روكب اليوم
2026-10-04 13:13:00

تشير استطلاعات رئيسية لقياس معنويات الأميركيين إلى تراجع واضح في نظرتهم إلى الاقتصاد أو أوضاعهم المالية الشخصية، لكن ذلك لم يمنعهم من مواصلة الإنفاق، بل على العكس تماماً.
كما جاءت بيانات مجلس المؤتمر، التي صدرت الثلاثاء الماضي، سلبية أيضاً، إذ سجلت مستوى أدنى حتى من المستويات المسجلة خلال جائحة 2020، وأسوأ قراءة منذ عام 2014.
في المقابل، أظهرت بيانات أخرى صدرت خلال الأسبوع الماضي أن إنفاق الأميركيين ظل قوياً رغم تراجع معنوياتهم.
وأعلنت وزارة التجارة أن الإنفاق الشخصي ارتفع في أغسطس آب بمعدل أقوى بكثير من المتوقع، بلغ نحو 0.9%.
كما أظهرت القراءة النهائية للناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني تعديلاً بالزيادة إلى معدل نمو سنوي حقيقي بلغ 2.2%، مقابل 1.5% في القراءة السابقة.
وجاء ذلك بشكل رئيسي نتيجة تعديل نمو الإنفاق الشخصي بالزيادة إلى 3.8% من 3.2%.
وفي المقابل، حد الإنفاق على الواردات وانخفاض المخزونات من نمو الناتج المحلي الإجمالي. وباستبعاد هذين العاملين، ارتفعت المبيعات النهائية المحلية الحقيقية بمعدل سنوي قوي بلغ 3.9%، في تسارع كبير مقارنة بمعدلي 2.4% و0.5% في الربعين السابقين على التوالي.
قد تكمن الإجابة السهلة على هذا التناقض بين تشاؤم المستهلكين وقوة الإنفاق فيما يُعرف باسم «اقتصاد على شكل حرف K»، في إشارة إلى التفاوت الكبير بين الأميركيين من حيث الدخل والثروة.
ويفترض هذا التفاوت الحاد في الدخول والثروات أن ينهي التصريحات المتكررة في وسائل الإعلام عن «المستهلك» باعتباره مجموعة متجانسة، وإن كان من غير المرجح أن يحدث ذلك.
وأظهرت دراسة واسعة الاستشهاد أجرتها موديز أنالتيكس Moody’s Analytics العام الماضي أن أعلى 10% من الأسر دخلاً تستحوذ على ما يقرب من 50% من إجمالي الإنفاق.
كما تمتلك هذه الفئات الأكثر ثراءً الحصة الأكبر من الأصول، مثل الأسهم والعقارات السكنية، وهو ما دعم قدرتها على الإنفاق مع ارتفاع قيمتها.
ووفقاً لبيانات حديثة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، زادت ثروة أعلى 10% من الأسر الأميركية بمقدار 38.2 تريليون دولار خلال العام المنتهي في 30 يونيو حزيران، في الوقت الذي ارتفع فيه مؤشرإس آند بي 500 بنحو 21% خلال الفترة نفسها.
لكن الثروة المرتفعة للأسر الأكثر ثراءً لا تفسر بالكامل نمو الإنفاق.
ووجد تقرير أعده اقتصاديَا بنك أوف أميركا Bank of America، شروتي ميشرا وأديتيا بهاف، وصدر الأسبوع الماضي، اتساعاً في نطاق الاستهلاك، مع تراجع حدة ما وصفاه بديناميكيات الإنفاق على شكل حرف K، بالتزامن مع زيادة الإنفاق بين الأسر الأقل ثراءً.
ويستند التحليل إلى بيانات مجمعة لبطاقات الائتمان والخصم التابعة للبنك.
ويقدر الاقتصاديان أن الإنفاق في الربع الثالث نما بمعدل حقيقي يقترب من 3.5%، بما يقارب أداء الربع السابق.
وأظهر تحليل بنك أوف أميركا أن ارتفاع الثروة الناتجة عن الأسهم دفع أصول الأسر إلى أكثر من عشرة أضعاف التزاماتها، وهو ما وصفه الاقتصاديان بأنه يمثل «دفعة مستمرة للإنفاق».
ولم تقتصر هذه المكاسب على المحافظ الاستثمارية للأثرياء، إذ ارتفعت أيضاً الأصول السائلة، مثل الودائع المصرفية وصناديق سوق المال، والتي يُرجح أن تكون موزعة بصورة أكثر توازناً بين السكان، مقارنة بالالتزامات.
لكن الاقتصاديين حذرا من أن اضطراب أسهم الذكاء الاصطناعي، أو ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل، أو حدوث صدمة أكبر في أسعار النفط قد يمثل مخاطر محتملة على الإنفاق.
ورغم تضخم الثروة الناتجة عن سوق الأسهم خلال السنوات الأخيرة، فإن ميل المستثمرين إلى إنفاق هذه الزيادة في الثروة تراجع.
وبالاستناد إلى تجربة الفترة بين 2012 و2019 التي أعقبت الأزمة المالية العالمية في 2008 و2009، خلصت ورقة بحثية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي نُشرت في 2025 إلى أن الميل إلى الإنفاق من الثروة تراجع.
قد يكمن جزء من تفسير الفجوة بين معنويات المستهلكين وإنفاقهم في طرق إجراء الاستطلاعات نفسها.
ويرى فريق الاقتصاد في بيبر ساندلر Piper Sandler، بقيادة نانسي لازار، أن استطلاعه الخاص، الذي يستطلع آراء 500 شخص مختلف كل ليلة، مقابل نحو 3 آلاف شخص شهرياً في استطلاع مجلس المؤتمر و1,000 شخص شهرياً في استطلاع جامعة ميشيغان، يتتبع الإنفاق التاريخي بصورة أفضل من تلك الاستطلاعات.
وأظهرت استطلاعات بيبر ساندلر مؤخراً أن الناس أكثر تفاؤلاً وأكثر انسجاماً مع سلوكهم الإنفاقي مقارنة بما تظهره الاستطلاعات الأخرى.
وعلى نطاق أوسع، قد تكون مؤشرات المعنويات الاقتصادية الرئيسية انفصلت عن أداء الاقتصاد الفعلي.
فقد واصلت هذه المؤشرات التراجع رغم انخفاض البطالة، والنمو القوي، ووصول سوق الأسهم إلى مستويات قياسية.
ووفقاً لتقرير حديث أعده الاقتصاديان في غولدمان ساكس، جوزيف بريغز وسارة دونغ، تدهورت سعادة الناس بشكل حاد في عام 2020 ولم تتعافَ بالتوازي مع الاقتصاد وسوق الأسهم.
ويمتد هذا الاتجاه عبر مختلف الفئات، وكذلك بين المنتمين إلى مختلف التيارات السياسية، وبين أصحاب المنازل والمستأجرين على حد سواء.
واستناداً إلى ورقة بحثية للاقتصادي سام بيلتزمان من جامعة شيكاغو، قال تقرير غولدمان ساكس إن الناس أصبحوا أكثر تشاؤماً بشأن حالة العالم لأسباب لا ترتبط بالاقتصاد.
ووجدت الورقة أن تراجع الثقة في جميع المؤسسات المجتمعية والحكومية تقريباً منذ عام 2016 تجاوز في تأثيره التحسن في الأوضاع المالية.
وبالتالي، قد تعكس استطلاعات المعنويات هذا التراجع العام في الثقة أكثر مما تعكس تغيرات النظرة إلى الاقتصاد.
ولم يتسن الوصول إلى ممثلين عن مجلس المؤتمر أو جامعة ميشيغان للتعليق.
قد يبدو أن تراجع السعادة مقارنة بالماضي ملاحظة بديهية، لكن استطلاعات المستهلكين لا تزال تحظى بمتابعة واسعة باعتبارها مؤشرات على الإنفاق المستقبلي.
بل إن متوسط توقعات المستهلكين بشأن أوضاع الأعمال يمثل أحد مكونات مؤشر المؤشرات الاقتصادية الرائدة لمجلس المؤتمر، إلى جانب مؤشرات قوية أخرى مثل الطلبيات الجديدة، وتصاريح البناء، والأوضاع المالية.
لكن المشكلة، وفق هذا التحليل، تتمثل في أن المشاعر ربما لم تعد تحمل الوزن نفسه الذي كانت تحمله سابقاً كمؤشر على أداء الاقتصاد.
