
روكب اليوم
دفعت إخفاقات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في توقع هجوم طوفان الأقصى إلى إعادة النظر في أساليب دراسة حركة حماس وفهم توجهاتها، بعدما أظهرت المراجعات التي أعقبت الهجوم قصورا في تقدير تأثير الأفكار الدينية على قرارات الحركة. وقد كشفت صحيفة جيروزاليم بوست، في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن اعتزام جهاز الأمن العام (الشاباك) إنشاء مدرسة متخصصة في الدراسات الإسلامية، بمبادرة من رئيس الجهاز ديفيد زيني. ومن المقرر أن تعمل المدرسة بالتوازي مع المعهد التابع للشاباك لتعليم اللغة العربية، بحيث تستعين بأكاديميين وخبراء ومسؤولين أمنيين حاليين وسابقين، لتدريس الإسلام وتياراته ومذاهبه وتفسيراته، مع التركيز على الموضوعات المرتبطة بالتحديات الأمنية التي يواجهها الجهاز.
وجاءت المبادرة بعدما خلصت المراجعات الإسرائيلية إلى أن أجهزة الاستخبارات لم تستوعب بصورة كافية أيديولوجيا حماس، ولا التطورات التي طرأت على توجهاتها بعد الإفراج عن يحيى السنوار عام 2011، فضلا عن استمرار تأثير أفكار مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين في إستراتيجيتها. فرغم امتلاك إسرائيل معلومات استخبارية عن استعدادات حماس قبيل طوفان الأقصى، فإن الاعتماد على استخبارات الإشارات والقدرات السيبرانية، التي تتيح اعتراض المكالمات والرسائل والاتصالات، جاء على حساب الخبرات المتخصصة في الفكر الإسلامي والثقافة الفلسطينية، ما أسهم في تفسير سلوك الحركة وفق افتراضات فشلت في فهم وتقدير دوافعها وأهدافها.
“خلصت المراجعات الإسرائيلية إلى أن أجهزة الاستخبارات لم تستوعب بصورة كافية أيديولوجيا حماس”
وتتواكب خطوة تأسيس مدرسة الدراسات الإسلامية مع صدور دراسات إسرائيلية تبحث مكانة الأيديولوجيا الدينية في قرارات حماس، وما إذا كانت الأجهزة الأمنية قد بالغت في تقدير تأثير المصالح الاقتصادية ومسؤوليات الحكم على سلوك الحركة، مقابل التقليل من أهمية تصوراتها الدينية بشأن الصراع. وتبرز في هذا السياق دراستان صادرتان عن معهد مائير عميت، ومعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، تتناولان العلاقة بين العقيدة الدينية والحسابات السياسية، وتقدمان تفسيرين مختلفين نسبيا لقرار قيادة حماس شن هجوم طوفان الأقصى.
بين دراستين
في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، نشر مركز معلومات الاستخبارات والإرهاب، المعروف باسم “معهد مائير عميت”، دراسة للباحث أوري روسيت بعنوان “دور الأيديولوجيا الدينية لحماس في تخطيط وتنفيذ هجوم 7 أكتوبر 2023”. ويركز المعهد على جمع وبحث ونشر الدراسات والمعلومات المتعلقة بالتهديدات التي تواجه إسرائيل. وقد اعتمدت الدراسة على تصريحات قادة حركة حماس، ووثائق استولى عليها جيش الاحتلال خلال الحرب في قطاع غزة، فضلا عن الأدبيات الدينية المستخدمة في إعداد عناصر الحركة وتدريبهم. ويحمل المعهد اسم مائير عميت (1921–2009) تكريما لدوره في قيادة وتطوير الاستخبارات الإسرائيلية، فهو جنرال تولى رئاسة شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” بين عامي 1962 و1963، ثم رئاسة الموساد بين عامي 1963 و1968.
أما الدراسة الثانية، فتحمل عنوان “دور الأيديولوجيا في سلوك الفاعلين الإسلاميين”، وصدرت عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي. وتستند الدراسة إلى ندوة عقدها المعهد في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بمشاركة عدد من الباحثين الذين يجمعون بين الخبرة الأكاديمية والعمل في المؤسسات الأمنية والاستخبارية، ومن بينهم راز تسيمت، مدير برنامج الأبحاث الخاص بإيران و”المحور الشيعي” في المعهد، الذي خدم لأكثر من 20 عاما في متابعة الشؤون الإيرانية في الجيش الإسرائيلي، ومائير ليتفاك، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة تل أبيب، والمتخصص في تاريخ إيران والحركات الإسلامية، ومايكل ميلشتاين، رئيس قسم الشؤون الفلسطينية سابقا في شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان”، ورئيس منتدى الدراسات الفلسطينية بمركز موشيه ديان في جامعة تل أبيب، ويوحنان تسوريف، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي، ورئيس القسم الفلسطيني العربي في وزارة الاستخبارات والشؤون الإستراتيجية سابقا.
وتناول النقاش 3 أسئلة أو قضايا رئيسية. أولها هل يستدعي هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول إعادة تقييم وزن التصورات الدينية والأيديولوجية في سلوك الفاعلين الإسلاميين؟ وثانيها، هل يمكن تحديد خصائص مشتركة أو اختلافات في سلوك الفاعلين الإقليميين المتنوعين، وتأثير التصورات الأيديولوجية أو الدينية في صنع قراراتهم؟ وأخيرا، تقديم توصيات سياسية بشأن كيفية التعامل بصورة ملائمة مع الفاعلين الإسلاميين الذين يتحركون انطلاقا من رؤية دينية وثورية للعالم.
“دراسة معهد مائير عميت ترى أن الاعتبارات الدينية أدت دورا حاسما في قرار حماس شن الهجوم”
تختلف طبيعة الدراستين، فدراسة معهد “مائير عميت” تتبنى أطروحة محددة ترى أن الاعتبارات الدينية أدت دورا حاسما في قرار حماس شن الهجوم، وأن الحركة شهدت ميلا نحو تصورات أقرب إلى “التيارات الجهادية”. أما دراسة معهد الأمن القومي فتعرض نقاشا بين باحثين لا يتفقون جميعا على وزن العامل الديني، إذ يرى بعضهم أن الأيديولوجيا تعرضت للتهميش في التقديرات الإسرائيلية، بينما يعتبر آخرون أن قرار الهجوم يمكن تفسيره بحسابات إستراتيجية مرتبطة بالقضية الفلسطينية والتوازنات الإقليمية. وتسمح المقارنة بين الدراستين بفهم طبيعة هذا الجدل المهم داخل الأوساط الإسرائيلية.
الجذور الفكرية لحماس
ترجع دراسة معهد مائير عميت الأسس الأيديولوجية لحماس إلى نشأتها في ديسمبر/كانون الأول 1987 بوصفها امتدادا فلسطينيا لجماعة الإخوان المسلمين، وتستند إلى الميثاق التأسيسي الصادر عام 1988، الذي عرف الإسلام على أنه المرجعية التي تستمد منها الحركة أفكارها وتصوراتها، واعتبر فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز التنازل عن أي جزء منها. وقد جمع الميثاق بين تعريف القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر من الاحتلال، وإضفاء طابع ديني على الصراع مع إسرائيل، والاستناد إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية لتأكيد مشروعية القتال وأهميته.
وتشير الدراسة إلى تأثير عدد من الشخصيات والتيارات الإسلامية في تكوين رؤية الحركة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، والشيخ يوسف القرضاوي، والدكتور عبد الله عزام الذي أدى دورا بارزا في التعبئة للجهاد الأفغاني خلال ثمانينيات القرن الماضي. وتولي الدراسة عناية خاصة لأفكار عزام بشأن الجهاد والاستشهاد، منوهة إلى أن تأثيرها امتد إلى مناهج إعداد مقاتلي كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحماس، إلى جوار الأدبيات الإخوانية المتعلقة بالدعوة والتربية والعمل الاجتماعي. ومن هذا المنظور، يتم التعامل مع حماس بوصفها تنظيما عسكريا نشأ استجابة للاحتلال، فضلا عن كونها حركة ذات مشروع ديني وسياسي تتداخل فيه أهداف التحرر الوطني مع تصورات أشمل عن دور الإسلام في المجتمع والدولة.
وفي المقابل، يثير باحثو معهد دراسات الأمن القومي سؤالا عن مدى دقة تصنيف حماس ضمن جماعة الإخوان المسلمين. فقد اعتبر بعض المشاركين في الندوة أن الحركة باتت أقرب إلى “التنظيمات الجهادية” من حيث تصورها للصراع والاستعداد لدفع أثمان مرتفعة لتحقيق أهدافها، بينما رأى آخرون أن هويتها الوطنية الفلسطينية تعززت على حساب الخطاب الإسلامي، خصوصا بعد عزل الرئيس المصري الراحل محمد مرسي عام 2013. ويشير هذا الاختلاف إلى صعوبة التعامل مع حماس من خلال تصنيف ثابت، بالنظر إلى جمعها بين العمل الدعوي والاجتماعي والمشاركة السياسية والنشاط العسكري، فضلا عن تأثر خطابها بالتطورات التي شهدتها القضية الفلسطينية وعلاقات الحركة الإقليمية.
هل غيرت حماس أيديولوجيتها عام 2017؟
في مايو/أيار 2017، أصدرت حماس “وثيقة المبادئ والسياسات العامة”، التي عرفت الحركة بأنها حركة تحرر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية، وأبدت قبولا بإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 باعتبارها صيغة للتوافق الوطني، دون الاعتراف بشرعية إسرائيل أو التخلي عن المطالبة بفلسطين التاريخية. كما ميزت الوثيقة بين اليهود بوصفهم أتباع ديانة، والصهيونية بوصفها مشروعا سياسيا، بخلاف صياغات الميثاق التأسيسي التي تضمنت قدرا من التعميم.
وترى دراسة معهد مائير عميت أن هذه التعديلات جاءت في سياق أزمة واجهتها الحركة، ما دفعها لمحاولة إظهار قدر أكبر من المرونة دون تغيير أهدافها الرئيسية. وتستند الدراسة في هذا التفسير إلى مواصلة التأكيد على المقاومة المسلحة ورفض الاعتراف بإسرائيل. ورأى بعض الباحثين المشاركين في نقاش معهد الأمن القومي أن الحركات الأيديولوجية يمكن أن تعدل مواقفها بمرور الوقت نتيجة احتكاكها بالواقع، وأن وثيقة 2017 تضمنت انتقالا من تعريف الصراع بمفاهيم دينية إلى تقديمه في إطار وطني فلسطيني. وتكمن أهمية هذا الخلاف في ارتباطه بسؤال ما إذا كانت التعديلات الواردة في الوثيقة الجديدة تمثل خطوات نحو تغيير الأهداف بعيدة المدى، أم هي مجرد وسائل تكتيكية تستخدمها الحركة لتحقيق تلك الأهداف في ظروف أكثر ملاءمة.
“يرى معهد دراسات الأمن القومي أن وثيقة 2017 تضمنت انتقالا من تعريف الصراع بمفاهيم دينية إلى تقديمه في إطار وطني فلسطيني”
تولي دراسة “مائير عميت” اهتماما كبيرا بدور المؤسسات التعليمية والتربوية في ترسيخ التصورات الدينية لدى أعضاء حماس، وتعتبر أن سيطرة الحركة على قطاع غزة منذ عام 2007 أتاحت لها تعزيز تأثيرها في التعليم الرسمي وغير الرسمي، عن طريق المدارس والجامعات والمخيمات الصيفية والبرامج المخصصة لإعداد عناصر جناحها العسكري. وتستشهد بالمادة السادسة عشرة من ميثاق الحركة، التي تؤكد أهمية تنشئة الأجيال على التعاليم الإسلامية ودراسة التاريخ والتراث، إلى جانب التعرف على قدرات الخصم ونقاط قوته وضعفه ومتابعة التطورات في المنطقة.
وتتناول دور الجامعة الإسلامية في غزة، التي تأسست عام 1978 وارتبط بها عدد من قيادات حماس، فضلا عن المخيمات الصيفية التي نظمتها الحركة وجمعت بين الأنشطة الدينية والتدريبات البدنية. كما تشير إلى المناهج المستخدمة في تدريب مقاتلي كتائب القسام، مستشهدة بمواد تعليمية منسوبة إلى أكاديمية عبد الله عزام العسكرية التابعة لحماس، تجمع بين التدريب على استخدام الأسلحة ودروس تتناول الجهاد والاستشهاد. ومن وجهة نظر المعهد، فإن هذه الأنشطة تهدف إلى تشكيل تصور منتسبي حماس لطبيعة الصراع ومفهوم التضحية والنتائج المرجوة من المواجهة.
وتستدل الدراسة على دور هذه التصورات في الإعداد لهجوم أكتوبر بما تسميه “الحقيبة التعبوية”، التي تقول إن جيش الاحتلال عثر عليها بحوزة عناصر من قوات النخبة التابعة لحماس. واحتوت الحقيبة على مصحف صغير يحمل صورة المسجد الأقصى، وخمسة كتب وكتيبات تتناول الجهاد والاستشهاد والأحكام الشرعية المتعلقة بالقتال، ما يؤكد اهتمام قيادة الحركة بالإعداد الديني والنفسي للمقاتلين، بالتوازي مع الإعداد العسكري.
“وعد الآخرة” في إستراتيجية السنوار
من أبرز القضايا التي تتناولها دراسة مائير عميت استخدام حماس مصطلح “وعد الآخرة”، المستمد من سورة الإسراء، للإشارة إلى تصور ديني يرتبط بمستقبل الصراع مع إسرائيل. ووفق الدراسة، تبنت الحركة تفسيرا يربط الآيات القرآنية المتعلقة ببني إسرائيل بزوال السيطرة الإسرائيلية على فلسطين، واستخدمت هذا التصور في خطابها، خصوصا في السنوات التي سبقت هجوم أكتوبر.
وفي 30 سبتمبر/أيلول 2021، عقدت حماس في غزة مؤتمرا بعنوان “وعد الآخرة: فلسطين بعد التحرير”، برعاية يحيى السنوار، وناقش المشاركون فيه ترتيبات إدارة فلسطين في مرحلة افتراضية تلي إنهاء السيطرة الإسرائيلية عليها. وتستشهد الدراسة بكلمة للسنوار ألقاها نيابة عنه عضو المكتب السياسي كمال أبو عون، أكد فيها أن قيادة الحركة ترى التحرير هدفا قريبا وتعمل على الاستعداد لما بعده.
وكذلك تشير الدراسة إلى رسالة مؤرخة في 19 يونيو/حزيران 2022، نُسِبَت إلى السنوار ووُجِّهَت إلى إسماعيل هنية، تضمنت 3 سيناريوهات لمواجهة إقليمية، أحدها حمل اسم “معركة وعد الآخرة”، بمشاركة حزب الله اللبناني وأطراف أخرى. كما تستشهد بأمر الاستعداد الذي أصدره عز الدين الحداد، في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي استهل بالإشارة إلى الإيمان بوعد الآخرة ونصر الله، قبل إعلان بدء عملية الطوفان. ويرى المعهد أن تكرار هذه المفردات في المراسلات والخطط والأوامر العسكرية يوضح أن الخطاب الديني كان حاضرا في تصور قادة القسام لأهداف المعركة، ولم يكن مجرد خطاب تعبئة.
رغم ذلك، تقر دراسة معهد “مائير عميت” بأن قرار السنوار ومحمد الضيف شن الهجوم استند إلى اعتبارات سياسية وعسكرية، من بينها السعي إلى تعطيل مسار التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل، وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، وتغيير الأوضاع في قطاع غزة، والاستفادة من الانقسامات الداخلية الإسرائيلية التي صاحبت الاحتجاجات على التعديلات القضائية. لكنها تشدد على أن هذه العوامل لا تفسر بمفردها استعداد قيادة حماس للمضي في عملية كان من المتوقع أن تؤدي إلى رد عسكري إسرائيلي هائل.
وتستشهد الدراسة بوثيقة بخط اليد منسوبة إلى السنوار، مؤرخة في 24 أغسطس/آب 2022، تتناول احتمال استخدام إسرائيل قوة عسكرية مدمرة ردا على الهجوم، بما في ذلك احتمال استخدام سلاح نووي. وترى أن استمرار السنوار في التخطيط للهجوم رغم إدراكه حجم المخاطر يكشف أن التصورات المتعلقة بالاستشهاد والتضحية أسهمت في تقليل الوزن الذي منحته قيادة الحركة للخسائر المحتملة.
“يمكن للفاعل السياسي أن يتخذ قرارا يستند إلى حسابات محددة، ثم يتبين لاحقا أن افتراضاته بشأن ردود فعل الخصوم والحلفاء لم تكن صحيحة”
وفي المقابل، تعرض ندوة معهد دراسات الأمن القومي تفسيرا مختلفا. فقد رأى بعض المشاركين في النقاش أن السنوار تصرف وفق حسابات إستراتيجية، انطلاقا من اعتقاده بأن استمرار السياسات الإسرائيلية سيؤدي إلى فرض وقائع يصعب تغييرها، وأن تنفيذ عملية كبيرة قد يعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي. ووفق هذا الاتجاه، فإن خطة الهجوم ربما كانت “غير دقيقة” في تقدير العواقب، لكنها لا تصبح غير عقلانية بسبب عدم تحققها، إذ يمكن للفاعل السياسي أن يتخذ قرارا يستند إلى حسابات محددة، ثم يتبين لاحقا أن افتراضاته بشأن ردود فعل الخصوم والحلفاء لم تكن صحيحة.
لماذا أخفقت إسرائيل؟
من القضايا التي حظيت باهتمام المشاركين في نقاش معهد الأمن القومي التمييز بين “البراغماتية” و”الاعتدال الأيديولوجي”. فقد أشار بعض المشاركين إلى أن الأجهزة الإسرائيلية فسرت انخراط حماس في إدارة قطاع غزة، واهتمامها بتوفير الخدمات العامة، وسعيها للحصول على تسهيلات اقتصادية، باعتبارها مؤشرات على أن الحركة أصبحت أكثر اهتماما بالحفاظ على سلطتها وأقل استعدادا للمغامرة. واستند هذا التصور إلى افتراض مفاده أن مسؤوليات الحكم تفرض على التنظيمات المسلحة قيودا تدفعها بمرور الوقت إلى تعديل سلوكها وأهدافها.
وفي المقابل، اعتبر مشاركون آخرون أن هذا الاستنتاج يقوم على فهم غير دقيق للعلاقة بين الأيديولوجيا والمصالح، لأن الحركات الدينية قد تستخدم الوسائل البراغماتية لتحقيق أهداف أيديولوجية ثابتة. فمن الممكن أن تقبل بتهدئة مؤقتة أو تسوية مرحلية، وأن تنخرط في إدارة المؤسسات وتطوير الخدمات، دون أن يعني ذلك تخليها عن أهدافها بعيدة المدى. وفي هذا السياق، شدد المشاركون على أن البراغماتية تتعلق باختيار الوسائل الملائمة لتحقيق الأهداف، لا تغيير الأهداف.
فيما أشار اتجاه آخر داخل النقاش إلى أن التفاعل مع الواقع قد يؤدي إلى تحولات أيديولوجية، وأنه لا يجوز افتراض ثبات أفكار التنظيمات إلى الأبد. واستشهد بعض المشاركين بتجارب تاريخية شهدت تغيرا في مواقف حركات وأنظمة ذات توجهات عقائدية، معتبرين أن دراسة سلوك حماس ينبغي أن تترك مجالا لاحتمال التغير، بدل تفسير كل خطوة تتخذها الحركة على أنها خداع مقصود.
لا تقتصر الانتقادات التي تتضمنها دراستا مائير عميت ومعهد الأمن القومي على تقدير نوايا حماس، بل تمتد إلى المناهج المستخدمة في تحليل سلوك الخصوم. فقد أشار باحثون مشاركون في نقاش معهد الأمن القومي إلى تراجع إتقان اللغة العربية والمعرفة بتاريخ المنطقة وثقافتها لدى قطاعات من العاملين في المؤسسات الأكاديمية والإعلامية والاستخبارية الإسرائيلية، بالتزامن مع تنامي الاعتماد على البيانات الضخمة والترجمة الآلية والتقنيات الحديثة. ومن ثم أصبح بعض المحللين قادرين على معالجة كميات كبيرة من المعلومات دون امتلاك المعرفة اللازمة لفهم السياق الثقافي والفكري الذي تتحرك فيه الجهات محل الاهتمام.
وتتناول دراسة مائير عميت ذات المشكلة من خلال مفهوم “الصورة المرآوية” (Mirror Imaging)، الذي يشير إلى ميل المحلل إلى تفسير سلوك الطرف الآخر وفق منظومة القيم والافتراضات التي تحكم تفكيره هو. فعندما يفترض المحلل أن الخصم يمنح الأولوية للحفاظ على الموارد الاقتصادية أو تجنب الخسائر البشرية أو تحقيق الاستقرار، فقد يستبعد احتمالات تبدو له غير منطقية، رغم أنها قد تكون منسجمة مع تصور الطرف الآخر لأهدافه ومصالحه. وقد أسهم هذا النمط من التفكير في تقليل أهمية بعض المؤشرات المتعلقة باستعداد حماس لتنفيذ عملية الطوفان.
“تفسير سلوك حماس بالاستناد إلى أيديولوجيتها وحدها لا يكفي لفهم توقيت الهجوم أو اختيار أهدافه”
ولا تعني معالجة هذا الخلل استبدال التفسير الاقتصادي والسياسي بتفسير ديني شامل، فالمبالغة في وزن الأيديولوجيا قد تؤدي إلى تجاهل الخلافات داخل التنظيمات، والتغيرات التي تطرأ على مواقفها، والقيود التي تفرضها موازين القوى. كما أن تفسير سلوك حماس بالاستناد إلى أيديولوجيتها وحدها لا يكفي لفهم توقيت الهجوم أو اختيار أهدافه أو تقديرات قيادتها لمواقف إيران وحزب الله. ولذلك، فإن القيمة التحليلية الأهم للنقاش الإسرائيلي تتمثل في الدعوة إلى الجمع بين دراسة الأفكار والوثائق والتصريحات من جهة، وتحليل القدرات والمصالح والظرف السياسي من جهة أخرى.
من مراجعة الإخفاق إلى تطوير الاستخبارات
تكشف مبادرة الشاباك لإنشاء مدرسة للدراسات الإسلامية عن محاولة لترجمة بعض الاستنتاجات التي توصلت إليها المراجعات الإسرائيلية، إلى تغييرات في طريقة إعداد الكوادر الأمنية. إذ يهدف المشروع إلى تطوير المعرفة بالإسلام وتياراته، والتصورات الدينية التي تؤثر في سلوك التنظيمات والحركات الإسلامية، بهدف تعزيز الخبرات القادرة على تفسير المعلومات وربطها بالخلفيات الفكرية والأيديولوجية والثقافية لأصحابها.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الدراستين المذكورتين بوصفهما تعبيرا عن مستويات مختلفة من مراجعة الإخفاق الاستخباري الإسرائيلي. فدراسة مائير عميت تسعى إلى إعادة الاعتبار للأيديولوجيا الدينية بوصفها عنصرا رئيسيا في تفسير قرارات حماس، بينما تناقش ندوة معهد دراسات الأمن القومي حدود الفصل بين الدوافع العقائدية والمصالح الإستراتيجية.
وتكشف هذه المراجعات عن إدراك الأوساط الأمنية والبحثية الإسرائيلية لقصور المقاربات التي اختزلت سلوك الحركات الإسلامية في حسابات المصالح المادية والاعتبارات السياسية والاقتصادية، كما توضح حجم الخلاف بشأن الوزن الذي ينبغي منحه للأيديولوجيا في تفسير قرارات تلك الحركات. واللافت أن هذه النقاشات تجري في إطار مراجعة إسرائيلية تركز على أسباب الإخفاق في توقع هجوم طوفان الأقصى، ولا تمثل مراجعة أشمل للسياسات الإسرائيلية أو لدور الاحتلال والصراع الممتد في تشكيل سلوك الفاعلين الفلسطينيين.

