Site icon روكب اليوم

“مسيرة الحماقة” التي تهدد مكانة واشنطن ومصالحها |

epa 6a6397924e7e 1784911762

روكب اليوم

يرى الصحفي البريطاني أمبروز إيفانز بريتشارد أن التدخل الأمريكي في المنطقة لم يؤد إلى تحقيق مكاسب إستراتيجية واضحة، بل تسبب في استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة، وفتح المجال أمام خصومها لتعزيز نفوذهم.

وأوضح الكاتب -في مقال بصحيفة تلغراف- أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاه إيران تمثل نموذجا جديدا لما وصفته المؤرخة باربرا توكمان بـ”مسيرة الحماقة”، أي اندفاع القوى الكبرى نحو قرارات عسكرية وسياسية تتعارض مع مصالحها الذاتية نتيجة سوء تقدير العواقب والاعتماد على أوهام القوة.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

واستند المقال إلى تجارب تاريخية وثقتها توكمان، من بينها أخطاء القوى الأوروبية في عصر النهضة، وقرارات بريطانيا التي أدت إلى استقلال المستعمرات الأمريكية، إضافة إلى تجربة الولايات المتحدة في حرب فيتنام، ليؤكد أن القاسم المشترك بينها هو تجاهل صناع القرار للتحذيرات، وعدم فهم طبيعة الخصوم، والإصرار على خيارات عسكرية كان يمكن تجنبها بقدر أكبر من الحكمة والدبلوماسية.

ويشير الكاتب إلى أن الحرب مع إيران أدت إلى استنزاف كبير في مخزونات الأسلحة الأمريكية، رغم التحذيرات التي قدمها قادة عسكريون بشأن تأثير ذلك في قدرة واشنطن على مواجهة تحديات مستقبلية، خصوصا في ظل التنافس مع الصين وروسيا.

اتساع نطاق المواجهات أدى إلى تهديد إمدادات الطاقة العالمية (الفرنسية)

صراع يصعب الخروج منه

واستعرض إيفانز بريتشارد تقديرات عسكرية تفيد بأن الولايات المتحدة استهلكت جزءا كبيرا من مخزونها من صواريخ الدفاع الجوي والهجوم بعيد المدى، وأن إعادة بناء هذه الترسانة قد تحتاج إلى سنوات.

ويعتقد الكاتب أن إدارة ترمب وجدت نفسها عالقة في صراع يصعب الخروج منه، في حين يسعى الحرس الثوري الإيراني إلى استثمار التطورات الميدانية وفرض شروطه.

ويرى أن اتساع نطاق المواجهات ليشمل البحر الأحمر ومناطق أخرى من الشرق الأوسط أدى إلى تهديد إمدادات الطاقة العالمية، حيث تعرضت منشآت وناقلات نفط وغاز لهجمات، مما انعكس على أسعار الطاقة والأسواق المالية.

ويحذّر المقال من أن ارتفاع أسعار النفط لا يعكس وحده حجم الأزمة، إذ إن اضطرابات الإمدادات وتراجع قدرات التكرير العالمية تسببا في ارتفاع تكاليف الوقود، وهو ما قد يغذي موجة تضخمية جديدة في الولايات المتحدة.

ويربط الكاتب بين هذه التطورات وارتفاع عوائد السندات الأمريكية، وتأثير ذلك على أسواق الرهن العقاري وتمويل الشركات، معتبرا أن تداعيات الحرب قد تمتد إلى الاقتصاد الأمريكي قبل الانتخابات النصفية.

ضربات لم تحقق الهدف

وفي تقييمه للنتائج السياسية والعسكرية للحرب، يرى الكاتب أن الضربات التي استهدفت القيادة الإيرانية لم تحقق الهدف المتوقع، بل أدت إلى تعزيز تماسك النظام الإيراني وتحويل الصراع إلى عامل يوحد قطاعات من الشعب الإيراني في مواجهة تهديد خارجي.

كما نقل عن محللين أن إضعاف القيادة السابقة قد يؤدي إلى صعود تيار عسكري قومي أكثر تشددا داخل إيران، وربما يزيد من احتمالات التوجه نحو تطوير برنامج نووي عسكري.

ويؤكد المقال أن الخيار الدبلوماسي كان متاحا، مشيرا إلى أن إيران كانت ملتزمة بالاتفاق النووي الموقّع خلال إدارة الرئيس السابق باراك أوباما قبل انسحاب ترمب منه، وأن الولايات المتحدة لم تقدم بديلا واضحا بعد إلغاء الاتفاق، بل كانت ترغب في تحقيق انتصار سياسي كامل بدل التوصل إلى تسوية قابلة للاستمرار.

وقد كشفت الحرب -كما يرى الكاتب- حدود القوة الأمريكية، خصوصا فيما يتعلق بالقدرة على خوض صراعات متعددة في آن واحد، وظهر أن السيطرة على إيران عسكريا ستكون مهمة شديدة الصعوبة، نظرا لحجم البلاد وطبيعتها الجغرافية وقدراتها العسكرية، كما أن أي محاولة لفرض تغيير جذري للنظام ستتطلب موارد بشرية وعسكرية ضخمة لا تبدو متوفرة ولا مقبولة سياسيا.

غياب الرؤية الإستراتيجية قد يحوّل الانتصارات التكتيكية إلى خسائر بعيدة المدى (رويترز)

مصدر للمخاطر بدل الحماية

ويذهب الكاتب إلى أن الأزمة ألحقت ضررا بمصداقية الولايات المتحدة لدى حلفائها في الخليج، وأصبحت بعض الدول تنظر إلى الوجود العسكري الأمريكي باعتباره مصدرا للمخاطر بدل الحماية، مما قد يدفعها إلى تعزيز علاقاتها مع الصين، التي أصبحت شريكا اقتصاديا رئيسيا للعديد من الدول المنتجة للطاقة.

وعلى المستوى الدولي، يعتقد المقال أن سياسات ترمب ساهمت في إضعاف التحالف الغربي، ومنحت بكين فرصة لتعزيز صورتها كقوة أكثر استقرارا ومسؤولية، كما أن صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب ستسرّع التحول العالمي نحو مصادر الطاقة البديلة والتكنولوجيا الكهربائية، مما يفيد الصين باعتبارها قوة رائدة في مجالات الطاقة النظيفة والبطاريات.

وخلص إيفانز بريتشارد إلى أن الحرب على إيران تقدم مثالا جديدا على القرارات التي تتخذها القوى العظمى تحت تأثير الثقة المفرطة بالقوة، محذرا من أن الولايات المتحدة بدلا من الحفاظ على موقعها القيادي في النظام العالمي قد تكون ساهمت في إضعاف نفوذها وتعزيز مواقع منافسيها.

وانتهى إلى أن الدرس الأساسي من هذه الأزمة هو أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق أهداف سياسية، وأن غياب الرؤية الإستراتيجية قد يحوّل الانتصارات التكتيكية إلى خسائر بعيدة المدى.

Exit mobile version