من عدسات القرن الـ19 إلى الكاميرا الرقمية.. لبناني يوثق تاريخ الصورة | أسلوب حياة


روكب اليوم

بيروت – في أحد أحياء الحازمية شرقي العاصمة اللبنانية بيروت، تتراص مئات الكاميرات فوق رفوف خشبية صُممت بعناية، فيما تنساب فوقها أضواء خافتة تمنح المكان هيئة أقرب إلى أرشيف بصري لذاكرة العالم.

داخل هذه المساحة الصغيرة، تبدأ رحلة طويلة عبر الزمن؛ من المحاولات الأولى لالتقاط الصورة، وصولا إلى أحدث الكاميرات الرقمية، في مشهد يبدو كأنه سرد كامل لتاريخ الإنسان مع الصورة، ومحاولاته الدائمة لاحتجاز اللحظة ومنحها عمرا أطول عبر العدسات.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

من موقف سيارات مهجور صنع المخرج والمصور اللبناني إلياس دياب متحفا يضم أكثر من 1465 كاميرا، جمعها على مدى ربع قرن، متنقلا بين الأسواق القديمة في لبنان و53 دولة حول العالم.

وبين عدسة نادرة وأخرى قديمة وثالثة حديثة، تحول شغفه الشخصي إلى مشروع يوثق تاريخ التصوير، ويسعى من خلاله إلى تأسيس أول متحف عربي متخصص بهذا الفن.

من الأسواق الشعبية إلى الكنوز النادرة

يقول دياب للجزيرة نت إن الفكرة لم تبدأ من الكاميرات نفسها بل من عدسة قديمة اشتراها مطلع الألفية الجديدة، بعدما لاحظ أن جودتها البصرية تفوق العدسات الحديثة التي كان يستخدمها آنذاك.

ومن تلك العدسة الصغيرة، بدأت رحلة البحث: كيف صُنعت الكاميرات الأولى؟ متى التُقطت أول صورة في التاريخ؟ وكيف تطورت هذه الصناعة عبر العقود؟

إلياس دياب حوّل موقف سيارات مهجورا إلى متحف يحفظ ذاكرة الكاميرات منذ القرن التاسع عشر (الجزيرة)

تحول الفضول تدريجيا إلى شغف، ثم إلى هوس بالتفاصيل. بدأ يجمع العدسات القديمة، قبل أن ينتقل إلى اقتناء الكاميرات نفسها، إلى أن تحول المكان الذي يقف فيه اليوم إلى ما يشبه متحفا شبه مكتمل، يختزن تاريخ الصورة منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم.

ويقول دياب إن كل كاميرا في مجموعته تحمل حكاية مختلفة، بعضها حصل عليه من أسواق شعبية في لبنان، وأخرى اقتناها أثناء رحلاته إلى 53 دولة حول العالم، إذ كان يقصد الأسواق القديمة ومحال الـ”أنتيكات” بحثا عن قطع نادرة يصعب العثور عليها.

ويضيف أن عملية الجمع في بداياتها كانت أكثر تعقيدا، قبل انتشار الإنترنت، إذ كان يتنقل بين المناطق اللبنانية بحثا عن أي كاميرا قديمة معروضة للبيع، ثم توسعت الرحلة لاحقا إلى الخارج، وصار يتعقب الكاميرات النادرة في الأسواق المفتوحة والمتاجر المتخصصة.

داخل مجموعته، توجد كاميرات تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، وأخرى استُخدمت في الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى صور وأشرطة أفلام (Negatives) أصلية توثق لحظات من تلك الحقبة.

ويمسك دياب بإحدى القطع الأكثر فرادة في مجموعته: كاميرا من ونوع “ستيريو” (Stereo) يعود عمرها إلى أكثر من 110 أعوام، وكانت تُستخدم لالتقاط صور “ثلاثية الأبعاد” بطريقة بدائية سبقت التكنولوجيا الحديثة بسنوات طويلة.

وبجانبها يحتفظ بشرائح شفافة للصور (Diapositive) التُقطت عام 1915 في مدينة نيس الفرنسية، تُظهر مشاهد من الحرب العالمية الأولى، وقد عثر عليها بالصدفة داخل حقيبة جلدية قديمة اشتراها من أحد الأسواق في فرنسا، من دون أن يعلم البائع ما تحتويه.

ويصف تلك اللحظة بأنها واحدة من أكثر اللحظات إثارة في رحلته، لأن بعض القطع -كما يقول- لا تكمن قيمتها في شكلها فقط بل في القصص التي تحملها، وفي الأشخاص الذين استخدموها يوما ما.

بين الشغف والهوس

ويضيف أن علاقته بالكاميرات لم تعد علاقة هاوٍ بمقتنياته، بل تحولت إلى ارتباط شخصي عميق، حتى بات يعتبرها جزءا من هويته وحياته اليومية.

المكان نفسه صممه بيديه، من طريقة توزيع الكاميرات إلى تفاصيل الإضاءة والزوايا، ليصبح أشبه بـ”معتكف” يعود إليه كلما أراد التفكير أو كتابة فكرة جديدة.

ورغم أن التكنولوجيا الرقمية غيرت شكل التصوير الحديث وسهلت العمل على المصورين، فإن دياب يرى أن الصورة القديمة كانت تحمل “إحساسا مختلفا”، مشيرا إلى أن الانتقال إلى العصر الرقمي أفقد الصورة شيئا من روحها، مقابل السرعة والتقنيات الجديدة.

صور التُقطت عام 1915 في مدينة نيس الفرنسية تظهر مشاهد من الحرب العالمية الأولى (الجزيرة)

ولا يخفي دياب طموحه في تسجيل رقم قياسي في موسوعة غينيس، لكنه يقول إن حلمه الأكبر يبقى إنشاء متحف دائم للكاميرات في لبنان، يتيح للناس التعرف إلى تاريخ الصورة وتطورها عبر العقود.

غير أن هذا المشروع، بحسب قوله، يصطدم بعقبات عديدة، أبرزها غياب الدعم الرسمي وضعف الاهتمام بالمشاريع الثقافية والتوثيقية في لبنان، في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة.

“لا تتخلوا عن الشغف”

ورغم ذلك، يتمسك بحلمه، مؤكدا أن ما بدأ بفكرة صغيرة قبل 25 عاما، لن يتوقف اليوم، ويقول إن التصوير بالنسبة إليه ليس مجرد مهنة أو هواية، بل هو “رسالة”، لأن العالم -كما يراه- يبدأ بصورة وينتهي بصورة.

ويختم حديثه برسالة يوجهها إلى الجيل الجديد من المصورين، داعيا إياهم إلى التمسك بهويتهم الخاصة وعدم التخلي عن شغفهم مهما كانت الظروف، لأن “السماء هي الحد الوحيد لمن يواصل الطريق”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks