روكب اليوم
2026-10-30 00:40:00
من المظلة الأميركية إلى التحالفات الإقليمية.. الخليج أمام معادلة أمنية جديدة
<span class="story_date">الخميس 29 اكتوبر 2026 - الساعة:18:40:46</span>
<span class="story_source">(/ عن العرب بتصرف :)</span>
</p><div>
<p><strong>باراك يعيد ترتيب أوراق واشنطن في الخليج.. الحلفاء أولاً والتدخل البري مستبعد</strong>
اتفاقات دفاعية وتحركات سعودية تركية باكستانية ومصرية.. هل تتجه الرياض إلى بناء شبكة ردع إقليمية في ظل حدود التدخل الأميركي؟
كيف تعيد تصريحات باراك رسم حدود المظلة الأميركية في الخليج؟
لماذا تدفع واشنطن السعودية نحو تحالفات إقليمية لمواجهة الحوثيين؟
هل تستطيع التحالفات الإقليمية سد فجوة التدخل العسكري الأميركي؟
تعيد تصريحات المبعوث الأميركي توم باراك بشأن الحرب مع الحوثيين رسم حدود الدور الذي تستعد واشنطن للقيام به في أمن الخليج، في وقت تتعرض فيه السعودية لهجمات متصاعدة وتبحث عن خيارات أوسع لحماية أراضيها ومصالحها. وبينما أكد باراك استمرار الدعم اللوجستي الأميركي للرياض، استبعد جدوى التدخل البري الأميركي في المواجهة، داعياً دول المنطقة إلى بناء تحالفات إقليمية بدلاً من الاعتماد على واشنطن لحل مشكلاتها.
وتكشف هذه الرسالة عن توجه أميركي نحو توزيع أكبر للمسؤوليات الأمنية على الحلفاء، من دون إعلان التخلي عنهم أو إنهاء التعاون العسكري معهم. لكنها تضع السعودية أمام سؤال عملي: إلى أي مدى يمكنها الاعتماد على المظلة الأميركية عندما تتصاعد التهديدات، فيما لا تبدو واشنطن مستعدة لتحمل كلفة حرب برية جديدة؟
وقال باراك، السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق، خلال منتدى الأمن العالمي في الدوحة الثلاثاء، إن الولايات المتحدة تقدم دعماً لوجستياً للسعودية، لكنه وصف التدخل البري الأميركي في الصراع مع الحوثيين بأنه يبدو بلا جدوى. وأضاف أن التفاوض بين الرياض والحوثيين، بمشاركة وسطاء إقليميين، قد يوفر بديلاً أفضل من توسيع التدخل العسكري.
ولا تعني تصريحات باراك أن واشنطن قررت وقف مساندتها للسعودية، بل تشير إلى تمييز بين دعم القدرات الدفاعية وتوفير الإسناد اللوجستي والاستخباراتي، وبين إرسال قوات أميركية لخوض حرب مباشرة. وأكد المبعوث أن الولايات المتحدة لا تتخلى عن شركائها، لكنها لم تعد قادرة على أن تكون الطرف الذي يتولى حل كل نزاع في المنطقة.
وتأتي هذه الرسالة بينما تكشف الهجمات الحوثية عن تحديات متزايدة أمام الدفاعات السعودية. فقد استهدفت هجمات حديثة مطار الرياض الدولي ومقار مرتبطة بشركة أرامكو، فيما أشار تحليل نشرته رويترز في 15 أكتوبر إلى أن سنوات الدعم الإيراني والتدريب على إنتاج الصواريخ والمسيّرات ساعدت الحوثيين على تطوير قدرات محلية، في وقت استنزفت فيه الحرب مع إيران مخزونات بعض منظومات الاعتراض لدى الولايات المتحدة وحلفائها.
ويعني ذلك أن الاعتماد على الدعم الأميركي، مهما كانت أهميته، لا يلغي الحاجة إلى قدرات إقليمية قادرة على التعامل مع تهديدات متكررة ومنخفضة الكلفة نسبياً، لكنها تستهدف بنية تحتية واسعة يصعب حمايتها بالكامل. كما أن استبعاد التدخل البري يترك العبء الأكبر للعمليات على الأرض للقوى اليمنية والسعودية وشركائها، مع استمرار الحاجة إلى الدعم التقني والدفاعي الخارجي.
تواجه الرياض معادلة مزدوجة: بناء قدرة إقليمية أكبر على الردع، من دون خسارة الدعم الأميركي الذي لا تزال تحتاج إليه
وتتزامن دعوة باراك مع تحركات فعلية لتوسيع الشراكات الدفاعية في المنطقة. فقد وقعت السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس اتفاق الدفاع المشترك المعروف باتفاق مكة، الذي ينص على اعتبار الاعتداء المسلح على أحد الأطراف اعتداءً على الآخرين. وبدأت الدول الثلاث بحث آليات تفعيل الاتفاق على خلفية الهجمات الحوثية، فيما تحدثت رويترز في 7 أكتوبر عن تقديم تركيا دعماً دفاعياً وتقنياً للسعودية، يشمل أنظمة دفاع جوي ومعلومات استخباراتية ومساعدة لوجستية وتخطيطاً عملياتياً.
ولا تزال طبيعة هذا التعاون وحدوده موضع تحديد، كما لم يكن إرسال قوات تركية جزءاً من الدعم الذي أُعلن عنه حتى ذلك التاريخ. لكن التطور يعكس انتقال العلاقات الدفاعية من إعلان التضامن السياسي إلى البحث في القدرات التي يمكن أن يقدمها الحلفاء فعلياً، خصوصاً في مجالات اعتراض الصواريخ والمسيّرات وحماية المنشآت والممرات البحرية.
وتبرز مصر أيضاً ضمن الحسابات الإقليمية. فقد طلب الرئيس عبدالفتاح السيسي في 17 أكتوبر تفويضاً برلمانياً محتملاً لاتخاذ إجراءات لدعم السعودية إذا طلبت ذلك، فيما كان البرلمان يعتزم بحث المسألة في الأسبوع التالي. ولم يتحدد شكل أي دعم عسكري محتمل، لكن رويترز أشارت إلى أن الخيارات الأرجح قد تشمل الدفاع الجوي والمساندة البحرية بدلاً من نشر قوات برية داخل اليمن.
وتشير هذه التطورات إلى أن الرياض لا تكتفي بتوسيع اتصالاتها الدفاعية، بل تواجه ضرورة تنسيق أدوار متعددة بين الشركاء، لكل منهم حساباته وحدود مشاركته. فوجود اتفاق دفاع مشترك لا يضمن تلقائياً خوض جميع الأطراف العمليات نفسها، كما أن الدعم التقني أو البحري لا يعادل بالضرورة تدخلاً مباشراً في ساحة المعركة.
في مقابل دعوته إلى تحمل دول المنطقة مسؤولية أكبر عن أمنها، أكد باراك أن واشنطن تريد التوصل إلى اتفاق سلمي مع إيران، وأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما زال مستعداً للتفاوض. وأشار إلى جهود وساطة تقودها قطر وعُمان وباكستان وسويسرا، معتبراً أن انعدام الثقة بين واشنطن وطهران يمثل عقبة رئيسية أمام استئناف المفاوضات.
وطرح المبعوث احتمال أن يشكل تعديل تفاهمات إسلام آباد أساساً لمحادثات جديدة تتناول وقف إطلاق النار وإعادة فتح الممرات البحرية وتخفيف الضغوط الاقتصادية على الإيرانيين. كما شكك في جدوى التدخلات العسكرية السابقة التي استهدفت تغيير الأنظمة، قائلاً إنها لم تحقق النتائج المقصودة، وأكد أن مستقبل النظام السياسي الإيراني ينبغي أن يحدده الإيرانيون أنفسهم.
ويكشف الجمع بين الدعوة إلى التحالفات الإقليمية والسعي إلى تسوية مع إيران عن مسارين أميركيين متوازيين: تقليص الاعتماد على التدخل العسكري المباشر، مع الإبقاء على النفوذ عبر الشراكات الأمنية والدبلوماسية. غير أن نجاح هذا التوجه يظل مرتبطاً بقدرة الأطراف الإقليمية على تنسيق مصالحها، وبمدى استعداد طهران وواشنطن للانتقال من التصريحات إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.
وبالنسبة إلى السعودية، لا تعني الرسالة الأميركية اختفاء المظلة الأمنية، لكنها تنبه إلى حدودها عندما يتعلق الأمر بحرب برية واسعة. وبين تطوير الشراكات الدفاعية ومواصلة الضغط الدبلوماسي، تواجه الرياض معادلة مزدوجة: بناء قدرة إقليمية أكبر على الردع، من دون خسارة الدعم الأميركي الذي لا تزال تحتاج إليه، واحتواء التهديد الحوثي من دون الانجرار إلى مواجهة طويلة لا تضمن القوة العسكرية وحدها حسمها.

