روكب اليوم
2026-10-24 09:28:00

في مدينة أوسنابروك غرب ألمانيا، يستعد مصنع فولكسفاغن، الذي يمتد تاريخه إلى 125 عاماً، لمرحلة جديدة بعدما تقرر وقف إنتاج السيارات فيه بحلول صيف 2027، وفي سبتمبر اتفقت الشركة على شروط بيع المصنع إلى تحالف يضم شركة «أوريليوس كابيتال»، وولاية سكسونيا السفلى الألمانية، مع خطط لإنتاج معدات للدفاع الجوي، ربما على غرار منظومة «القبة الحديدية».
وقال الرئيس التنفيذي لفولكسفاغن، أوليفر بلومه، في بيان: «تتمسك فولكسفاغن بمسؤوليتها تجاه أوسنابروك، ومن خلال الاتفاق الذي أُبرم اليوم، نتخذ خطوة مهمة نحو فتح آفاق صناعية جديدة لهذا الموقع».
ويعكس هذا التحول ضغوطاً متزايدة على شركات السيارات الألمانية، مع توسع المنافسين الصينيين في الأسواق الأوروبية وتراجع أداء العلامات الألمانية في الصين، وأعلنت فولكسفاغن انخفاض تسليماتها العالمية بنسبة 14.3% في الربع الثالث، فيما هبطت تسليماتها في الصين بنسبة 38.5%، في أسوأ أداء فصلي لها منذ أكثر من أربع سنوات، وبلغت الحصة السوقية المجمعة لشركات السيارات الصينية في أوروبا الغربية 13.1% خلال أغسطس، بزيادة 5.5 نقطة مئوية على أساس سنوي، وفق تقديرات «سيتي»، بحسب صحيفة «نيكي آسيا» اليابانية.
وقال ماتياس شميدت، من شركة «شميدت لأبحاث السيارات»: «تمثل هذه الخطوة محاولة أخيرة من ولاية سكسونيا السفلى للإبقاء على المصنع قيد التشغيل ومنع خفض الوظائف، ولا شك في أن شركات الدفاع هي التي تملك أوراق الضغط، وليس شركات صناعة السيارات».
وأضاف أن الاستراتيجية طويلة الأجل لشركات السيارات الألمانية تقوم على زيادة الإنتاج في أميركا الشمالية والصين، وتطوير منتجات تناسب الأسواق المحلية، مشيراً إلى أن «عصر تصنيع سيارة في أوروبا وتصديرها إلى جميع أنحاء العالم انتهى، باستثناء الطرازات الفاخرة التي تُنتج بأعداد محدودة».
ودفعت هذه التطورات قادة أوروبيين، بينهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، إلى المطالبة بتعزيز إجراءات الحماية التجارية، وتوصل الاتحاد الأوروبي والصين، في وقت سابق من أكتوبر، إلى تفاهم بشأن السيارات الهجينة، يتضمن حصة أولية للصين تبلغ 350 ألف سيارة، ترتفع بنسبة 6% سنوياً.
لكن مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش حذّر من أن الاتفاق «ليس سوى الخطوة الأولى» نحو معالجة العجز التجاري اليومي للتكتل مع الصين، الذي يتجاوز مليار دولار.
إلى جانب المنافسة الصينية، أسهم الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 في تسريع التحول نحو الصناعات الدفاعية، وأصبحت ألمانيا أكبر دولة إنفاقاً على الدفاع بين الأعضاء الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي.
وقالت الرابطة الألمانية لصناعة السيارات إن شركات القطاع تتلقى استفسارات متزايدة بشأن إمكانية استخدام خطوط الإنتاج الحالية في تصنيع الأسلحة أو تحويلها لهذا الغرض، وتعمل الرابطة الاتحادية لصناعة الأمن والدفاع الألمانية على معالجة هذه المسألة من خلال مبادرة «أوتو تو ديفنس»، التي تستهدف الاستفادة من العمال والمصانع والخبرات الفنية المتاحة في قطاع السيارات.
وقال جوشوا كريبس، الرئيس التنفيذي لشركة «دبليو كيه» للتوظيف، إن خفض الوظائف لدى شركات السيارات يؤثر أيضاً في الموردين، ويهدد وظائف هندسية وإدارية، بينما يقدم قطاع الدفاع تعويضات أعلى للعمال المهرة، خصوصاً في المهن اليدوية مثل اللحام.
وتتوسع هذه التحولات في ألمانيا، فقد وافقت شركة «فورفيا» في يونيو على نقل منشأتها في أوغسبورغ إلى شركة «جنرال دايناميكس للأنظمة البرية الأوروبية»، المتخصصة في المركبات العسكرية وأنظمة المدفعية، كما تعمل «راينميتال» على تحويل منشأة «بيربورغ» السابقة إلى مصنع لذخائر المدفعية، وتتعاون مع «كونتيننتال» لاستيعاب بعض الموظفين المتأثرين بإعادة الهيكلة.
وتجري «مرسيدس-بنز»، بحسب تقارير، محادثات مع شركة «كيه إن دي إس» الألمانية الفرنسية لصناعة الدبابات للتخلي عن مصنع للشاحنات الصغيرة قرب العاصمة برلين، وفي مارس أطلقت شركة «هينسولدت» المتخصصة في الإلكترونيات الدفاعية شراكة مع مورد السيارات «أوموفيو»، تتيح لها استقطاب مئات العمال المهرة.
وقال الرئيس التنفيذي لهينسولدت، أوليفر دوريه: «يشهد الطلب على تكنولوجيا الدفاع الحديثة نمواً قوياً للغاية، ومعه تزداد حاجتنا إلى مهندسين ذوي كفاءة عالية».
وأضاف: «تتوافق العديد من المهارات المتاحة في صناعة السيارات، مثل تطوير الأنظمة والبرمجيات والإلكترونيات، تماماً مع التكنولوجيا التي نطورها».
رغم تنامي هذه المبادرات، يحذر الخبراء من أن تحويل مصانع السيارات إلى منشآت دفاعية ليس عملية بسيطة، وأن تجربة أوسنابروك قد لا تصلح نموذجاً لجميع المصانع، فالمنشأة متخصصة في الأعمال المعدنية والمكونات والتعديلات المحدودة على السيارات، ما يجعل تحويلها إلى إنتاج دفاعي أسهل نسبياً من تحويل مصانع الإنتاج الضخم.
وقال بيتر فيزمان، الباحث البارز في برنامج نقل الأسلحة بمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، إن خصائص المصنع قد تتيح تحويله بسرعة أكبر لإنتاج مكونات مثل هياكل الصواريخ أو المشغلات الميكانيكية، مقارنة بخطوط التجميع المعتمدة بكثافة على الإلكترونيات.
بدورها، أكدت نقابة «آي جي ميتال» أن الصناعات الدفاعية تختلف جوهرياً عن صناعة السيارات، التي تعتمد على الإنتاج الضخم وسلاسل الإمداد السريعة وخفض التكاليف.
وقال يان مينتروب، المتحدث باسم النقابة والمشارك في مفاوضات العمل الجماعية المتعلقة بمصنع أوسنابروك: «تتبع الصناعات الدفاعية منطقاً مختلفاً تماماً».
وأضاف أن بعض التقنيات تتداخل بين القطاعين، مثل أنظمة الدفع وأجهزة الاستشعار وشبكات الأسلاك، لكن تصنيع أنظمة عسكرية متقدمة، مثل أنظمة التحكم في إطلاق النار وتقنيات التشفير والاتصالات الآمنة، يتطلب تطوير بيئات اختبار وبنى أمنية متخصصة.
وأشار إلى أن سلاسل الإمداد المترابطة والبنية التحتية الرقمية في مصانع السيارات قد تتحول إلى نقاط ضعف من المنظور العسكري، مضيفاً: «يجب أن يظل الإنتاج مستمراً حتى في مواجهة التهديدات الهجينة والهجمات السيبرانية والتخريب والاضطرابات اللوجستية».
في موازاة التحول إلى الصناعات الدفاعية، تبرز إمكانية استفادة شركات السيارات الصينية من الطاقة الإنتاجية غير المستغلة لدى منافسيها الأوروبيين، سواء من خلال التصنيع التعاقدي أو الاستحواذ على خطوط إنتاج.
وفي مايو، أفادت تقارير بأن شركة «إكس بينغ» الصينية للسيارات الكهربائية أجرت محادثات مع فولكسفاغن بشأن الاستحواذ على طاقة إنتاجية فائضة في أوروبا، لكن بلومه قال آنذاك إنه لا توجد «حالياً أي خطط أو محادثات مع شركات صينية مصنعة»، مع إقراره بوجود طاقة إنتاجية فائضة.
وقال متحدث باسم إكس بينغ إن الشركة تنتج أربعة طرازات لدى شركة «ماغنا» في النمسا، مؤكداً أنها تجري محادثات مع شركاء محتملين لتوسيع إنتاجها في أوروبا.
ويرى ماتياس شميدت أن فولكسفاغن قد تدرس مستقبلاً إنتاج سيارات في ألمانيا انطلاقاً من طرازات صينية تُطرح حالياً في السوق الصينية فقط، مثل «فولكسفاغن آي دي أونيكس 09»، وهي سيارة سيدان كهربائية فاخرة تنتجها الشركة عبر مشروعها المشترك مع شركة «جاك» الصينية المملوكة للدولة.
وقد يساعد هذا الخيار على رفع معدلات استغلال الطاقة الإنتاجية ونقل أساليب التصنيع منخفضة التكلفة المستخدمة في الصين إلى أوروبا، لكن متحدثاً باسم فولكسفاغن وصف هذه الطروحات بأنها «مجرد تكهنات لم تشجعها الشركة صراحة»، مضيفاً أن هذا الخيار «غير مرجح إلى حد كبير» في ظل الظروف الحالية.
مع سعي شركات السيارات الألمانية إلى الحفاظ على إرث صناعي يمتد لأكثر من قرن، يبدو أن التوتر التجاري مع الصين سيستمر، وتعهد شيفتشوفيتش بأن الاتحاد الأوروبي «سيستخدم أدواته لضمان إعادة التوازن، عندما لا يحقق الحوار النتائج المرجوة».
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن التكتل سيعمل على إعداد آلية جديدة لتنويع التجارة بحلول ديسمبر، بهدف معالجة الاختلال التجاري وتقليل الاعتماد على الصين، إلى جانب آلية تضامن لمواجهة حالات الإكراه أو الانتقام الاقتصادي التي قد تتعرض لها الدول الأعضاء.
لكن كريستينا فانبرغن، رئيسة قطاع الدبلوماسية في جامعة يريفان الحكومية بأرمينيا والخبيرة في شؤون المفوضية الأوروبية، دعت إلى اتباع سياسة تجارية أكثر حزماً تجاه الصين.
وقالت: «من حق أوروبا حماية مصالحها الاقتصادية، لكن الاستعراض ليس استراتيجية».
وأضافت: «إن السياسة التجارية التي تتجاهل التداعيات الانتقامية وشبكة الاعتماد المتبادل ستضر بالصناعات نفسها التي تزعم حمايتها».
ومن المقرر أن يعقد كبار المفاوضين من الاتحاد الأوروبي والصين جولة جديدة من المحادثات في أوائل العام المقبل.
