Site icon روكب اليوم

من الرقائق إلى الوكلاء الأذكياء.. الصين تبني نظاما موازيا للذكاء الاصطناعي | تكنولوجيا

getty 6a68862477 1785234980

روكب اليوم

تتحرك الصين في مجال الذكاء الاصطناعي وفق مسار متدرج، يهدف إلى بناء منظومة تبدأ من قاعدة العتاد المتمثلة في الرقائق والذاكرة وأشباه الموصلات، لتمتد إلى النماذج الكبيرة المنخفضة التكلفة والمفتوحة نسبيا، وصولا إلى الوكلاء الأذكياء وحوكمة المنظومة.

وفي هذا المسار، لا يظهر الذكاء الاصطناعي في الخطاب الصحفي الصيني بوصفه قطاعا تقنيا مستقلا، بل باعتباره مشروعا صناعيا واقتصاديا وسياديا متكاملا يعيد توزيع مراكز القوة في التكنولوجيا العالمية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

قاعدة صلبة

في مقدمة هذا التحول، وضعت صحيفة هوان تشيو الصينية أشباه الموصلات، وتعاملت مع صعود شركة “تشانغ شين تكنولوجي” في سوق الأسهم الصينية (A-share) بوصفه دلالة على انتقال “التقنية الصلبة” إلى قلب الأولويات الوطنية.

جناح شركة “تشانغ شين تكنولوجي” الصينية المتخصصة في إنتاج ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (أسوشيتد برس)

وتشير الصحيفة إلى أن نجاح الشركة في الإنتاج الواسع لذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (DRAM)، وانتقالها خلال عقد من “الصفر” إلى تصنيع (DDR4) ثم (DDR5) يعكس مسيرة صناعة أشباه الموصلات الصينية، ومسارا أوسع تسلكه الصين لتقليص اعتمادها على الخارج في المكونات الأساسية للبنية الحاسوبية.

لكن هوان تشيو لا تتناول في تقاريرها هذا التقدم بوصفه انتصارا كاملا، بل تشير بصيغة حذرة إلى استمرار فجوة تقنية مع الشركات الكورية والأمريكية، لا سيما في المعدات المتقدمة مثل معدات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية (EUV).

ولهذا يبدو أن الرهان الصيني لا يقوم على إعلان تجاوز نهائي، بل على بناء قدرة تراكمية، تجعل سلسلة الذكاء الاصطناعي أقل تعرضا للأزمات الخارجية وأكثر قدرة على دعم التوسع المحلي في الحوسبة والنماذج.

معيار القيمة في الوكلاء الأذكياء لم يعد عدد الرموز المستهلكة وحده، بل جودة الأداء وسرعة الاستجابة وقوة التزامن والاستقرار الأمني

بواسطة جنغ وي مين

اقتصاد الكفاءة

وأبرزت صحيفة تشاينا ديلي فكرة محورية مفادها أن الصين لا تسعى إلى إنتاج نموذج أقوى فقط، وإنما إلى إنتاج نموذج أقل تكلفة وأكثر قابلية للاستخدام الواسع.

وتوضح الصحيفة أن جاذبية النماذج الصينية في الخارج ترتبط بكونها “جيدة بما يكفي” لكثير من المهام اليومية، في وقت تنخفض فيه تكلفتها بنسبة كبيرة مقارنة بتكلفة البدائل الأمريكية، مع استمرار تقلص فجوة الأداء.

وتتقاطع تقارير صحيفة هوان تشيو عند النقطة ذاتها، فتصف الانفتاح البرمجي وخفض التكلفة بأنهما مصدر ميزة تنافسية، مشيرة إلى أن هذا النهج يرتبط بانتشار الخدمات الصينية خارجيا بسبب فارق السعر.

وبهذا المعنى، فإن الصين لا ترغب في أن يكون نفوذها عبر جودة النماذج فقط، بل عبر تحويل الذكاء الاصطناعي إلى خدمة جماهيرية قابلة للانتشار السريع داخل السوق المحلية وخارجها.

من المحادثة إلى الإنجاز

تُظهر صحيفة هوان تشيو هذا التحول بوضوح في مقابلة أجرتها مع الأكاديمي جنغ وي مين، قال فيها إن القطاع ينتقل من “مصنع لتدريب النماذج” إلى “مصنع لإنتاج الرموز الرقمية”.

وتشير جميع الدلائل إلى تغيير جذري يتمثل في نقل الذكاء الاصطناعي الصيني من مرحلة “المحادثة” إلى مرحلة “إنجاز العمل”، مما شكّل القفزة الكبرى في إنجاز أعمال فعلية عبر الوكلاء الأذكياء بعد أن كان مقتصرا على المحادثة والأسئلة القصيرة، إذ بات قادرا على تنفيذ المهام المركبة التي تضاعف الاستدعاءات والاعتماد على البنية الحاسوبية والذاكرة والتنسيق بين الأدوات.

وفي هذا الإطار -يضيف جنغ وي مين- فإن معيار القيمة لم يعد عدد الرموز المستهلكة وحده، بل جودة الأداء وسرعة الاستجابة وقوة التزامن والاستقرار الأمني.

ومن هنا يصبح أداء الوكيل الذكي هو الحلقة الكاشفة عن مدى نجاح الصين فعلا في ربط العتاد بنموذج الذكاء الاصطناعي، وفي ربط النموذج بالاستخدام الإنتاجي داخل القطاعات الاقتصادية والخدمية.

يمكن لمطوري النماذج الصينيين تحقيق المزيد من الإيرادات عبر إلزام مزودي الخدمات الخارجيين بشراء تراخيص تجارية لخدمة هذه النماذج على بنيتهم التحتية الخاصة

بواسطة رونالد كيونغ

التصنيع أولا

تمنح وكالة الأنباء الصينية “شينخوا” هذا المسار بُعده العملي، إذ ركزت على أن التصنيع هو ساحة الاختبار الحقيقية للذكاء الاصطناعي، وأن القيمة الفعلية تظهر حين يدخل النظام إلى بيئة إنتاج معقدة ويخفض التكلفة ويرفع الكفاءة.

كما تؤكد أن امتلاك الصين أكبر قاعدة صناعية في العالم يمنحها أفضلية خاصة، لأن الذكاء الاصطناعي فيها لن يبقى داخل المختبر، بل سيجد طريقه سريعا إلى خطوط الإنتاج والقطاع المالي ومقدمي الخدمات.

في السياق نفسه، ربطت بعض التقارير بين النماذج المتقدمة مثل “كيمي كيه 3” ومشروع التوسع العالمي، فرأت أن الانفتاح التقني يساعد على نشر النماذج الصينية.

وتشير صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” إلى أن بعض النماذج الصينية مثل “جي إل إم-5.2” وصلت إلى مستويات أداء لا تقل إلا قليلا عن منافسيها الأمريكيين البارزين، بل وتتفوق عليها في بعض الاختبارات البرمجية.

ونقلت الصحيفة عن رونالد كيونغ -المحلل في بنك الاستثمار الأمريكي ومقره هونغ كونغ- قوله إن مطوري النماذج الصينيين يمكنهم تحقيق المزيد من الإيرادات من خلال عملية الاستدلال، وهي إلزام مزودي الخدمات الخارجيين بشراء تراخيص تجارية لخدمة هذه النماذج على بنيتهم التحتية الخاصة.

ويضيف كيونغ أن “هناك إقبالا كبيرا على تبني الذكاء الاصطناعي الصيني بين الشركات الصغيرة والمتوسطة في السوق العالمية، بل إن الشركات الكبيرة بدأت أيضا في التفكير في استخدامه”، وهذا ما يعني أن الصين تسعى لجعل ميزة الكفاءة والتطبيق الصناعي ميزة سوقية عالمية، وليست مجرد تفوق محلي محدود.

شي جين بينغ بعد افتتاح الاجتماع الرفيع المستوى بشأن الحوكمة العالمية لمؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي (أسوشيتد برس)

الحوكمة والوكلاء

تكتمل صورة هذا البناء مع الوكلاء الأذكياء وحوكمة المنظومة، فقد أبرزت “شينخوا” إصدار أول معيار وطني إلزامي في العالم خاص بأمن تطبيقات الوكلاء الأذكياء، في خطوة تعكس إدراكا مبكرا بأن المخاطر لم تعد تقف عند حدود المحتوى الخاطئ، بل تشمل تسريب المعلومات والوصول غير المنضبط وإساءة استخدام الأدوات والانحراف عن الإجراءات المقصودة.

وتشير “شينخوا” إلى أن هذا المعيار يركز على منتجات وخدمات الأنظمة الذكية الموجهة إلى الجمهور، ويبني إطارا للامتثال الأمني يتماشى مع أهداف منع المخاطر الأمنية الرئيسية والحفاظ على معايير الأمن الأساسية.

وبهذا الإجراء القانوني، يتضح أن سعي الصين إلى توسيع سوق الوكلاء الأذكياء يتزامن مع تنظيمه أيضا عبر تحويل الخطوط السياسية والأمنية إلى معايير تقنية قابلة للفحص والامتثال، وتنسجم هذه المقاربة مع ما تعكسه تقارير الصحف الصينية بشأن سعي بكين إلى أن تكون شريكا في كتابة قواعد الذكاء الاصطناعي.

فمنظومة الذكاء الاصطناعي التي تبنيها الصين على مراحل واضحة بدءا من التوطين المتدرج للعتاد، وتوسيع قدرات الذاكرة والحوسبة، وإنتاج النماذج الأكثر كفاءة والأقل تكلفة، وصولا إلى التطبيقات الصناعية والوكلاء الأذكياء، يتم تثبيتها داخل إطار قانوني يحافظ على معايير أمن الشبكات والبيانات، ويضع الأساس لبيئة آمنة وقابلة للتحكم.

وفي ضوء هذا التصور، فإن جوهر المشروع الصيني يقوم على بناء سلسلة تقنية كاملة تستطيع أن تصنع وتنتشر وتنظم، ومن ثَم تصدير أفكار المعايير الصينية للمشاركة بشكل عميق في كتابة وإدارة قواعد الذكاء الاصطناعي العالمي.

Exit mobile version