محمية الفارسي.. صراع البقاء تحت “الصمت الرسمي»

روكب اليوم
  • رئة عدن تحتضر.. التعديات تهدد جوهرة المحميات
كان خور بير أحمد يومًا نبض الحياة في عدن حيث تتمايل أسراب الأسماك في مياهه الصافية، وتحلّق الطيور المهاجرة في سمائه الزرقاء. ملاذ آمن للكائنات الحية، وشريان معيشة للصيادين الذين يرتزقون من خيراته. لكن اليوم، يخيّم صمت حزين على هذا الخور الجميل؛ فصوت الأسماك خفت، ونحيب الطيور تحوّل إلى حسرة على ما ضاع. 
  • واحة بحرية استثنائية 

يمتد خور بير أحمد أحد أبرز الأراضي الرطبة في عدن، على طول شريط ساحلي يتواصل لعدة كيلومترات، ليُشكّل جزءًا أصيلًا من البيئة البحرية لخليج التواهي. يتميز هذا الخور بخصائص فريدة تُميّزه عن سائر الأراضي الرطبة، إذ يتوغل داخل اليابسة لمسافة تقارب ثلاث كيلومترات، ويضم مسطحات مائية واسعة تكسوها سبخات ومناطق طينية.


يبلغ أقصى عمق للمياه في الخور ثلاثة أمتار خلال المد العالي، وعلى ضفافه الشرقية والشمالية، تترامى مسطحات مدّية رملية وطينية تغمرها مياه البحر عند ارتفاع المد.

شهدت هذه المنطقة مطلع القرن الماضي إنشاء أحواض لصناعة الملح البحري، مما أضاف إلى أهميتها الاقتصادية والتاريخية. 

  • موطن للحياة البحرية 

تقع محمية خور بير أحمد إداريًا ضمن مديرية البريقة، غير أن السيطرة الفعلية على أراضيها ومحيطها تتوزع بين مديرية البريقة والمنطقة الحرة بعدن.


يشتهر الخور بكونه ملجأً آمنًا للعديد من أنواع الطيور المائية المهاجرة خلال فصل الشتاء، بفضل وفرة الغذاء المتنوع الذي يوفره، كالأسماك والقشريات والنباتات البحرية.

كما تستخدمه السلاحف البحرية موقعًا للتغذية. فضلًا عن ذلك، تتميز المحمية بوجود مستعمرات مرجانية وأربعة أنواع على الأقل من الحشائش البحرية تنتشر على جوانبها الشرقية، إضافة إلى ستة أنواع أخرى من الأعشاب البحرية.

البروفيسور شائف محمد قاسم أستاذ كيمياء البيئة والتقييم البيئي بجامعة عدن يحذر من خطر وجودي يهدد محمية الفارسي بالبريقة مؤكداً أن المحمية التي تمثل “رئة عدن” ومستودعها الكربوني فقدت أكثر من 10% من مساحتها (1173 هكتارًا) جراء الزحف العمراني العشوائي ومخيمات النازحين. 

  • مصدر رزق للصيادين 

تُعدّ المحمية موطنًا لأكبر تجمع للسرطانات البحرية في محميات الأراضي الرطبة بعدن، حيث رُصد 22 نوعًا منها إلى جانب نوعين من البرنكل.


يُمثّل خور بير أحمد مصدرًا ثريًا بالأسماك المتنوعة، مما يجعله منطقة جذب للصيادين من مناطق مختلفة في عدن. تُعتبر هذه المحمية منطقة حيوية لتغذية الأسماك وتكاثرها، مما يضمن استدامة الثروة السمكية. لذا أصبح الكثير من الصيادين يعتمد على موارد الخور كمصدر أساسي لمعيشتهم.

يحتل الخور موقعًا استراتيجيًا يُتيح له استقبال كميات كبيرة من المياه الغنية بالمواد العضوية خلال المد العالي، مما يُسهم في نمو الحشائش البحرية والطحالب التي تُشكّل غذاءً لكثير من الكائنات البحرية، ليوفر بيئة مثالية لتكاثر الأسماك والقشريات.

المهندس عبدالسلام الجعبي وكيل الهيئة العامة لحماية البيئة ونقطة الاتصال الوطنية للهيئة الإقليمية للمحافظة على بيئة البحر الأحمر وخليج عدن (بيرسيجا) في تصريح صحفي له خلال نزول ميداني لمحمية الفارسي أوضح أن منطقة “الفارسي” تمثل واحدة من أهم المحطات الاستراتيجية للطيور المهاجرة القادمة من شرق آسيا وأفريقيا، مذكرًا بمكانتها التاريخية والبيئية كواحدة من أبرز المناطق التي كانت تشتهر سابقًا باستزراع الروبيان، قبل أن تواجه اليوم ضغوطًا سكانية تهدد وجودها. 

  • تسيّب وإهمال متعمّد 

بسبب غياب إدارة بيئية فاعلة فقد خور بير أحمد رونقه كموطن غني بالأسماك. فممارسات الصيد الجائر، ولا سيما استخدام الشباك المحظورة، استنزفت المخزون السمكي بشكل كبير. علاوة على ذلك، دُمّرت الشعاب المرجانية التي كانت تُمثّل بيئة حيوية للعديد من الكائنات البحرية.


أثّر تراجع الأحياء البحرية سلبًا على أعداد الطيور المائية التي كانت تعتمد على الخور مصدرًا للغذاء، خاصة خلال فصل الشتاء.

وعلى الرغم من أهميته، لم تُحدَّد حدود محمية خور بير أحمد بشكل واضح على الأرض. هذا الغياب في الترسيم أتاح التوسع العمراني العشوائي داخل نطاق المحمية، مما ضاعف الضغوط عليها. 

  • (الردم) أخطر التهديدات 

تُعدّ عمليات الردم من أشد المخاطر التي تواجه البيئات الشاطئية، بما فيها محمية خور بير أحمد، فالردم يؤدي إلى فقدان الموارد الطبيعية، وتغيير طبيعة البيئة، وتشويه المنظر العام.


إذ شهدت محمية خور بير أحمد، خلال العقود الأخيرة، عمليات ردم واسعة طالت المناطق المدّية وتحت المدّية، مما أثّر بشكل بالغ على مكونات النظام البيئي البحري. أدى الردم واسع النطاق إلى القضاء على قيعان الحشائش البحرية، وتدمير مستعمرات كبيرة من السرطانات البحرية مثل السرطان العابث (Austruca albimana) والسرطان (Cranuca inversa) التي كانت تتميز بتعدادها الكبير في هذه المنطقة.

أسهم التسيّب والإهمال الذي طال محمية خور بير أحمد في تشجيع السكان النازحين من الحديدة على الردم العشوائي لأجزاء واسعة من أراضي المحمية، وإقامة مساكن مؤقتة ودائمة إضافة لتصاعد عمليات الحجز وبيع الأراضي داخل نطاق المحمية، تحت مرأى ومسمع السلطات المحلية.

نتيجة لهذه التعديات تعرّضت المحمية لضغوط شديدة حيث زادت كمية المخلفات الصلبة والسائلة التي تُصرَف فيها، مما هدّد التنوع الحيوي البحري، وخاصة في المناطق المدّية وتحت المدّية. 

  • غياب الرقابة وتجاهل القوانين 

شهدت محمية خور بير أحمد تمددًا كبيرًا لأعمال الردم نتيجة تقاعس الجهات المسؤولة، فمشروع مزارع الأسماك الاستثماري القائم على حدود المحمية، تجاوز المساحة المخصصة له وتوغّل داخل حدودها عام 2018 رغم المناشدات بوقف هذه التعديات.


هذا المشروع كغيره من المشاريع المماثلة في المنطقة نُفّذ دون دراسة تقييم للأثر البيئي مما زاد من الضغط على البيئة الهشة للمحمية.

أسهم مشروع الجسر الحديدي الذي موّلته الحكومة اليابانية في تفاقم الأزمة البيئية التي تعاني منها المحمية. فقد أدّت عمليات الردم الواسعة المرافقة لتنفيذ المشروع إلى تغطية قاع الخور بالأتربة، مما أسفر عن دفن الأحياء البحرية وارتفاع مستوى سطح الماء.

يُؤكّد استمرار هذه التعديات غياب الرقابة الفعّالة من قِبَل الجهات المسؤولة وتجاهلها للقوانين والأنظمة البيئية. فالتصديق على مشاريع ضخمة دون دراسة آثارها البيئية، وتساهل الجهات المعنية مع التعديات على المحميات الطبيعية، يُؤكّد وجود خلل جسيم في آليات إدارة البيئة في المنطقة. 

  • الصيد الجائر يُهدّد المحمية 

يعاني خور بير أحمد من إشكالية الصيد الجائر الذي استهدف العديد من الكائنات البحرية كالأسماك والقشريات وخيار البحر فغياب الرقابة وتطبيق القانون سمح باستغلال هذه الموارد بشكل مفرط وغير مستدام، مما هدّد التنوع البيئي في المحمية.


شهد خور بير أحمد تراجعًا حادًا في أعداد خيار البحر نتيجة الصيد الجائر الذي استهدف هذا النوع طوال العقود الماضية. ورغم أهميته الاقتصادية، بات هذا المورد مُهدّدًا بالانقراض في المحمية.

أسهم استخدام الشباك الخيشومية المحظورة في تفاقم المشكلة، إذ تتسبّب هذه الشباك في اصطياد كميات كبيرة من الأسماك الصغيرة والكائنات البحرية الأخرى.

يعكس استمرار هذه الممارسات غياب دور الجهات المسؤولة في حماية المحمية وتطبيق القانون. 

  • تهديد وجودي للمحمية 

أكّدت الدكتورة جاكلين البطاني رئيسة مركز رؤى للدراسات أن محميات الأراضي الرطبة في عدن تعاني من مجموعة كبيرة ومتنوعة من التحديات، أبرز هذه التحديات التوسع العمراني العشوائي الذي يلتهم مساحات واسعة من هذه المحميات، مما يُشكّل تهديدًا مباشرًا لوجودها.

وأشارت إلى أن بعض المحميات كمحمية الحسوة، تواجه تهديدًا خطيرًا من التلوث، حيث تحوّلت إلى مكبات عشوائية للنفايات، مما أدّى إلى تدهور البيئة البحرية وتعرّض الكائنات الحية للخطر.

وتقول البطاني “في محمية بئر أحمد على سبيل المثال، أقام النازحون مساكن مؤقتة، تحوّلت لاحقًا إلى منازل دائمة. يُسهم سكان هذه المنطقة بشكل كبير في تلويث المحمية من خلال تصريف مياه الصرف الصحي فيها، مما يُشكّل تهديدًا وجوديًا للكائنات البحرية القاطنة فيها”.

المهندس نيازي مصطفى محمود مدير عام الهيئة العامة لحماية البيئة بفرع عدن وصف الوضع في محمية “الفارسي” بمديرية البريقة بـ”الكارثة البيئية والإدارية” محذرًا من اندثار المحمية نهائياً جراء تحويلها إلى حي سكني عشوائي وساحة للمتاجرة غير القانونية بالأراضي من خلال قيام بعض المنظمات الدولية بتقديم دعم (قوارب صيد ومعدات) لهذه التجمعات العشوائية تحت لافتة دعم النازحين والصيادين.

معتبرًا أن هذه الخطوات تساهم في “شرعنة الاستيطان البشري” داخل قلب المحمية الطبيعية وتثبيت العشوائيات، بدلاً من العمل على حماية التنوع البيولوجي.

البروفيسور شائف في تصريح صحفي أكد أن المحمية باتت بيئة “طاردة وقاتلة” للطيور المهاجرة القادمة من أوروبا وأفريقيا بسبب التلوث الحاد بالصرف الصحي والمخلفات الصناعية، مشددًا على أن استنقاذها يتطلب قرارًا سياديًا عاجلًا بضمها لاتفاقية “رامسار” الدولية، حيث تستوفي المحمية 6 معايير عالمية للحماية. 

  • حماية قانونية 
شدّد فهد محمد سعيد المستشار القانوني للهيئة العامة لحماية البيئة على أهمية حماية محميات الأراضي الرطبة في عدن، مبينا أن هذه المسؤولية مشتركة بين عدة جهات منها (وزارة المياه والبيئة، السلطة المحلية، الهيئة الإدارية للمحميات، منظمات المجتمع المدني، والمجتمع المحلي).

وأكّد أن هناك إطارًا قانونيًا وطنيًا ودوليًا قويًا لحماية هذه المحميات، مستندًا إلى قوانين مثل قانون حماية البيئة رقم 26 لسنة 1995واتفاقيات دولية كاتفاقية رامسار للأراضي الرطبة واتفاقية التنوع البيولوجي.

كما تشمل القوانين ذات الصلة قانون المياه رقم 33 لسنة 2000، وقوانين الزراعة والثروة السمكية التي تُنظّم وتحمي الموارد الطبيعية، هذه القوانين إلى جانب العديد من النصوص القانونية الأخرى، تحمي المحميات قانونيًا، لكن تطبيقها الفعلي على أرض الواقع يبقى تحديًا كبيرًا.


رغم وجود الإطار القانوني وبحسب فهد سعيد تُشير جهود حماية المحميات الرطبة إلى تحديات جسيمة (كنقص التمويل، ضعف الكوادر الفنية، آثار الحروب والصراعات، فضلًا عن التحديات المرتبطة بالفساد الإداري والمالي (.

وللتغلب على هذه التحديات اقترح سعيد مجموعة من الآليات لحماية المحميات، منها (الإدارة السليمة للمحميات، مراقبة الأنشطة البشرية، توعية المجتمعات المحلية، التعاون مع المنظمات الدولية، ووضع خطط حماية شاملة).

وفيما يتعلق بالتصرف غير المشروع في أجزاء من هذه الأراضي الخاصة بمحميات عدن الرطبة، اقترح المستشار القانوني للهيئة العامة لحماية البيئة تشكيل لجان مشتركة للتحقيق في هذه الحالات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لاستعادة هذه الأراضي.

وتطرّق فهد سعيد إلى مجموعة من التوصيات، أهمها توفير التمويل الكافي، تدريب الكوادر، تعزيز الشفافية والمساءلة، وإشراك المجتمع المدني في عملية الحماية.

وشدد الجعبي على ضرورة تكاتف الجهود بين الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني لوقف التمدد السكاني في حرم المحميات، لضمان استدامتها وتحويلها إلى مناطق ذات أهمية بيئية واقتصادية في المستقبل القريب. 

  • صمت رسمي وتنصّل من المسؤولية 
سعى مُعدّ هذا التحقيق للتواصل مع المسؤول المباشر عن محمية الفارسي، بهدف استجلاء الأسباب الحقيقية التي أوصلت هذه المحمية إلى هذا المستوى المتقدم من التدهور والخراب البيئي، والاستفسار عن مبررات غياب أي إجراءات فعلية لحماية المحمية وردع المعتدين عليها.

غير أن المسؤول آثر التهرّب من الإجابة والتنصّل من تحمّل أي مسؤولية، تاركًا التساؤلات معلّقة دون إجابات شافية وهو ما يعكس حالة التخاذل الرسمي التي تُلقي بظلالها الثقيلة على مصير هذه الجوهرة البيئية المُهدّدة.

“منصة سَد”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks