Site icon روكب اليوم

​من هرمز إلى باب المندب.. كيف أصبحت الممرات البحرية سلاحاً جيوسياسياً؟

روكب اليوم
​لم تعد الممرات البحرية في الشرق الأوسط مجرد خطوط عبور للتجارة والطاقة، بل تحولت تدريجياً إلى أدوات ضغط جيوسياسي تستخدمها الدول والجماعات المسلحة لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية.

ومن مضيق هرمز في الخليج العربي إلى باب المندب عند مدخل البحر الأحمر، باتت هذه الممرات الحيوية تمثل ساحات مواجهة غير مباشرة تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالاقتصاد العالمي، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب مع إيران واتساع دائرة الصراع في المنطقة.

وخلال العقود الماضية، ارتبطت أهمية مضيق هرمز أساساً بدوره كممر رئيسي لصادرات النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق العالمية، إذ يمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة الطاقة العالمية في أوقات الاستقرار. لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن قيمة المضيق لم تعد اقتصادية فقط، بل سياسية واستراتيجية أيضاً، بعدما تحول إلى ورقة ضغط تستخدمها طهران في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.

ومع تصاعد الحرب مع إيران، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من “الحرب الاقتصادية”، حيث أصبحت القدرة على تعطيل حركة التجارة والطاقة جزءاً من أدوات الردع والضغط السياسي.

ولم يعد الأمر يتعلق فقط بالهجمات العسكرية التقليدية، بل بإمكانية تهديد الاقتصاد العالمي من خلال التحكم بالممرات البحرية الحساسة.

وفي هذا السياق، أطلقت الولايات المتحدة في مايو عملية “مشروع الحرية” لمرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز بعد تصاعد المخاوف من استهداف الملاحة الدولية، إلا أن المبادرة توقفت سريعاً مع حديث واشنطن عن تقدم في المفاوضات مع إيران.

ومع ذلك، لم تتراجع المخاوف المتعلقة بأمن الملاحة، لأن الأزمة تجاوزت حدود هرمز نفسه.

وفي جنوب البحر الأحمر، برز مضيق باب المندب باعتباره الحلقة الثانية في معادلة “الاختناق البحري” التي تهدد التجارة العالمية. هذا المضيق، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، يعد بوابة أساسية لقناة السويس وأحد أهم الشرايين البحرية في العالم.

ومع تصاعد نفوذ الحوثيين في اليمن، تحوّل باب المندب من ممر تجاري تقليدي إلى نقطة اشتباك جيوسياسي.

و أظهرت الجماعة قدرتها على تهديد الملاحة الدولية، واستهداف السفن أو التحكم بشكل غير مباشر في حركة العبور، ما جعل المضيق ورقة ضغط إضافية ضمن الصراع الإقليمي الأوسع.

وتكمن خطورة الوضع الحالي في احتمال حدوث أزمة “اختناق مزدوج”، أي تعطيل متزامن لمضيق هرمز وباب المندب، وهو سيناريو قد يؤدي إلى شلل واسع في حركة التجارة والطاقة العالمية.

وإذا أُغلق هرمز أو تعطلت الملاحة فيه بشكل كبير، فإن جزءاً ضخماً من صادرات النفط الخليجية سيتعرض للخطر.

وإذا تزامن ذلك مع اضطرابات في باب المندب، فإن السفن ستضطر إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح جنوب أفريقيا، ما يعني إضافة آلاف الأميال إلى الرحلات البحرية وارتفاعاً هائلاً في تكاليف النقل والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

وهنا تتجاوز الأزمة حدود أسواق النفط. فباب المندب ليس ممراً للطاقة فقط، بل شريان رئيسي للتجارة بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب طويل الأمد فيه سيؤدي إلى تأخير سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع تكاليف الشحن، وتعميق التضخم في العديد من الاقتصادات.

وقد كشفت التطورات الأخيرة أيضاً عن حدود القوة العسكرية التقليدية في حماية الممرات البحرية. فعلى الرغم من الوجود العسكري الأميركي الضخم في المنطقة، لم تتمكن واشنطن من تقديم ضمانات كاملة لأمن الملاحة، وهو ما أثار تساؤلات متزايدة حول فعالية الاستراتيجية الأميركية القائمة على الانتشار العسكري طويل الأمد في الشرق الأوسط.

كما أظهرت الأزمة أن الفاعلين غير الدوليين، مثل الحوثيين، باتوا قادرين على التأثير في الاقتصاد العالمي بوسائل منخفضة الكلفة نسبياً، من خلال الطائرات المسيّرة والصواريخ البحرية والتهديد المستمر للملاحة.

وهذا التحول يعكس تغيراً أعمق في طبيعة الصراعات الحديثة، حيث لم تعد السيطرة على الأراضي وحدها هي العامل الحاسم، بل القدرة على التحكم بالتدفقات الاقتصادية العالمية.

وفي المقابل، تستخدم إيران هذه المعادلة لتعزيز موقعها التفاوضي. فطهران تدرك أن قدرتها على تهديد هرمز تمنحها نفوذاً يتجاوز قدراتها العسكرية المباشرة، لأنها تمس مصالح الطاقة العالمية وأسعار النفط والتوازنات الاقتصادية الدولية.

وأما الحوثيون، فرغم ارتباطهم بمحور تقوده إيران، فقد أظهروا أيضاً هامشاً مستقلاً من القرار السياسي والعسكري، إذ لا يتعاملون مع باب المندب فقط كجزء من الصراع مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل كورقة نفوذ إقليمية تمنحهم مكانة استراتيجية تتجاوز حدود اليمن.

ومن اللافت أن الجماعة لم تتجه حتى الآن إلى فرض حصار كامل على المضيق، بل اعتمدت سياسة “الضغط التدريجي”، من خلال استهداف أو تهديد سفن محددة، بما يسمح لها بإبقاء باب المندب ورقة قابلة للاستخدام دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تستجلب رداً دولياً واسعاً.

ويعكس هذا الاستخدام المدروس للممرات البحرية كيف أصبحت الجغرافيا أداة سياسية في الشرق الأوسط. فالمضائق لم تعد مجرد ممرات طبيعية، بل تحولت إلى عناصر أساسية في توازن الردع الإقليمي.

كما كشفت الأزمة هشاشة البنية الاقتصادية لبعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها السعودية، التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على باب المندب لتصدير جزء من نفطها بعد تعطل أو تهديد الملاحة في الخليج.

ورغم الاستثمارات الضخمة التي ضختها الرياض في قطاع الطاقة والبنية التحتية، فإن الحرب أظهرت أن المملكة لا تزال تواجه تحديات كبيرة في تحويل صادراتها النفطية بعيداً عن الخليج بشكل كامل.

وإذا تعرض باب المندب أيضاً لاضطرابات واسعة، فإن الصادرات السعودية ستواجه اختناقات لوجستية حادة، ما سيؤدي إلى ارتفاع التكاليف وتأخير الإمدادات، ويزيد الضغط على الأسواق العالمية.

وفي الأثناء، تبدو القوى الدولية الكبرى أمام معضلة معقدة. فالولايات المتحدة وأوروبا تحتاجان إلى حماية التجارة العالمية ومنع انهيار استقرار أسواق الطاقة، لكنهما تدركان أيضاً أن أي مواجهة واسعة مع إيران أو الحوثيين قد تؤدي إلى تفجير الوضع الإقليمي بالكامل.

ولهذا، تتزايد الدعوات إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة للممرات البحرية تقوم على التهدئة والتفاهمات السياسية، بدلاً من الاعتماد الحصري على القوة العسكرية.

لكن المشكلة الأعمق تكمن في أن “تسليح الممرات البحرية” أصبح جزءاً من الواقع الجيوسياسي الجديد في الشرق الأوسط. فطالما بقيت المنطقة تعيش صراعات مفتوحة وتنافساً حاداً بين القوى الإقليمية والدولية، ستظل المضائق البحرية عرضة للاستخدام كورقة ضغط سياسية واقتصادية.

وفي عالم يعتمد بشكل متزايد على التدفقات السريعة للطاقة والبضائع، فإن أي اضطراب في هذه الممرات لم يعد أزمة إقليمية فقط، بل تحول إلى تهديد مباشر للاقتصاد العالمي بأكمله.

ومن هنا، فإن معركة النفوذ في الشرق الأوسط لم تعد تدور فقط حول الحدود والجيوش، بل أيضاً حول السيطرة على “شرايين العالم” البحرية، من هرمز إلى باب المندب، حيث أصبحت الجغرافيا البحرية سلاحاً جيوسياسياً بامتياز.


Exit mobile version