روكب اليوم
Published On 29/9/2026
داخل قاعدة الدعم اللوجستي في مطار بغداد، يرصد مراسل الجزيرة سامر الكبيسي مشهدا من المرحلة الأخيرة لانسحاب القوات الأمريكية والتحالف الدولي من العراق. وبين منشآت القاعدة التي كانت جزءا من الوجود العسكري الأجنبي لسنوات، تتجسد نهاية مسار بدأ بالغزو عام 2003، مرورا بانسحاب أمريكي عام 2011، ثم عودة التحالف بعد 3 سنوات لمواجهة تنظيم الدولة.
وفي تقرير أعده للجزيرة من بغداد، يستعيد الكبيسي مشهدا آخر من ساحة الفردوس، حيث أسقطت القوات الأمريكية تمثال الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في أبريل/نيسان 2003، إيذانا بنهاية النظام السابق وبداية مرحلة جديدة من التحولات العنيفة في البلاد.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listوبررت أمريكا وبريطانيا غزو العراق باتهامات تتعلق بامتلاك أسلحة دمار شامل، لكن دخول القوات الأجنبية إلى بغداد أعقبه حل الجيش العراقي وفتح الباب أمام فراغ أمني واسع، بحسب ما يوثق التقرير. ومع تصاعد العنف والتفجيرات، برزت جماعات مسلحة خاضت مواجهات مع القوات الأمريكية في الفلوجة والنجف ومناطق من بغداد.
وبعد سنوات من العنف، وقعت بغداد وواشنطن اتفاقية الإطار الإستراتيجي عام 2008، وانسحبت القوات الأمريكية من العراق عام 2011. غير أن ذلك الانسحاب لم ينهِ الجدل حول قدرة الدولة على إدارة الملف الأمني منفردة.
عودة التحالف
ويرى المحلل الأمني فاضل أبو رغيف أن انسحاب عام 2011 لم يكن مدروسا، وأنه أسهم في تهيئة الظروف التي سبقت سيطرة تنظيم الدولة على مساحات واسعة من العراق عام 2014. في حين يوضح التقرير أن تمدد التنظيم جاء أيضا في سياق خروق أمنية وتفجيرات وخلافات سياسية شهدتها البلاد بعد الانسحاب.
وعادت القوات الأمريكية في عام 2014، لكن تحت عنوان مختلف وبطلب من الحكومة العراقية، ضمن التحالف الدولي لمواجهة تنظيم الدولة. ثم تحولت مهمتها تدريجيا من القتال المباشر إلى الإسناد والتدريب ودعم القوات العراقية.
وبعد إعلان العراق استعادة أراضيه من تنظيم الدولة، عاد بقاء التحالف إلى واجهة الجدل السياسي والأمني، ولا سيما عقب اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس قرب مطار بغداد مطلع عام 2020. وبعد يومين، اتخذ البرلمان العراقي قرارا يدعو إلى إنهاء وجود القوات الأجنبية في البلاد.
ما الذي تغير بين انسحابين؟
وتعرضت مصالح أمريكية في بغداد وأربيل لاحقا لهجمات تبنتها أو نسبت إلى فصائل مسلحة، بينما قلصت واشنطن عدد قواتها تدريجيا. وتقول الحكومة العراقية إن الظروف اختلفت عن مرحلة 2011.
ويقول رئيس خلية الإعلام الأمني في مكتب رئيس الوزراء العراقي اللواء سعد معن إن قدرات القوات العراقية تطورت بشكل كبير مقارنة بعام 2014، من حيث التدريب والتسليح والمهارات والقدرات الفنية والتقنية، مؤكدا قدرتها على تحمل الملف الأمني.
لكن الجاهزية التي تتحدث عنها بغداد لا تعني انتهاء كل الاحتياجات العسكرية. وقال المحلل السياسي زياد عرار للجزيرة إن القوات العراقية قادرة ميدانيا على تغطية مساحة البلاد، لكنه أشار إلى بقاء نقص في قدرات الدفاع الجوي والطيران، وهي فجوات تسعى الحكومة إلى معالجتها عبر اتفاقات وتسليح وشراكات جديدة.
وأضاف عرار أن المرحلة التالية لا تقوم على قطع التعاون مع دول التحالف، بل على الانتقال من إطار جماعي إلى علاقات ثنائية مباشرة، تشمل مجالات التكنولوجيا والدفاع الجوي. كما تحدث عن إعادة توزيع للأدوار الأمنية، بحيث تتركز قوات وزارة الداخلية داخل المدن، بينما تتولى قوات وزارة الدفاع حماية الحدود والمناطق الوعرة، ومنها الحدود مع سوريا.
ويختلف الانتقال الحالي عن انسحاب عام 2011 من حيث السياق وطبيعة المهمة والبديل المطروح بعدها. فقد غادرت القوات الأمريكية آنذاك بعد سنوات من الغزو والاحتلال، قبل أن تعود ضمن تحالف دولي بطلب من بغداد لمواجهة تنظيم الدولة.
أما اليوم، فتقول الحكومة العراقية إن قواتها راكمت خبرة أكبر، وإن تعاونها مع دول التحالف سيتحول إلى صيغ ثنائية في التدريب والتسليح، مع بقاء اختبار الدفاع الجوي والطيران والتحديات الإقليمية قائما.
ومن ساحة الفردوس التي لخصت بداية الغزو، إلى قاعدة الدعم اللوجستي في مطار بغداد ولقطات إقلاع طائرات النقل العسكري من قاعدة فيكتوريا، يبدو العراق أمام انتقال جديد: من وجود عسكري أجنبي امتد بصيغ مختلفة لأكثر من عقدين، إلى اختبار قدرة الدولة على إدارة أمنها ومسؤولياتها بنفسها.

