية مرنة وقادرة على التكيف مع المتغيرات، وسواء استلهمت من الماضي أم لا، فإنها تبتكر دائما وتأخذ بزمام المخاطر المحسوبة. فلا نجاح يتحقق دون مجازفة، لكن البعض يقع في فخ التمسك بفكرة “الحفاظ على ما لدي فقط”، وهذا النهج لا يقود إلى النجاح أبدا، إذ لا بد من تحمل قدر من المخاطرة المحسوبة لتحقيق التقدم.

ولعل خير تجسيد لهذه القيادة المرنة المبتكرة هو سيف الله المسلول؛ إذ لا تكمن عظمة خالد بن الوليد في كثرة انتصاراته العسكرية فحسب، بل في ميزة فريدة تميز بها عن غيره، وهي قدرته على ابتكار تكتيك مختلف في كل معركة. أنا أضع خالد بن الوليد ضمن أعظم ثلاثة إستراتيجيين في التاريخ العسكري، هذا التقييم بنيته على أساس سجله الحربي الخالي من الهزائم، وعبقريته الإستراتيجية الفريدة، بالإضافة إلى أبعاد أخرى وراء هذا التصنيف.

لطالما فتنتني الحرب والإستراتيجية وكل ما يتعلق بهما، لذلك أركز اهتمامي عند دراسة التاريخ على الفائزين؛ لمعرفة ماذا فعلوا لينتصروا، وكيف حققوا ذلك. وإلى جانب خالد بن الوليد، يبرز اسمان آخران هما الإسكندر الأكبر، وتحتمس الثالث. للأسف، لا نعرف الكثير عن تحتمس الثالث، فقد كان المصريون القدماء مقصّرين في تدوين تفاصيل الأحداث في ذلك العصر، لكن ما نعرفه أنه خاض 17 حملة عسكرية دون أن يُهزم في معركة واحدة، وهو ما يضعه في نفس المرتبة مع خالد بن الوليد.

ولا نعرف على وجه الدقة عدد معارك خالد بن الوليد، لكنها تقدر بما لا يقل عن 28، وقد تصل إلى 50 معركة، مما يجعل عدد انتصاراته قريبا جدا من انتصارات تحتمس الثالث. ومن المفارقات أن أول معركة تم تسجيل تفاصيلها بدقة في التاريخ هي معركة قادش بقيادة رمسيس الثاني (عام 1274 قبل الميلاد)، والتي وقعت بعد قرن من عهد تحتمس، مما حرم المؤرخين من تفاصيل إنجازاته.

كما يشترك الإسكندر الأكبر وخالد بن الوليد في سمة العظمة أيضاـ إذ بالرغم من أن الإسكندر لم يخض نفس عدد المعارك، فإنه غزا مناطق شاسعة امتدت من الهند إلى اليونان. وفي المقابل، ورغم أن خالدا لم يغزُ مساحة بهذا الحجم بنفسه، فإنه مهّد الطريق لفتوحات أكبر بكثير من إمبراطورية الإسكندر. فهؤلاء القادة الثلاثة يشتركون في سجلّ خال من الهزائم، ونجاح عسكري مذهل، وبناء إمبراطوريات.

وهنا نعود لنؤكد أن عظمة خالد بن الوليد لا تكمن في كثرة انتصاراته العسكرية فحسب، بل في قدرته على ابتكار تكتيك مختلف في كل معركة. فمن بين 28 معركة موثقة له، استخدم ما يقرب من 23 إستراتيجية متمايزة، وهو أمر يلامس حد العبقرية، خاصة عند مقارنته بالقادة الذين يعتمدون “أداة واحدة” فقط، بينما امتلك هو العشرات في جعبته.

والأدهى من ذلك، أنك حين تظن أنه قد أرسى مبدأ عسكريا، كان يحطمه في المعركة التالية مباشرة وينتصر. فعلى سبيل المثال، بعدما خاض ثلاث معارك ليلية متتالية ليمنع الجيوش الفارسية من التجمع ضده، وهو مبدأ إستراتيجي سليم، قام في المعركة التي تلتها بعكس ذلك تماما، إذ سمح لعدوه بالتجمع في مكان واحد ثم سحقه.

عند هذه النقطة، قد يصل المرء إلى استنتاج مفاده أنه لا توجد مبادئ ثابتة للحرب، بل هناك فقط الإجراء الصحيح الذي يجب اتخاذه في اللحظة المناسبة لتحقيق النصر. لقد ارتقى خالد بفن الحرب إلى مستوى رفيع، فكان أشبه بالرسام الذي يتقن أساليب فنية متعددة، مما يجعل فهم عبقريته العسكرية أمرا عسيرا.

غير أن جانبا آخر في شخصيته يثير الإعجاب أكثر، وهو ما تجلى في موقفه حين خفضت رتبته، فبدلا من أن يقود تمردا، وهو ما كان في مقدوره، آثر الامتثال للأوامر وقبِل القرار. وبعد فترة، وتحديدا إثر فتح الشام، لم يتردد القائد أبو عبيدة بن الجراح في إعادته إلى القيادة لمواجهة مصيرية، حيث كانت أربعة جيوش رومية تزحف لسحق جيش المسلمين بأعداد تفوقه بأربعة أو خمسة أضعاف؛ لقد أيقنوا أن خالدا هو الوحيد القادر على تحقيق النصر في مثل هذه الظروف شبه المستحيلة.

وعندما تولى القيادة مجددا، كان أول أمر أصدره مفاجئا، حيث قال: “أعيدوا الضرائب التي جمعناها إلى أهل الشام”. وحين استفسر قادته عن السبب، أوضح منطقه قائلا: “إنما أخذنا منهم الجزية لأننا وعدناهم بالحماية، فإذا هُزمنا في المعركة، سيستولي الرومان على أموالنا ولن يردوها إليهم، وبذلك نكون قد أخلفنا وعدنا. أما إذا انتصرنا، فسنعود ونفرضها عليهم مجددا. لذا، فلنُعد إليهم أموالهم الآن، حتى إذا كُتبت لنا الهزيمة، نموت رجالا شرفاء”.

تكشف هذه الحادثة عن جوهر شخصيته الحقيقية، فالقائد العادي في مثل هذا الموقف الحرج، وهو على شفا معركة قد تكون الأخيرة في حياته، لن يكترث لمصير المدنيين أو لمسائل الشرف. لكن في منطق خالد، كان الاحتفاظ بذلك المال في تلك الظروف ضربا من الخيانة ونقضا للعهد. وهذا المستوى الرفيع من النزاهة هو ما يثبت أنه كان إنسانا من طراز فريد.

لم تكن عبقريته تقتصر على العقل العسكري الذي يعمل أسرع من غيره، بل كان يمتلك حسا إنسانيا عميقا يجعله يهتم لأمر المدنيين ويحرص على الصدق معهم، وهذا هو السبب الجوهري الذي يجعله شخصية جديرة بكل الإعجاب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

Exit mobile version